العدد (4333) الاربعاء 19/12/2018 (سمير أمين)       سمير امين.. العيش مع ماركس       سمير أمين.. استاذنا..       سمير امين: نشهد خريف الرأسمالية ولسنا بعد في ربيع الشعوب       الديمقراطية استعارة مقاربات أولية لطروحات سمير أمين       سمير أمين.. وداعا       سمير أمين يودع الحياة بعد تقديم التحية لماركس       العدد(4331) الاثنين 17/12/2018       عندما اصبح عبد الرحمن عزام سفيرا لمصر في بغداد سنة 1936       في ذكرى رحيله في 17 كانون الاول 1969 .. مع الدكتور مصطفى جواد.. طرائف وذكريات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :37
من الضيوف : 37
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23352393
عدد الزيارات اليوم : 15160
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


الكرادة الشرقية في المصادر القديمة

■ د. عباس فاضل السعدي
في الحقيقة أننا نفتقر كثيرا إلى المعلومات التاريخية القديمة التي تبحث عن ناحية الكرادة الشرقية , ومما زاد في الطين بلة هو عدم اهتمام الباحثين بها في كتاباتهم واكتفوا بإشارات عابرة , ولحد الآن لم نعثر على مقال مفصل عن هذه الناحية اللهم ألا الاسم القديم للكرادة , الأول في معجم البلدين لياقوت الحموي , والثاني في مجلة دار السلام ( سنة 1921) لأنستاس الكرملي. ولهذا فقد جابهتنا صعوبات كثيرة عند كتابة هذا المقال


 

سبق وأن ذكرنا أن أسم الكرادة حديث, أما اسمها القديم فهو « كلواذا « (بفتح الكاف وسكون اللام وفتح الواو وسكون ألألف بينهما ذال معجمة مفتوحة , على ما يقوله (ابو الفدا) غير آن آخرين يكتبونها بالألف المقصورة (كلواذى) وآخرين بالياء (كلواذي) وآخرين (قلواذى) وآخرين حرفوها فسموها (حلواذي أو كالوادي), غير أن الاسم الراجع هو الاسم الأول المذكور أعلاه . أما سبب تسميتها بكلواذا فيوضح لنا ذلك ياقوت الحموي حينما يذكر أن أهل السير قالوا أنها سميت بكلواذا بن طمهورت الملك , وفي كتاب محمد بن الحسن الحاتمي الذي سماه جبهة الأدب يبتدئ فيه بالرد على المتنبي , وقال : قلت له , يعني للمتنبي : اخبرني عن قولك
 طلب المارة في الثغور , ونشـوة
مابين كرخايــا إلى كلــواذى
وأخبره هذا خطأ لأن الصحيح ( كواذ ) , فقال له : وما الكلواذ ؟ قلت : تابوت التوراة وبها سميت المدينة . والكلواذ تابوت موسى عليه السلام . وحكي في بعض الروايات أنه مدفون في هذا الموضع فمن أجله سميت كاواذ . قال فأطرق المتنبي لا يجيب جوابا . وكلواذا بالأصل قرية قديمة منعزلة أختلف الباحثون في تعيين موقعها . ثم أتسع اسمها واصبحت تشمل القسم الجنوبي من بغداد في شرق دجلة , حيث أن بغداد كانت تقسم إلى جانبين : الجانب الغربي والجانب الشرقي , من الناحية الإدارية , يقسم إلى قسمين : القسم الشمالي ويسمى باسم « طسوج نهر بوق « , والقسم الجنوبي ويسمى باسم  "طسوج كلواذا ونهر بين" وسمي الطسوج الأخير بهذا الاسم نسبة إلى قرية كلواذا ونهر بين الذي يجري فيه نهر دجلة .
أما فيما يتعلق بموقع قرية كلواذا بالضبط , فلا يعرف موضعها بصورة دقيقة لحد الآن , وقد اختلف الباحثون في تعيين موضعها . فالمستشرق الإنكليزي كي لسترانج يضعها في خريطته في المنطقة القريبة من معسكر الرشيد على نهر دجلة . ويرجع الدكتوران مصطفى جواد واحمد سوسة , في دليل خارطة بغداد موضعها في تلول الزوية المعروفة اليوم باسم « أشن حاج عبد « أي تلول حاج عبد . والدكتور احمد سوسة يضع موقعها في معظم كتبه وأطالسه عند تلول حاج عبد ( الليشان ) . غير أنه في كتابه « ري سامراء في عهد الخلافة العباسية», يضع موقعها في منطقة المسبح الحالية . وجاء في مجلة العراق الجديد أن قرية كلواذا تقع على وجه التحقيق في تلول حاج عبد وهي تعرف عند أهل الكرادة باسم الليشان وتحرف احيانا فتنطق النيشان وهي تقع في منطقة ( السبع قصور ) عند ساحة الحرية . وقد زالت هذه التلول من الوجود بصورة نهائية قبل بضع سنين . وهكذا فالآراء مختلفة حول تعيين موقع مركز القرية بدقة , وغير أن الراجح عندنا هو أن موضعها عند تلول حاج عبد الليشان وما جاورها لأنه لا توجد آثار مهمة في أخرى غير الليشان ولهذا فيظن أن موقعها في هذه التلول وليس في المسبح أو في منطقة معسكر الرشيد على نهر دجلة كما يميل البعض لأنه لا توجد آثار قديمة مهمة في مثل تلك المناطق تدل على وجود قرية معينة . أما موقع الليشان ففي منطقة « سبع قصور « في الجهة المحاذية لساحة الحرية في المنطقة الممتدة من الأراضي التي يحتلها معمل القير الحالي حتى بستان حاج عمران , واكثرها شهرة التل الذي يقع في مكان معمل القير وما جاوره . يذكر الدكتور احمد سوسة أن تلول حاج عبد موضع قرية قديمة يرجع زمنها إلى « العهد البابلي فالعهد الساساني والعباسي « وقد عثر في « اسفل سفح تلول حاج عبده هذه على اجر بابلي مختوم نبوخذنصر يرتقي إلى الدور البابلي الحديث كما وجد في القسم الأعلى من التلول آثار ساسانية وآثار أسلامية « . وذكر صاعد الأندلسي (462هـ) هذه القرية في كتابه طبقات الأمم فقال أنها كانت عاصمة الكلدانيين ودار مملكتهم . ويقول صاعد : « ثم تفرغت اللغة العبرانية والعربية من اللغة السريانية فغلب العبرانيون وهم بنو اسرائيل على الشام فسكنوها , وغلبت العرب على البلد المعروف بجزيرة العرب المتقدم ذكرها وعلى الجزيرة المعروفة اليوم بديار ربيعة ومضر فسكنوا جميع ذلك وانكمشت بقية السريانيين إلى العراق وكانت دار مملكتهم العظمى منها مدينة كالوادي _ أي كلواذا « . غير أن مجلة العراق الجديد تنفي قول صاعد وتشير إلى أن الكشوف الأثرية لم تؤيد هذا القول حتى الآن اللهم ألا إذا اعتبرنا التلول الواقعة شرقي هذه المنطقة والتي اكتشفت فيها آثار دولة أشنونا العظيمة , جزءا من كلواذا هذه .
أما المسعودي ( 346هـ ) فيقول :» الكلدانيون وهم السريانيون وقد ذكروا في التوراة .. وذكرهم ارسطوطاليس .. كانت دار مملكتهم العظمى مدينة كلواذى من أرض العراق وأليها أضيفوا وكانوا شعوبا وقبائل « . ويقول الأستاذ الأب أنستاس الكرملي أن كلواذا كانت في سابق الزمن مدينة عظيمة , ثم يستطرد بقوله موضحا قول المسعودي السابق الذكر: مدينة كلواذا من ارض العراق وأليها أضيفوا أي أن الكلدانيين تسموا باسم دار مملكتهم العظمى كلواذا , وهذا قد أنكره العلماء المحدثون فضلا عن الأقدمين , لأن الكلدانيين أو الكلدان منسوبون أو مضافون إلى كلدة أحد شيوخ العرب في العهد العهيد لا إلى كلواذا .
أما أبن العبري ( ت 1286م ) فقال ما معناه : أن القدمين من اليونايين يزعمون أن حنوخ بن يردهو هرمس . وقيل ان الهرامسة ثلاثة واحدهم هرمس البابلي الذي سكن كلواذا مدينة الكلدانيين وكان بعد الطوفان وهو أول من بنى بابل بعد نمرود بن كوش .
هكذا فالآراء مختلفة بين الباحثين المعاصرين والكتاب والقدماء , فالبعض منهم يعتقد انك لواذا كانت عاصمة الكلدانيين ودار مملكتهم العظمى في حين أن الآخرين , وخاصة المحدثين, ينفون ذلك فيا قاطعا . ولكن يبدو مما سبق أنه لما عثر في ( الليشان ) على آجر بابلي مختوم باسم الملك نبوخذنصر يرتقى إلى الدور البابلي الحديث , إضافة إلى آثار أخرى ساسانة ثم أسلامية , فأنه يمكن أن نرجع أن كلواذا كانت أحد مخلفات الكلدانيين , وللآثار الكلدانية التي وجدت في هذا التلول تدل على ذلك .
وكان أسم كلواذا شائعا في العهد الإسلامي حتى أن باب بغداد الجنوبي سمي باسم «باب كلواذا» لأنه يؤدي إلى قرية كلواذا . وكان الكتبة الفرس يطلقون عليها أسم « باب كلواذا» في أثناء الحصار المغولي . ومما هو جدير بالذكر أن باب كلواذا سمي بأسماء مختلفة فقد سميت بباب البصلية طرف بغداد في الجانب الشرقي منها نسبة إلى محلة البصلية وهي « محلة في بغداد متصلة بباب كلواذى ولعلها المحلة التي في جوار الباب الشرقي من أبوب بغداد « ومحلة البصلية هي أحدى المحلات التي يذكرها ياقوت الحموي على أن الخليفة المقتدي شيدها في هذا الجزء من المدينة . ويطلق حمد لله _ الذي دون كتابه سنة 740هـ| 1330م على باب كلواذا أسم باب الخليج . وحينما زار نيبهر بغداد سنة 1750م كان يعرف هذا الباب باسم تركي هو « كرلك قابي « ولعل هذه التسمية تحريف لكلمة « قراناق قابي « ومعناها باب الظلام , ويسميها تافرنييه سنة 1632 « قره قابي « أي باب الأسود . ويسميها الرحالة الدنمركي نيبور باسم « كارلوك « كما ويسميها تيفنو باسم « كارانلو قابي « . ويذكر الأستاذ ناجي معروف أن هذه الباب قد هدمت في سنة 1937م بعد أن كان كنيسة للإنكليز البروتستانت , وأصبح محله في ساحة التحرير في أسفل النخلة التي كانت عند مدخله , ولا تزال النخلة قائمة في طرف هذا الميدان المستدير قبالة مدخل جسر الجمهورية . ويعرف باب كلواذا اليوم باسم الباب الشرقي من جهة الشمال حيث يمتد عند هذا الباب جسر الجمهورية على نهر دجلة رابطا جانبي النهر . أما المسافة بين بغداد وقرية كلواذا فيختلف الباحثون في تقديرها أيضا فياقوت الحموي يذكر أن المسافة بينهما تبلغ فرسخا وحدا للمنحدر . ويقدرها المستشرق الانكليزي لسترانج بفرسخ واحد أيضا . ويقدرها أبن خرداذبه بفرسخين . وبمثل هذا المقدار قدرها أبن حوقل (367هـ) والاصطخري وجاء في تقويم البلدان لأبي الفدا أن المسافة تبلغ فرسخين . أما ابن رستة فيقدر المسافة بثلاث فراسخ والطريق منحدر مع نهر دجلة . ويذكر قدامة أنها تبعد عن جنوبي بغداد بفرسخين وبخمسة فراسخ إلى شمال المدائن . أما المسافة من كلواذا إلى مدينة النهروان فتبلغ أربعة فراسخ . ويذكر أبن رستة أن المسافة من بغداد إلى النهروان تبلغ أربعة فراسخ , والطريق في نخيل ومزارع متصلة بالمصلى وتمر بنهر بين ونهر بوق حتى تفضي إلى النهروان ويخترقها واد . وكذلك يؤكد أبن حوقل صحة تقدير هذه المسافة ويقول : « وأما النهروان فمدينة يشقها نهر  النهروان بنصفين في وسطها وهي صطيرة عامرة من بغداد على اربعة فراسخ كثيرة الغلات والخيرات والنخيل والكروم ولاسيما السمسم والحبوب , ونهرها يفضا إلى سواد بغداد أسفل من دار الخلافة « .
جاء ذكر كلواذا في المصادر العربية منذ اوائل العهد الإسلامي . فقد ذكر الطبري كلواذا تحت حوادث سنة 12هـ وأشار إلى أن أهل كلواذا قد بعثوا إلى خالد , عندما كان في الانبار وما حولها , ليعقد لهم فكتابهم . ويروي الطبري أيضا أنه ليس لأحد من أهل السواد عقد قبل الواقعة ألا بني صلوبا وهم أهل الحيرة وكلواذا , ثم غدروا حتى دعوا إلى الذمة ما غدروا .
وخلاصة القول : أن الكرادة الشرقية ناحية متوغلة في القدم ترجع إلى العهد البابلي القديم ونشأت فيها حضارات بشرية قديمة , كما وقد اكتشفت في تلولها الأثرية_ وبضمنها تل حرمل وتل محمد وتل الضباعي _ أقدم شريعة مدونة في تاريخ البشر , بعد شريعة أورغو , وهي تسبق شريعة حمورابي بقرنين من الزمان . وكانت قوانين فيثاغورس وغيرها من القوانين الرياضة المعروفة في هذه المنطقة منذ العهد البابلي القديم . كما وجدت آثار في ( الليشان )_ أيشان حاج _ ترجع إلى العهد البابلي الحديث فالعهد الساساني فالعهد الإسلامي . ويظهر أن هذه التلول كانت موضع قرية قديمة تسمى بـ (كلواذا) في العهد البابلي الحديث والعهد الساساني فالعهد العباسي . وكانت قرية مشهورة لقدمها إذ هي أقدم من بغداد كما يقول الأستاذ أنستاس الكرملي . 
مجلة بغداد ـ حزيران 1965



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية