العدد(4308) الاثنين 12/11/2018       16 تشرين الثاني 1916 (دكة) عاكف بك في الحلة       من اخبار المصارع عباس الديك ونزاله الشهير       النجف في أوائل القرن العشرين في كتابات انكليزية       عندما وصل ناظم باشا الى بغداد سنة 1910       من تاريخ الصراع من اجل الديمقراطية في العراق..معركة السلطة مع اساتذة جامعة بغداد سنة 1956       الجبهة الوطنية ومعركتها مع االسلطة في انتخابات 1954       في ذكرى انتحاره في 13 تشرين الثاني 1929..قصة تمثال السعدون       العدد (4306) الخميس 08/11/2018 (بهيجة الحكيم)       التشكيلية العراقية بهيجة الحكيم    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :32
من الضيوف : 32
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22870606
عدد الزيارات اليوم : 11562
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


محمد سلمان حسن: دروس في الحياة المعرفية..!

د.مظهر محمد صالح*:
دخل قاعة الدرس رجل باسم الوجه ممشوق القامة ذو بنيان مستقيم، يكسو البياض نصف شعره الاسود ويرتدي بدلة زرقاء غامقة وربطة عنق انيقة، تقدم في مسيره بهدوء حتى مثُل امامنا نحن طلبة الماجستيرفي العلوم الاقتصادية بجامعة بغداد ليعتلي منصة الدرس ، يومها كانت هي المحاضرة الاولى التي استطاع فيها هذا العالم الجليل (استاذ مادة التنمية الاقتصادية)


 ان يمتص اضطرابنا ومشاغلنا وبهدوء بالغ والتي غلفتها تصوراتنا وانفعالاتنا عن سُحب الحرب واعمدة الدخان والتحام الجيوش في خضم حرب، كان مسرحها ضفتي قناة السويس وشبه جزيرة سيناء وأعالي الجولان، انها حرب اكتوبر 1973.

فطقوس الدرس الاول وميدانه اختلف في معطياته عن ساحة الحرب وميدانها ،ذلك على الرغم من انهما يجتمعان في مبادىء الدفاع عن الوجود ولكنهما يفترقان في نوعية المسار وبلوغ الاهداف.انه  ميدان المعرفة الاول لنا نحن طلبة ذلك العالم الجليل الراحل الدكتور محمد سلمان حسن، يوم ابتدء الدرس وهو جالس على كرسيه وبساقيه المشتبكتين و يرسل بشهيقه علماً ويبعث في زفيره دراية واحساس في حركة الحوار والفكر التي بدأت تصب  على الرغم من مرارتها في مسار الامل والبحث عن المستقبل الاقتصادي للعراق.  حدثنا الراحل يومها  بمقدمة رائعة عن طبيعة الاقتصاد العراقي والثنائية القطاعية فيه قبل ان يتصدى الى نظريات التنمية ونماذج النمو الاقتصادي وعلى وفق المنهج المعتمد .فهو مازال يتطلع الى بناء اقتصاد حقيقي فاعل للعراق ولكن بعين اكاديمية حذرة. وقبل ان تنتهي محاضرته الاستهلالية الاولى وزع علينا الراحل نسخة شخصية من مؤلف قام هو بنقله الى العربية وحمل عنوانا كان نصه:سياسة الاعمار في العراق… ومؤلفه خبير الاعمار توماس بالوك الذي استقدمته الحكومة العراقية في عقود سابقة لرسم معالم سياسة اعمار البلاد.أدهشني وقتها الاهداء الذي وضعه الراحل محمد سلمان حسن في مقدمة المؤلف المذكور بطبعته العربية والذي خص فيه رئيس وزراء العراق الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم، ذلك بعد مرور عشر سنوات على الانقلاب العسكري الدموي الذي اطاح بزعيم الجمهورية الاولى في 8 شباط 1963 ولم يتردد يومها العلامة محمد سلمان حسن من أن يرتب ذلك الاهداء اي مأخذ سياسي او خوف ازاء السلطة  في كبح اصراره في الولاء الى الزعيم الوطني الراحل عبد الكريم قاسم. ادركت في لحظتها قوة المبادي التي كان يحملها العلامة الراحل وميوله الاكاديمية و العقلانية الوطنية لقضية شعبه من دون تعصب في بناء عراق منظم ومتنامي ووطن يتمتع ابناؤه بنظام اقتصادي متحرر ومزدهر يسوده العدل والمساواة.كما علمت ان استاذنا محمد سلمان حسن كان من بين نخبة الاقتصاديين الذين اختارهم الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم في رسم السياسة الاقتصادية للجمهورية الاولى .وكان الاستاذ الراحل مدافعاً اميناً على البرامج والخطط الاقتصادية والتنموية التي وضع معالمها بنفسه وبمشاركة الوطنيين الاحرار الاخرين من خبراء الاقتصاد والادارة  والاعمار والهندسة والفنيين وغيرهم والتي كانت تُمهد لانشاء مجلس اعلى للتخطيط في العراق.
التقيت العلامة الراحل الدكتور عبد المنعم السيد علي (استاذ النظرية النقدية) الذي استفسر في حينها عن مسيرتي الدراسية وتقدمي العلمي في حقل الاقتصاد والمناهج التي يتناولها  الاساتذة في دروسهم على طلبة الماجستير (لكونها الدراسة العليا التي جرى استحداثها للمرة الاولى في العراق) وقد ذكرت له على سبيل الحديث قصة كتاب توماس بالوك واهمية موضوعاته في تحليل نقاط القوة والضعف في الاقتصاد العراقي وبرامج الاعمار المطلوبة والذي نقله الى العربية استاذنا محمد سلمان حسن وكيف ان اصرار استاذنا محمد سلمان حسن على توزيع الكتاب بنفسه وهو يحمل الاهداء الى الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم امر لم يثنٍ عزمه او ينتابه خوف، على الرغم من ان النظام السياسي السائد وقت ذاك في العراق لايسمح بذلك..! تبسم الراحل الدكتور عبد المنعم السيد علي وقال لي لدي سر سأخبرك به عن الاستاذ محمد سلمان حسن… وكان الراحل الدكتور عبد المنعم السيد علي يكُن بصمت كل الاحترام والمحبة للاستاذ محمد سلمان حسن! وان مفاد ذلك السر هو كالاتي:كان الدكتور عبد المنعم السيد علي من المنتظمين(سراً) في التيار القومي الناصري وهو من الخصوم التقليديين للتيار اليساري ونهج الزعيم عبد الكريم قاسم ابان السنوات الاربعة ونيف التي تلت قيام ثورة 14 تموز1958 يومها كان التيار القومي الناصري يكيل التهم والشكوك في الصحافة اليومية على المنهج الاقتصادي والسياسة الاقتصادية للعهد الجمهوري! ولكن كان الرد والتوضيح يأتي في اليوم التالي وعبر الصحافة القاسمية او اليسارية على لسان الراحل محمد سلمان حسن بموضوعية وصدقية عالية جداً وبأدب جم بعيد عن المهاترات السياسية… وهي الحالة التي كانت سائدة في العراق ابان الجمهورية الاولى والتي يُشبهها الاستاذ الدكتور سيار الجميل في مقاله/العراق1958 في الوثائق البريطانية :بانها اشبه ما بالحرب الباردة وسياسة مليء الفراغ بين العراق القاسمي وبين مصر الناصرية في تلك الحقبة . وبهذا فقد استطرد العلامة الراحل الدكتور عبد المنعم السيد علي قائلاً: انها كانت بحق مناكفة اقتصادية-سياسية كان يراد منها ازعاج النظام السياسي وقت ذاك .. مواصلاً القول: ان اكثر ما كان يدهشني هو ذلك الرد العلمي والهاديء والصائب للعالم الجليل محمد سلمان حسن .ففي كل مرة يتصدى فيها التيار القومي الناصري لمنهج ثورة 14 تموز الاقتصادي…. او تحديداً المنهج الاقتصادي للزعيم قاسم ،يأتي الرد التحليلي- الموضوعي سديداً متماسكاً، وعبر الصحافة اليسارية، بقلم الراحل محمد سلمان حسن ،مؤكداً لي كم كان الراحل محمد سلمان حسن واضحاً في حجته وكم كان قوياً في تفسير منهجه، ما جعل الراحل الاستاذ عبد المنعم السيد علي ان ينصح  في حينها التيار القومي الناصري بالكف عن ولوج حديث في الاقتصاد السياسي للجمهورية يتناول الرد فية شخصية علمية بوزن محمد سلمان حسن ،وهو امر اذا ما استمًر سيجعلنا الجانب الخاسر في ذلك الحوار الجدلي ذي الغايات السياسية!!قلت للعلامة الراحل عبد المنعم السيد علي ولكن ماهي الحكمة المستخلصة من ذلك الحوار الجدلي ؟اجابني بنفسه، لقد تعلمت شخصياً الكثير من ذلك الجدل ومن محاور محمد سلمان حسن نفسه سواء الاكاديمية التحليلية منها اوالعملية! وواصل قائلاً: ان العلوم والمعارف ظلت وستظل تتطور وتتسع عبر الحوارdebate مهما تعاظمت حدتها واختلفت رؤاها ومهما ابتعدت مفاهيمها بين المتحاورين من التيارات والمدارس المختلفة..انها صناعة العلم عبر التاريخ المعرفي للانسانية!
ابلغني الاستاذ الراحل محمد سلمان حسن انه ارتبط بزمالة علمية وصداقة عائلية مع المفكر الاقتصادي البولندي العالم اوسكار لانكة صاحب المؤلف الشهير :النظرية الاقتصادية للاشتراكية والتي سبق نشرها في مجلة الدراسات الاقتصادية الامريكية بجزئينJES خلال الاعوام1936 و 1937.كما  تأثر الراحل بمدرسة لانكه  ونظرياته وافكاره مثلما تاثر به كبار الاقتصاديين امثال :جان تنبركن وابا ليرنر ودون باتنكن وغيرهم .وكان الراحل محمد سلمان حسن يلتقي العالم لانكه  ويزوره به في بولندا او أي مكان آخر من اوروبا خلال المناسبات اوالعطل الصيفية حتى وافاه الاجل في العام 1965 .كما انه اتفق معه على مواصلة مشروعهما العلمي الذي كان يقتضي أستكمال  مؤلف لانكة نفسه والموسوم –الاقتصاد السياسي وهو المؤلف الذي شرع بكتابته باللغة البولونية في العام 1959 قبل ان يتم نقله الى الانكليزية.فقد كان الراحل محمد سلمان حسن بحق منشغل في إسهامه بتأليف الجزء الاخير من الكتاب المذكور الذي لم يكمله الراحل اوسكار لانكة ، بعد ان نقل محمد سلمان حسن الى العربية الجزئين الاول والثاني من المؤُلف المذكور آنفاُ ،ثم تحقق له اكمال الجزء الاخير من الكتاب واهداني الراحل محمد سلمان حسن نسخة منه  في العام 1975، وقمت وقتها من فوري بإهدائه نسخة من كتاب كان مؤلفه الاقتصادي المعروف (مارتن جي بيلي) الصادر في العام 1962والموسوم :الدخل القومي ومستوى الاسعار وقال لي بالحرف الواحد: شاكراُ فضلك لأني لم اطلع على هذا المؤلف من قبل.ومن حسن الصدف كنت بحاجة الى ذلك الكتاب واوصيت اثنين من الاصدقاء لشرائه لي من مكتبة( فويلز) الشهيرة في لندن بغية التحوط وضمان وصوله ،ووصلني حقاُ نسختين من الكتاب نفسه في وقت متقارب وانا  كنت بحاجة الى نسخة واحدة  فحسب! وهكذا ومن حسن الطالع ان تكون احدى النسختين التي حصلت عليهما من كتاب (مارتن جي بيلي) هي من حصة العالم الراحل محمد سلمان حسن .
أثر اوسكار لانكة بالراحل محمد سلمان حسن،فأن اوسكار لانكة تأثر هو بنفسه بكبار العلماء والمفكرين امثال كارل ماركس وباريتو وفالراس.وبهذا استطاع لانكة ان يقدم نظريته في اقتصاد السوق الاشتراكي ونماذجه التي جمع فيها بين النظرية الماركسية في تحديد القيمة وبين النظرية الاقتصادية النيوكلاسيكية  في تحديد الاسعار.ففي مؤلفه النظرية الاقتصادية للاشتراكية،استطاع لانكة من تقديم فرضيته القائلة:ان التخطيط المركزي يحدد مجموعة الاسعار من خلال مايسمى (بالتجربة والخطأ) والتي تتيح القيام بالتكيفات اللازمة لازالة العجز او الفائض لبلوغ التوازن العام بدلاً من ميكانيكية الاسعار في السوق الحر.وفي ظل هكذا نظام يتولى المخططون المركزيون فيه تحديد سعر المنتج الصناعي بصورة اولية اوربما اعتباطية ابتداءً في مصانع الدولة ،ومن ثم يقومون بزيادة السعر او تخفيضه بالاعتماد عما يؤديه ذلك السعر الى حالة عجز او فائض في العرض .وتتم المحاولات لمرات عديدة ،حتى بلوغ الاستقرار والتوازن.وبهذا فأن العاملين في حقل الرياضيات ممن يمتلكون القدرة على حل المعادلات الانية المعقدة هم الاقدر من بين من يسهموا في التخطيط الاقتصادي وضبط آليات وديناميكيات التوازن العام.فأرتفاع الاسعار يشجع المنتجين على زيادة الانتاج وانخفاضها سيرشَد الانتاج ..وهكذا تندفع الوحدات الاقتصادية نحو تعظيم الربح الاشتراكي بغية تفادي التكاليف الناشئة.فميكانيكية السوق الاشتراكي تمتلك القدرة المثلى والفورية على ادارة العرض والطلب .وان مناصري مدرسة (اوسكار لانكا)  يجدون في اشتراكية السوق ثمة مزايا في تسيير عجلة الاقتصاد الاشتراكي المخطط والمسير بأدوات السوق وآلياته في ضبط الثمن. لقد عبر اوسكار لانكة عن اروع امثلته وقدراته التحليلية للنظم الاقتصادية من خلال رده لمنتقدي الاشتراكية، ذلك من خلال جمعه بين الملكية الاجتماعية لوسائل الانتاج  وفكرة مدخلات السوق ومخرجاته .وهذا مااطلق عليه يومها بجدل الاشتراكية  ،الذي مثل الحدث الاهم في موضوع دراسة النظم الاقتصادية المقارنة وزاد من مستوى الجدل التقني والنظري الذي حل محل تحليل النماذج الاقتصادية المجردة  في وصف النظم الاقتصادية الحقيقية.كما دفع من اهمية العديد من الموضوعات ذات الصلة بالنظم الاقتصادية المقارنة والتي منها على سبيل المثال موضوع التخطيط المركزي واللامركزي في اتخاذ القرار الاقتصادي ودور نظم المعلومات  وحقيقة اسعار السوق والتركيب الممكن بين الخطة والسوق.كما عدُ اوسكار لانكة  من اشد منافسي باريتو في بلوغ الامثلية عند تخصيص الموارد وتحقيق الرفاهية.فضلا ان لانكة نفسه وبلا شك كان من طلائع من دفع بنظرية (السيبرنتيك) ،أي علم ادارة الدفة والربان في التخطيط الاقتصادي ،من خلال كتاب لانكة الموسوم(الكومبيوتر والسوق).
ان تعرضنا لمدرسة اوسكار لانكة  آنفاُ هو بمثابة تاكيد مجازي للرؤية والمنهج الاقتصادي الذي كان  العالم الكبير الراحل محمد سلمان حسن ينهجه  ويضيف عليه في مسار تواصله عند إسهامه في كتابة الجزء الاخيرمن مؤلف لانكة  :الاقتصاد السياسي.
فقد انصب اهتمام الاستاذ محمد سلمان حسن على المسار التحليلي لنماذج التنمية في محاضراته الاكاديمية التي أخذت بالحسبان تعايش قطاعين اقتصاديين مختلفين في شروطهما التاريخية في اقتصاد واحد ،احدهما تقليدي زراعي متخلف بالغالب ويعيش سكانه في حالة من شبه الكفاف والاخر راسمالي ربحي متطور عالي التراكم الراسمالي(صناعي تحويلي بالغالب) أي الثنائية القطاعيةdual sector economy . وكانت هذه المقاربة هي هاجس الدكتور محمد سلمان حسن في التنمية و كيف كان عليه ان يوظف ذلك في قطاع حديث ومتطور ولكن يقتصر على انتاج وتصدير المواد الاولية (النفط) وهو عائد ريعي من نشاط كثيف التكنولوجيا منفصل بالغالب عن النشاط الاقتصادي المحلي ومرتبط بالسوق الدولية و لايمثل الاساس التاريخي وضروراته في نشأة قطاع راسمالي حديث متنوع عالي التراكم ممن يتمتع بروابط انتاج خلفية مع القطاع التقليدي(الزراعي).
فبين انموذج (آرثر لويس) في دراسته الموسومة –التنمية الاقتصادية بعرض غير محدود من قوة العمل 1954 وبين انموذج (بنجامين هكنز) حول الثنائية التكنولوجية 1940،فقد حلل الراحل محمد سلمان حسن اقتصاد المواد الاولية (القطاع النفطي) كممثل لاقتصاد الحداثة الراسمالية، ذلك في محور محاولته لفك لغز التنمية ومأزق التطور الاقتصادي في العراق وكيفية الخروج منه نحو التكامل القطاعي لبلوغ التطور الاقتصادي.متسائلاً، وبعبارة اخرى هل يُعد القطاع النفطي الكثيف التكنولوجيا، هو البديل للقطاع الراسمالي عالي التراكم كما افترضه آرثر لويس (حيث تلتحم نظرية  عرض العمل غير المحدد في قطاع الاكتفاء الذاتي بقطاع الحداثة الراسمالي عبر اعتدال الاجر لمصلحة التراكم الراسمالي واندفاع الصناعة؟ كان جواب الراحل كلا قطعاً. وان تفسير بنجامين هكنز في موضوع الثنائية التكنولوجية هو الاقرب في تفسير حالة الاقتصادات الريعية مالم يتم خلق القطاع الصناعي الحديث الذي يمثل الاساس التاريخي للعملية الانتاجية ودور الطبقة العمالية في استكمال الشروط الاساسية للتطور الاقتصادي بعلاقات وقوى انتاج فاعلة .وولادة بنيان فوقي هو نتاج طبيعي لهما.فولادة بناء فوقي من قطاع النفط الريعي (كما ارى ذلك شخصياً) هو اقرب الى خلق نمط اسيوي للانتاج في عصور مابعد الثورة الصناعية والذي غالباً ما ينتهى الى صورة مشوهة  من صور الاستبداد الشرقي في دولة مركزية رافعتها المالية هي جباية عوائد النفط  من باطن الارض وانفاقها في نشاط دولة بيروقراطية كبيرة غير مُنتجة (وظيفتها تنظيم الانتاج النفطي بقوتها السيادية لتعظيم الريع و تتطلع في الوقت نفسه الى الحرب للاستيلاء على ريوع البلدان المجاورة او حتى استنزاف ريوعها النفطية) .فالثنائية التكنولوجية ستنتهي هنا وفقا(لهكنز) بين القطاع النفطي العالي الحداثة وبين القطاع الزراعي الذي لاينعم الا بالكفاف وان عرض العمل غير المحدود كما يراه (آرثر لويس ) سوف تمتصه اما الفرص في الوظائف الحكومية الخدمية  في الدولة الواسعة  او الكبيرة  بما في ذلك العسكرة او العمل داخل القطاع الزراعي نفسه .
وهنا تتحقق نظرية (بنجامين هكنز) في الثنائية التكنولوجية عند تحليل المسار التاريخي للبلدان المتخلفة في قطاعها الزراعي ولكنها تحتضن في الوقت نفسه قطاع تكنولوجي(نفطي) شديد الحداثة كثيف راس المال.حيث يرى( بنجامين هكنز) ان الثنائية في التكنولوجيا تعني هنا ان فرص الاستخدام المُنتج هي محدودة، ذلك ليس بسبب محدودية الطلب على العمل ولكن بسبب القيود التكنولوجية في كلا القطاعين (التقليدي الزراعي والراسمالي الحديث).وهنا يعزو(هكنز) ظاهرة البطالة المستمرة والتخلف الاقتصادي وتدني مستوى المعيشة في بعض البلدان الى تلك الثنائية التكنولوجية والتي  تلقي بظلالها على النمو الاقتصادي سلباً بسبب اختلاف دوال الانتاج المعتمدة في كلا القطاعين والناجمة عن اختلاف عوامل الانتاج المستخدمة وطبيعة مصادرهما .فالمُعاملات التكنولوجية او الفنية أي نسبة تركيب راس المال الى العمل هي ثابتة في القطاعات الحديثة (كثيفة راس المال) في حين ان المعاملات الفنية متغيرة في قطاع الكفاف التقليدي (الكثيف العمل) وان أي زيادة في قوة العمل لايوجد من يحتضنها في النشاط الانتاجي سوى ذلك القطاع التقليدي الذي يمتص الفائض منه (بسبب محدودية استخدامه لراس المال )ولكن النتيجة النهائية هي تردي مستوى المعيشة بسبب تردي الانتاجية جراء طبيعة المُعاملات الفنية واختلافهما بين القطاعات المنتجة(الحديثة والتقليدية) وضعف قدرتها على التراكم الراسمالي والاستخدام العالي للعمل للمنتج الابنطاق ضيق ،ومن ثم تدهور مستوى فرص العيش مع تدهور النمو الاقتصادي.
ازاء ما تقدم ،فقد كان الراحل اكثر ميلاً الى الاقتصادي (آرثر لويس) في بناء تصوراته عن مستقبل التنمية الاقتصادية والرفاهية في العراق مشترطاً ولادة قطاعات الحداثة الراسمالية المنتجة من خارج القطاع النفطي والتي يمكن لتلك القطاعات الحديثة ان تتعامل بديناميكية وتفاعلية عالية مع القوى البشرية التي تدفع بها ارياف العراق او حتى الاستخدام المنتج للقوى السكانية العشوائية  المتجمعة حول هوامش المدن.ففي نظريته التي نشرها في الحولية الاقتصادية لمدرسة مانجستر والمذكورة آنفاً، يرى آرثر لويس ان القطاع (الراسمالي) يتطور ويزدهرعن طريق العمل المتدفق اليه من (القطاع اللاراسمالي) المتخلف الذي يعيش افراده على حافات الكفاف.
ففي مراحل التنمية المبكرة ،فأن حالة العرض (غير المحدود )من العمل المتدفق من اقتصاد الكفاف، يعني في جوهره ان القطاع الراسمالي(الحداثة) بمقدوره ان يتوسع  لمدة من الزمن دون الحاجة الى تزايد مستويات الاجور ،وان هذا يؤدي الى تحقيق عوائد ومردودات مرتفعة على راس المال المستثمر مما يُمكن من اعادة استثمار الارباح وتعظيم التراكم المادي الراسمالي مرة اُخرى. وبهذا فأن تزايد خزين راس المال سيقود القوى الراسمالية الى توسيع استخدامهم للعمل المتدفق من اقتصاد حد الكفاف بعد تحقق شيء من المهارة . وبعبارة اُخرى ، فان التراكم الراسمالي يمثل احلالاً للعمل الماهر في الانتاج، وان عملية التراكم الراسمالي ستصبح ذات استدامة ذاتية الدفع وتقود الى اتساع التحديث التكنولوجي والتنمية الاقتصادية وتصاعد معدلات النمو في الناتج المحلي الاجمالي .وبهذا فعند النقطة التي يمتص فيها العمل الفائض كله في قطاع الكفاف ويزج في عجلة القطاع الحديث ،وعندما يبلغ التراكم الراسمالي مستوى من السعة التي  تدفع الى تزايد الاجر، فأن هذا الامر يطلق عليه (بنقطة لويس في الانتقال او التحول).وهنا كان الاستاذ الراحل يشير مراراً الى ظاهرة البلدان الكثيفة السكان ولاسيما في آسيا وكيفية ان يعمل هذا الانموذج لآرثر لويس فيها بسهولة…وكأنما كان يتنبأ عما سيؤول عليه الانموذج الاقتصادي الصيني من نجاح والذي جرى تبنيه حقاً بعد مرور خمس سنوات على محاضرته لنا. فمنذ العام  1978 ميلادية تبنت الصين تطبيقاً حقيقياً لنظرية آرثرلويس في التنمية الاقتصادية معتمدةً شعارها السياسي الاقتصادي الذي كان: ( الصعود السلمي نحو بناء التنمية ).وهو الشعار الذي تعامل حقاً مع نظرية آرثر لويس ببراغماتية عالية ومن خلال استراتيجية (اقتصادان مختلفان في نظام سياسي واحد).
وختاماً، فعلى الرغم من السجال الاكاديمي الذي اثاره الراحل في منهجنا الدراسي في التنمية الاقتصادية (نحن طلبة الدراسات العليا )الا ان العلامة الراحل محمد سلمان حسن لم يخفٍ ميوله الاشتراكية ورؤيته التقدمية في السير في التنمية والتقدم الاقتصادي عبر الطريق اللاراسمالي وإظهار القدرة على تجاوز بعض  المراحل والعقد التاريخية عندما تعرض لتجرية الاتحاد السوفياتي وانموذج الدفعة القويةbig push في تطور ذلك النظام الاقتصادي ,ولكن كان ميالاً في الوقت نفسه للمنهج الاصلاحي الاقتصادي يوم ادخلت الحوافز المادية وبعض أليات السوق الاشتراكي وجدل القيمة الملازم في تشخيص حركة النظام الاقتصادي وهو التوجه الذي قاده الاقتصادي السوفياتي(ليبرمان) في خمسينيات وستيتيات القرن الماضي .

(*) باحث اقتصادي والنائب السابق لمحافظ البنك المركزي العراقي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية