العدد(4308) الاثنين 12/11/2018       16 تشرين الثاني 1916 (دكة) عاكف بك في الحلة       من اخبار المصارع عباس الديك ونزاله الشهير       النجف في أوائل القرن العشرين في كتابات انكليزية       عندما وصل ناظم باشا الى بغداد سنة 1910       من تاريخ الصراع من اجل الديمقراطية في العراق..معركة السلطة مع اساتذة جامعة بغداد سنة 1956       الجبهة الوطنية ومعركتها مع االسلطة في انتخابات 1954       في ذكرى انتحاره في 13 تشرين الثاني 1929..قصة تمثال السعدون       العدد (4306) الخميس 08/11/2018 (بهيجة الحكيم)       التشكيلية العراقية بهيجة الحكيم    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :29
من الضيوف : 29
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22870611
عدد الزيارات اليوم : 11567
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


العراقيون والثورة الدستورية في الدولة العثمانية سنة 1908

■ محمد جبار ابراهيم
كان إنفجار ثورة تركيا الفتاة عام  1908يعني للعوائل الارستقراطية ان حياتهم الهادئة قد عادت الى الاهتزاز من جديد ، فقد اثار قلقهم اعتقادهم بان الاتحاديين قد عزموا على إلغاء حصاناتهم الضريبية ، والتي فسروها بهذا الشكل استناداً الى المادة عشرين من دستور 1908 التي قضت بان تفرض الضريبة بما يتناسب مع موارد كل فرد  ،


 وإعلان الحكام الجدد عزمهم على توزيع المناصب منذ الان في ضوء كفاءة الافراد أكثر من أي اعتبار آخر ، مثل النفوذ المحلي أو الثروة، وكان هذا يعني ، حسب تصورهم ، ازاحتهم من مناصبهم العليا ، الأمر الذي بدا لهم أنه قد أصبح وشيك الحدوث عندما بدأت لجنة الاتحاد والترقي ببغداد عملها بعد الثورة مباشرة برفض تعيين عيسى الجميل رئيساً لبلدية بغداد ، ودعوتها الى طرد نجم الدين الحيدري كقاضٍ لبغداد  ، واعتراضها على وجود عبد الرحمن الكيلاني في المجلس الاداري  . غير إن أكثر ما أثار مخاوفهم كان شعورهم بانهم مقبلون على مرحلة جديدة تقوم على هدم المفاهيم الاجتماعية القديمة وطرق التفكير المعتادة ذات النسيج الاسلامي الذي دعم حتى ذلك الحين موقعهم المتميز ، وضمن سيطرتهم الاجتماعية . لذلك ألفت العوائل البغدادية المتنفذة "حزب المشورة" في أوائل تشرين الأول سنة 1908  ، وكان من أبرز اعضائه عبد الرحمن الكيلاني وعيسى الجميل وعبد الرحمن باشا الحيدري والشيخ سعيد النقشبندي ، مطالبين من خلاله بالعودة الى حكم الشريعة الاسلامية  ، محاولين استغلال الجاذبية التي يتمتع بها مبدأ الشورى لدى عامة المسلمين ، وقلب الامور على مؤيدي الدستور ، والابقاء على المواصفات القديمة للمؤسسة السياسية العثمانية لادامة المؤسسة الاجتماعية التقليدية التي تمت في ظلها صيانة
مصالحهم أطول فترة ممكنة . وبسبب النزاعات العائلية التي سلبتهم سريعاً قدرة العمل الجماعي الموحد  لم يستمر تحالفهم هذا سوى بضعة أسابيع . دفع تراخي العوائل المتنفذة الى تبنيها الفكرة القومية  بصيغتها الابتدائية، المعبرة عن كرهها وفزعها من فقدان امتيازاتها التي كانت تعدها جزءاً أساسياً من وجودها ذاته ، ولان العالم القديم لا ينتهي كليا قبل أن يتعايش مع العالم الجديد على الرغم من نمو الاخير على حسابه ، والذي تتشرب عناصره بعض قوتها أو أكثر من الولاءات القديمة ، لكي يولد عالم مزيجي مختلف عن كليهما . فان استعانتها بكل ما يمثل الولاء للاسلام في رفد الفكرة القومية (العروبية) للمطالبة بالحكم الذاتي هو تعبير عن الولاء للجماعة المغزوة ، المهددة في هويتها القائمة على أساس قناعة العوائل المتنفذة – أو فئة المحظوظين – الايديولوجية ان مكانهم الممتاز في المجتمع العراقي كان عن جدارة ، وكان خيراً وعدلاً اراده الله .
كان طالب النقيب  الممثل النشط لعائلة النقيب الرفاعية بالبصرة ، أسرع إدراكاً للمتغيرات الجديدة التي تحتم تأييده الاتحاديين باعلانهم اعادة الدستور العثماني ، فقد أتاح له وجوده في اسطنبول  أثناء احداث الثورة فرصة الاطلاع على ردود افعال الاتراك ، فقدر بالتالي مدى امكانية استمرار نجاحها ، لذلك أعلن عن تأييده هذا لسكان البصرة في أول عمل قام به بعد عودته إليها ، ثم إنضم الى فرع "جمعية الاتحاد والترقي" الذي فتح بالبصرة أواخر العام 1908 ، وكثر الانتماء إليه ، حتى إن رئيس الفرع كان يشكو من ضخامة عدد طلبات الانتساب التي تحول دون التفرغ لتدقيقها  . كان هدف طالب النقيب من ذلك احتواء أي تغييرات يمكن ان تحمل انعكاسات سلبية على نفوذه الذي كان يرجع في القسم الاهم منه الى مدى تماسك تحالفاته بالفئات المتنفذة في جنوب العراق بصورة عامة ، ومدينة البصرة بصورة خاصة ، كما أنه كان على علاقات طيبة مع حليفيه الاقليميين شيخ المحمرة وشيخ الكويت ، اللذين كان لهما ممتلكات بالبصرة تولى طالب النقيب الاشراف عليها وحمايتها  ، لذا كان يمدانه بالاموال والرجال ، واحيانا بالسلاح اذا دعت الحاجة الى ذلك  . لكنه حاول أن يجعل من عمله هذا ذا فائدة مضاعفة عندما حث حكومة الاتحاديين على قبول وساطته لها مع مبارك شيخ الكويت  ، وكان يرمي من ذلك استدراج الاتحاديين الى الاعتراف به رجل البصرة الأول ، كما أنه كان بحاجة الى اسناد شيخي المحمرة والكويت أمام الانكليز  الذين كان النقيب يهمه اقناعهم بالتعامل معه على أساس كونه شيخاً غير متوج ، ليكون الورقة التي يمكن أن يلجأوا إليها  لدفع
الحكومة للتعاطي بايجابية مع خدماته المعروضة في إدارة البصرة التي لم تكن الحكومة مستعدة بان يكون ثمن ذلك على حساب هدفها بتجذير الحكم المركزي.
اتاحت التغييرات الاقتصادية والاجتماعية لفئة التجار امكانيات متراكمة سمحت لها أن تُعبر عن نفسها كنُخب صاعدة في المجتمع العراقي ، ولهذا نرى بان المعارضة البغدادية الواسعة التي حدثت بين عامي 1909 و 1910 ضد منح الاتحاديين امتيازاً لشركة "لنج" الانكليزية للملاحة قد وقف وراءها بصورة رئيسة كل من التاجرين المعروفين عبد القادر الخضيري ومحمود جلبي الشابندر . والاكثر من ذلك إن التاجر محمد الصابونجي هو الذي كان يدير فعليا دفة مدينة الموصل في غضون المدة الممتدة بين عامي 1895و1911 ، مستغلا مقعده الدائم في المجلس الاداري لولاية الموصل ، ومستنداً الى شبكة واسعة من الاصدقاء من المسؤولين والزعماء المحليين. وفي السياق نفسه ان طابع البصرة التجاري ، وتنوع العلاقات الاقتصادية الدولية ، لاسيما مع الشركات الانكليزية لتجار البصرة، قد جعل من شكل الحكم الاوليغاركي التجاري هو الاكثر انسجاما مع واقعها من أي شكل آخر . وإن هذا هو الذي يفسر لماذا كان الحكم العسكري المركزي للاتحاديين فيها أقل توفيقا من بقية المدن العراقية ، خصوصاً وأنه لم يراع هذه المسألة . ولهذا أيضاً فان عائلة النقيب لم تواجه منافسة جدية في مدينة البصرة إلا من قبل إحدى أكبر العوائل التجارية البصرية، ألا وهي عائلة آل زهير القوية  ، ويبدو إن منافسة أصحاب المهنة الواحدة ، والخوف من سطوة آل الزهير التجارية ، قد دفعت بقية أهم العوائل التجارية كعائلة المنديل وباش أعيان والصانع الى إسناد طالب النقيب ، وتوجيه مشاكساته نحو السلطة المركزية. والظاهر إن إنهاء وتصفية نفوذ محمد الصابونجي من قبل الاتحاديين في العام 1911  ، حثها أكثر على الاستمرار بموقفها هذا ، والاستفادة من الغطاء الذي قدمه لها طالب النقيب . لكن فيما يخص الاخير اذا كان ما قاله ساسون حسقيل صحيحاً بان معظم أهل البصرة يكرهونه، فان تحالفاً مثل هذا كان مسألة أكثر إلحاحاً له .
سرعان ما أصبحت نتيجة الحلف واضحة في برنامج "جمعية البصرة الاصلاحية" التي أسسها طالب النقيب بتاريخ 28 شباط سنة 1913 ، حينما صار مطلب الحرية الاقتصادية (الليبرالية الاقتصادية) إحدى مواده التي علق عليها أعضاء الجمعية أهمية بالغة  ، فهي طالبت باعطاء صلاحيات واسعة للمجلس الاداري لولاية البصرة الذي سيطرت عليه الجمعية ، بما في ذلك الحق في تأليف الشركات التجارية والصناعية والزراعية ، واعطاء الامتيازات ، وتحديد الميزانية وتأسيس غرفة تجارة وبورصة وتشجيع الصناعة وتطوير التجارة وتأسيس المصارف والمدارس الزراعية وحفر الجداول وتوزيع الحبوب واستجواب الوالي عن أي قضية ، وطلب عزله عند الضرورة  . وبالطبع ما كان بالامكان تفعيل هذا المطلب إلا بواسطة الادارة اللامركزية التي طالب بها أعضاء "جمعية البصرة الاصلاحية" .
وهكذا ان نجاح طالب النقيب في الحصول على تحالفات خطيرة في مدينة البصرة والمناطق المحيطة بها ، ثم مطالبته ، ولأول مرة ، بان يكون الوالي عراقيا ملما بعادات وتقاليد العشائر المحلية  ، معناه ضمنياً أنه قدم نفسه للحكومة المركزية بوصفه المرشح الأول لولاية البصرة . وبسبب قيمة وظيفة تلك التحالفات كان من البديهي أن تحدد بنيتها الاجتماعية والاقتصادية شكل حكومة الولاية المفضلة ، وطبيعة العلاقة معها ، والقائمة على اساس اللامركزية الادارية والليبرالية الاقتصادية وعراقية الوالي ، لكن لاجل هذا العامل تحديداً فشلت الجمعية في تحقيق نجاح مماثل بمدينة الموصل ، كما ثبطها عن المحاولة في تأسيس فرع لها في بغداد ، وبنظر شخصية مثل طالب النقيب تقدر قيمة العلاقات، فان هذا الثمن لم يكن قليلاً .
سادت الروحية المحلية القوية نفسها بين مدن واقسام الولايات العراقية الثلاث ، والتي خلقتها عوامل عدة ، ففي الموصل وكما سبق أن بينا ذلك في الفصل الأول بصدد استمرار مفعول قرار الطابو فيها ، فان ذلك قد أدى الى نشوء تيار قوي فيها لا يحبذ فكرة اللامركزية بسبب حاجة أصحاب سندات ملكيات الطابو الى قوة السلطة المركزية لحماية حقوقهم الملاكية ، ولذلك فان عامل التفتت الاقتصادي هذا من شأنه أن يلقي الضوء على جزء كبير من الاجابة على السؤال بخصوص سبب فشل سليمان  فيضي في مهمته بالموصل. وفي الوقت نفسه فان التحولات التحديثية ، والتي جرت بوتائر أسرع في البصرة نتيجة اتصالها المباشر بالاسواق الاوربية ، لاسيما الانكليزية ، سمحت لها بالتالي أن تكون تأثيرات ذلك الانفتاح واضحة فيها أكثر من بقية المدن العراقية على واقعها الاجتماعي . فالرحالة الانكليزي كوبر Cowper الذي زارها في العام 1893 لفت انتباهه إن "كل فرد تقريباً في ميناء البصرة يعرف أن يتحدث شيئاً بسيطاً باللغة الانكليزية . فنوتية البلام يتحدثون مع ربانية البواخر بانكليزية مبسطة ، وموظف التلغراف وصاحب الحانوت يعرفون بضع كلمات باللغة لانكليزية"  وفي العام 1910 قام النائب البغدادي إسماعيل حقي بابان  في البرلمان العثماني بزيارة الى ميناء البصرة ، فكتب عنها في صحيفة "طنين" التركية قائلاً : "أنى جلتّ بنظرك في البصرة يصدمك فوراً ألف شيء يرتبط بانكلترا ، وتشعر مدى العمق الذي انغرست فيه مخالب النفوذ الانكليزي في لحم بلادنا . الحمالون أنفسهم كيفوا لهجتهم مع الالفاظ البحرية والتقنية الاخرى التي عربت عن الانكليزية وحرفت وصرفت"  . بينما امتلكت النخبة البصرية صورة مغايرة تماماً عن نفسها ، مما توضح في رأي احمد باشا الصانع احد المساندين لطالب النقيب ، الذي صرح به لمس بيل في العام 1920 بانه يكره بغداد – والتي لم يزرها حتى العام المذكور – ويشجب حماقة أهلها وجهلهم ، ويطري حكمة أهالي البصرة وتعقلهم ، وكان يحبذ ترك العراق يغلي في الفوضى ، اذا كان ذلك يعني تمسك الانكليز بالبصرة وحدها . وعندما نعود الى الموصل نجد إن المظاهر الاجتماعية المذكورة هي عكس ما كان يجري فيها ، فعدم صلاحية طريقها النهري الوحيد دجلة حتى تكريت لملاحة السفن البخارية الصغيرة اضطرها للاعتماد على المراكب البدائية المسماة بـ"الاكلاك" للوصول الى بغداد  ، أي حرمها من خدمات "شركة لنج" الملاحية لها . ثم تحولت اسواقها للتعامل بشكل أساس مع اسواق حلب واسطنبول للحصول على البضائع الأوربية منذ أواخر القرن التاسع عشر  ، بعد أن أصبح ذلك أرخص لها من محاولة استيرادها البضائع الأوربية من أسواقها الاصلية . أدى ذلك بمجمله الى ابعادها عن المؤثرات الغربية ، واستمرار عزلتها النسبية التي عملت على تدعيم حصانتها المحلية ، وكان من ابرز نتائج ذلك احتفاظ قوى التيار الديني المحافظ والتيار السلفي فيها بمواقعها المتقدمة  ، وقد كشف ذلك حجم المعارضة الواسعة الموصلية التي ايدت محمود شكري الآلوسي ، الأمر الذي دفع الحكومة العثمانية للاحجام عن تنفيذ قرارها القاضي بنفي الآلوسي بسبب ميوله السلفية وذلك في العام 1905  . ولذلك عندما جلب أحد الموصليين ماكنة للثلج بعد ثورة الاتحاديين بقليل ، ظهرت معارضة قوية من الجهة المحافظة في المدينة على ادخال حتى مثل هذا النوع البسيط من مظاهر التقدم ، ولم يستطع صاحبها اسكاتها إلا بعد أن أدخل أسم آمر حامية المعسكر على رأس قائمة المشاركين في ثلجه  . في ضوء كل هذه المعطيات يظهر لنا بوضوح ان النزعة المحلية التي عرفتها الولايات العراقية الثلاث ، تمثلت في وجود تجمعات تعتمد على المنطقة التي تنتمي اليها ، بحيث تتمتع كل منها بطبيعة ثقافية مشتركة ، وتستغل النخب في تلك التجمعات هذه النزعة ، بهدف إدامة نفوذها الاجتماعي . ولتوضيح النقطة الأخيرة نشير إلى إن سليمان فيضي ، وهو في الاصل من أبناء الموصل ، عندما عينه والي البصرة سليمان نظيف 1909-1910 في منصب قضائي فيها سنة 1909 ، قام عدد كبير من أعيانها بتوقيع عريضة احتجاج على هذا التعيين على أساس أنه لم يكن بصرياً ، وليس من أشرافها ، ولا من ملاكيها  . وتظهر هذه النزعة في أعلى مراحلها عندما تستفز من نزعات محلية منافسة . لقد جرت مظاهرة في تشرين الأول سنة 1911 احتجاجاً على الغزو الايطالي لطرابلس ، تجمع المتظاهرون بحسب المحلات ، ولكن شجاراً عنيفاً قد اندلع بين جماعة حي باب الشيخ وجماعة حي الحيدرخانة حول مسألة الاسبقية ، ومن له أن يسير على رأس المظاهرة  . يسهم ذلك بجزء مهم في تفسير كيفية احتفاظ أغلب الأسر المتنفذة بالقسم الأكبر من نفوذها الاجتماعي ، رغم تحولها الى شبه ارستقراطية. فكان من الصعب ، مثلا ، أن تتوصل العوائل المتنفذة البغدادية ، مثل عوائل الكيلاني والجميل والالوسي والحيدري ، الى تفاهم مشترك معها وبينها من النمط الذي حصل في البصرة ، وذلك بسبب المنافسة العائلية التي كانت سرعان ما تستهلك زخم أي عملية جامعة تستهدف ايجاد مثل هذا النوع من التفاهم . فمنظومة العمل المشترك التي تحققت في البصرة ، والقائمة على أساس تبادل المصالح ، لم يمكن تكرارها في بغداد لأن أسرها المتنفذة الدينية لم تملك الكثير لتبادل به سوى إصرارها على تقديم زعمائها ، مما لم يدع مجالاً واسعاً للتفاهم . إن هذا هو الذي يفسر لماذا انتهى سريعاً تحالف "المشورة" البغدادي ، ولماذا لم يحاول أعضاء "جمعية البصرة الإصلاحية" فتح فرع لها في بغداد كما أسلفنا .
أكدت الاضطرابات التي تسبب بها قرار إقالة الوالي ناظم باشا الثاني (1910-1911) حقيقة مهمة مفادها إن القوى المحافظة كانت لا تزال قادرة على إثارة المتاعب للسلطة الحاكمة التي كانت مستنفرة ومتهيأة لاعلان الاحكام العرفية في بغداد  ، مما أعانهم في دفع الحكام الجدد على عدم تفعيل المواقف النظرية المضادة لهم ، فالقرار القاضي بوضع كل الاوقاف المستثناة من الضرائب على قدم المساواة مع بقية الاوقاف ، والذي كان ينطبق على أوقاف القادرية في بغداد التي كان يديرها عبد الرحمن الكيلاني بقي بلا تنفيذ  . كما لم تستطع أول لجنة للاتحاد والترقي في بغداد أن تستمر في مواقفها الراديكالية طويلاً ، فحلت لصالح لجنة أخرى أواخر العام 1909 وصفت بأنها "أكثر تعقلاً" والتي نالت تأييد عبد الرحمن الكيلاني وبقية عوائل "السادة"  . بل ونجحوا في فرض سيطرتهم على المجلس الاداري لعموم ولاية بغداد ، الذي جاء أعضاؤه على الضد من إرادة الاتحاديين ، وذلك في أيلول 1913  .  الوعي المختلط للعمال الموسميين (الزراعيين) الذين كانوا يؤلفون الجانب الاكبر من أفراد "الطبقة العاملة الوليدة" احتفظوا بايديولوجية العلاقات الاجتماعية الريفية ، وعوقهم النفسي ، مما ساعد على استغلال هذه الفئة بجرها للوقوف ضد مصالحها الاجتماعية والاقتصادية في كثير من الاحيان . ففي حوالي العام 1876، مثلاً ، تمكن متصرف المنتفك من جمع عدد كبير من العمال من بين فلاحي المنطقة لبناء سد على الفرات بأجور زهيدة لمجرد كونه أحد شيوخ المنطقة. وكان المشرفون على مشروع سدة الهندية يتصرفون مع العمال كما يشاؤون ليس لمجرد توفر الايدي العاملة الرخيصة ، بل لأنهم كانوا يدفعون للشيوخ أيضاً ليرة تركية في الشهر عن كل خمسين رجلاً يزودون المشروع بهم.
وبحكم هذه الظروف والعوامل التي تفاعلت معها ، ساد الاتجاه التوفيقي في طروحات المثقفين العراقيين ، لاسيما السياسية منها ، من أجل التوفيق بين رغبتهم العارمة بالتغيير الشامل ومصالح الفئات المتنفذة العراقية، والذي سهل تفاعل هذه العملية إن العديد من المثقفين توصلوا الى نتيجة تمخضت تحت وطأة عدم انسجامهم مع المؤسستين العشائرية والدينية ، وخيبة أملهم بنتائج مؤسسات المجتمع الثقافية الحديثة ، فلم يبق أمامهم الا المؤسسة السياسية التي أصبحت خياراً وارداً بفضل ثورة الاتحاديين التي كان من شأنها ان تمكنهم من اكتساب وزن سياسي كاف لموازنة النفوذ الاجتماعي للقوى المحافظة ، وقد يتيح لهم ذلك الفرصة لتفعيل دورهم المفترض بوصفهم نخبة قائدة في المجتمع العراقي ، وكان يحدوهم الى ذلك أيضاً أملهم في تحقيق طموحاتهم الشخصية المشروعة .
كان معروف الرصافي من أوائل المثقفين العراقيين الذين طالبوا بالحكم الجمهوري من خلال قصيدته "رقية الصريع" التي نظمها في العهد الحميدي ، عندما قال :
إن الحكومة وهي جمهورية
كشفت عماية كل مضلل
سارت الى نجح العباد بسيرة
أبدت لهم حمق الزمان الأول
وعند إعلان الدستور العثماني 1908 احتدم النقاش حول نظم الحكم ونظرياته الفلسفية والاجتماعية ، منها الحكم الملكي الاستبدادي المطلق ، والحكم الملكي الديمقراطي الدستوري ، وكذلك الحكم الجمهوري . ففي النجف ، مثلاً ، ولأن جميع الأنظمة الجمهورية والديمقراطية المعروفة في ذلك الوقت كانت علمانية ، لذلك برر التيار الرافض لفكرة الجمهورية على أساس كونها تمثل إحدى شعارات الغرب الذي يريد "إنهاء الإسلام" في البلاد من خلال اشاعة المظاهر الغربية في الحياة ، وتعطيل أحكام الشريعة الإسلامية في المجتمع  . بينما احتج المؤيدون للحكم الملكي الديمقراطي الدستوري ان كل أنواع الحكم وأشكاله ونظرياته من الأمور الوضعية ، ويحق لكل مسلم أن يأخذ بما يوافقه منها تمشياً مع نظرية "حجية العقل" في كل الشؤون الدينية ، الأصول منها والفروع ، مع ثبوت عجز الملكية المستبدة عن المحافظة على بيضة الإسلام ، والصمود في وجه المستعمرين الغزاة  . وقد اطلقت تلك الآراء المتعلقة بانظمة الحكم المفضلة مناقشات سياسية أخرى كالتي حدثت في المنطقة الكردية ، ففي السليمانية ، مثلا ، أوضح الرحالة الانكليزي ، والخبير في شؤون الاكراد ميجر سون ، الذي زار المنطقة متنكراً بشخصية وهمية ، نتيجة تلك المناقشات بالقول :
"وعلى غرار أغلب الاكراد اظهر القوم عطفاً على الملكيين بأكثر من العطف على الجمهوريين الذين كانوا يعتدونهم نفراً من الجماعات الناشطة في سبيل الشر، مجردين من أي موهبة تؤهلهم لحكم بني جلدتهم" .
وهكذا في حال حصر الخيار بين الملكية والجمهورية فان الاخيرة كان تأييدها ضعيفاً بين سكان الولايات العراقية ، لأنها كانت تعني عملياً الانفصال عن الدولة العثمانية ، لذا فان مطالبي اللامركزية حرصوا على تأكيد استمرار تأييدهم لكون العراق "أرضاً عثمانية" تحت راية الهلال ، وسلطة الخلافة  .إن فكرة اللامركزية التوفيقية التي جمعت بين بعض خصائص جوهر الجمهورية التي تلخصت في حق المشاركة في الحكم بصورة أوسع مما يضيق به النظام المركزي ، مع المحافظة على رابطة الخلافة التي تتيح إدامة شكل الحكم الاسلامي للولايات الثلاث ، كانت من أكثر الافكار السياسية انتشاراً بين العراقيين، حتى إن "سياسة اللامركزية أصبحت مرمى أبصار الجميع" حسب تعبير جريدة "صدى بابل"  . وباستثناء البصرة أصبحت بغداد من أنشط مدن العراق الداعية الى اللامركزية من خلال "النادي الوطني العلمي" منذ العام 1913، على الرغم من إن النادي تأسس أوائل سنة 1912 من قبل الانتلجينسيا البغدادية ، غير إن شعار اللامركزية هو الذي أعطاه بريقه، ومنحه التأييد المادي والمعنوي للعديد من الشخصيات العراقية المتنفذة مثل يوسف السويدي وعيسى الجميل وعبد الرحمن الكيلاني وطالب النقيب  .
إن قدرة الافكار السياسية الغربية على التعايش بين المجتمعات المتخلفة ، أذن ، كان يعتمد على مدى قابليتها على التماهي مع الوقائع الاجتماعية السائدة فيها ، وبالذات تلك التي تثير الحساسية أكثر من غيرها . لذا لا يمكن أن نطمئن فقط بتعليل الدكتور عامر حسن فياض ، الذي عزا عدم انتشار الديمقراطية الليبرالية بوصفها إختياراً ثقافياً في تلك المجتمعات ، الى شيوع الامية ، وتشرنق الاغلبية فيها بالاطار المعرفي الموروث  . وهنا نستعير الحوار التالي الذي تم بين أحد شيوخ شمر جاء لزيارة نقيب بغداد السيد عبد الرحمن الكيلاني رئيس وزراء العراق  ، وهو أفضل مثال عن وجهة نظر أحد اصحاب السلطات المحلية : "سأله النقيب : هل أنت ديمقراطي ؟ أجاب الشمري بعد أن أحس بشىء من الاهانة : كلا والله ! أنا لست مقراطي . ماذا تعني بذلك ؟ قال النقيب منشرحاً: أنا شيخ الديمقراطية ، فما كان من الشيخ الذي أحس بأنه ارتكب خطأ بجوابه إلا أن قال : استغفر الله ، إذا كنت شيخ المقراطية فانا واحد منهم ، وانا رهن اشارتك. لكن ما هي المقراطية ؟ . قال النقيب : الديمقراطية تعني المساواة ، لا كبير ولا صغير ، بل الكل متساوون في السلطة . هنا افاق الشمري من ذهوله وقال ، بعد أن وجد سلطته العشائرية قد جردت عنه بهذا التعريف ، يشهد الله عليّ اذا كان الأمر كذلك فلست مقراطي" . النزعة الراديكالية التي اظهرتها المجموعة هذه من المثقفين حتى لو كان عددهم محدوداً ، تبين إنها قد توفرت لها الفرصة منذ وقت غير قصير للتعرف على الافكار الاشتراكية التي كانت وراءها بالفعل عدة روافد ، من بينها الصحف والمجلات العربية ، وابرزها في هذا المجال مجلة "المقتطف" البيروتية الصادرة منذ العام 1876  ، لكن أشد هذه الروافد تأثيراً في إعداد وعي فكري ذي ميول ثورية ، ومتقبل للافكار الاشتراكية هو الرافد التركي ، رغم كل صرامة النظام الحميدي وهوس جهاز جاسوسيته للكشف عن مكامن مثل هكذا أفكار في أرجاء السلطنة العثمانية ، ففي اسطنبول نفسها - عرين السلطان أكد محمد رؤوف طه الشيخلي إنه ، مع عدد من زملائه حصلوا أثناء دراستهم في المدرسة الحربية على كتب وأشعار لكتاب اتراك تحدثت عن الحرية والوطنية والعدالة ، عرفتهم بالافكار الغربية التي كان فضولهم لها شديداً ، لدرجة أنهم كانوا يصرون على الحصول عليها ، وكانوا يخبئونها حتى لا يكتشفها مسؤولو التفتيش . كما قال إن عدداً من الطلاب حصلوا على جريدة أسمها "غيرت" كانت تطبع في بلغاريا ، وكانوا يتناولونها فيما بينهم ، ويبدو إنها كانت إحدى جرائد "تركيا الفتاة" المناوئة لحكم عبد الحميد . وذكر أيضاً أنه قرأ كتاب "وطن" وهي رواية تمثيلية من تأليف الشاعر التركي المعروف نامق كمال ، حصل عليها من اصدقائه ، وأصبح هو بنفسه يبحث عن هذا النوع من الكتابات ليجمعها ، فقد إشترى بالفعل عدداً من الكتب من تأليف الأديب التركي عبد الحق حامد باشا  وغيره من الكتاب حرص على "الاقفال عليها في صندوق خاص بها" كان يخبئه عند من يثق بهم. إن دور هذه الافكار التي اطلع عليها الضباط العراقيون خلال دراستهم في العاصمة العثمانية لم يقتصر فقط على الإجابة على تساؤلاتهم ، بل يبدو إنها أدت الى نشوء تيار متشرب بالافكار الغربية حملت بين طياتها بذور الثورة التي من المحتمل جداً إنها وجدت أرضاً خصبة بينهم ، فقد أتى معظمهم من الفئات الدنيا للطبقة المتوسطة ، وكانوا يؤلفون ، في الوقت نفسه ، ما نسبته 93% من مجموع عدد الطلبة العراقيين الذين درسوا في المدارس العالية باسطنبول ، وقد وصل عددهم الى 1400 طالب خلال المدة 1872-1912  ، مما كان يعني إنهم كانوا يمتلكون تقريباً التجانس الثقافي والاجتماعي ، ونسبيا الزخم العددي ذي الأهمية المعنوية الدافعة لهم ، وإن كل ذلك قد يفسر لماذا أولى الدعوات لتطبيق الملكية الاشتراكية في العراق الحديث كان صاحبها ينتمي الى فئة الضباط العراقيين.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية