العدد (3242) الاحد 21/12/2014       نصف قرن من تاريخ وطن..عرض موجز لتاريخ الحركة الوطنية العراقية       "مرتفعات ويذيرنغ" لأميلي برونتي       في رواية"الذين يحبون الشوك"..كانيم.. الرجل المضطرب عاطفياً وجنسياً       "ضرر"جوزفين هارت.. الشهوة لا تدوم       ضحى عبدالرؤوف المل / لبنان       ألمانيا: ذكريات أمّة... الماضي وصورة المستقبل       في رواية"واخضرّت الأرض" تحديات الإنسان للطبيعة وميوله لمناخات رومانسية       أساليب السرد في الرواية العربية       الخيال الطفولي في كتب عيد الميلاد    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :10
من الضيوف : 10
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 5683003
عدد الزيارات اليوم : 696
أكثر عدد زيارات كان : 22276
في تاريخ : 15 /08 /2014
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


مصر البهية .. تستعيد اغاني الاحتجاج والحلم


علي حسن الفواز
ذاكرة الاغنية السياسية ذاكرة احتجاجية بامتياز، وذاكرة حالمة في الآن ذاته، لان هذه الاغنية اذ تختصر الاحتجاج والحلم، فانها تصطنع لهما عبر وظيفة الصوت دورا اكثر ثورية واكثر تلمسا في هوية هذه الاغنية وطبيعة خطابها ورسالتها الى الجمهور المستهدف. واحسب ان ذاكرة الاغنية السياسية العربية قد حملت هذا التوصيف في مراحل متأخرة، بسبب طبيعة المزاج الثقافي/الفني السائد وهيمنة الاغنية التقليدية، وبسبب الظروف الموضوعية التي ترتبط بها انماط الثقافات الاحتجاجية ومرجعيات خطابها السياسي والايديولوجي،


 اذ ان النمطية التقليدية للغناء السياسي كان محصورا بين الغناء الوطني الحماسي الذي يؤدي دورا يتناسب وطبيعة الاخطار التي تهدد الامة/الدولة، وبين اغاني المونولوج والتي كان يؤديها مطربون محدودون والذي كان شائعا في العراق ومصر بشكل خاص، لاقترانها بانماط ثقافية/فنية وسياسية معينة، مع وجود العديد من الشعراء وكتاب الزجل الشعبي الذين كانوا يكتبون هذه الاغاني الحاملة لرسائل اجتماعية ونفسية فيها الكثير من مظاهر الاحتجاج والسخرية.
اغاني الشيخ امام ظاهرة صوتية وثقافية استثنائية في تاريخ هذه الاغنية وتحولاتها، اذ ارتبطت هذه الاغاني بخصوصيتها اللحنية الايقاعية المحدودة، فضلا عن اقترانها باتجاهات سياسية معينة، ومحمولات سسيوثقافية تعبر عن العمق الانساني للناس(اللي تحت) كمايسميهم نعمان عاشور، والتي تعبر بالافصاح عن ظروف قاهرة لهؤلاء الناس، مثلما تتطلب الكثير من المواقف التي لاتملك النخب السياسية والثقافية الاّ الهروب الى فضاءاتها الاحتجاجية. ولااحسب ان الشيخ امام ذا الاصول الازهرية-رغم تمرده عليها في مرحلة لاحقة- يملك القدرة لوحده على ان يحمل هذه المسؤولية الاحتجاجية لوحده دون وجود السياق الثقافي والسياسي الباعث على تفجير مكنوناتها التعبيرية اولا، والتعاطي معها كموقف سياسي او ايديولوجي او حتى نفسي من ظروف قاهرة ثانيا. ولعل اللقاء الذي جمع الشيخ امام مع احمد فؤاد النجم وعازف الايقاع محمد علي يمثل البداية الفنية الحقيقية لصناعة(نسق فني جديد) مقابل صناعة الظاهرة المفارقة في الاثر الاجتماعي لتاريخ الاغنية السياسية العربية، تلك التي لامست وجدان الناس واسئلتهم الفاجعة، وعبّرت عن نبض احزانهم واحتجاجاتهم وسط عالم يمور باحاسيس الخذلان والهزيمة.

الشيخ امام...غناء الاحلام الاولى
الشيخ امام محمد عيسى الازهري في مرجعياته والذي مارس احلامه الاولى شغوفا بسماع صوت الشيخ محمد رفعت مرتلا وباعثا في نفسه بهجة غامضة، ربما هي التي قادته للدرس في الجمعية الشرعية في الازهر، وهي التي قادته في مرحلة لاحقة للتمرد على سلطتها والذهاب باتجاه استعادة احلامه القديمة.
تعرّفه على الشيخ درويش الحريري العارف باصول الغناء والانشاد والمقامات والعزف، هو الذي قاده للتعرف على عوالم الغناء والموسيقى في انشاد الموالد والمشاركة في التخوت الشرقية ومجالاتها الواسعة انذاك، اذ كان الشيخ الحريري قريبا من اساطين الغناء انذاك، ابو العلا محمد، الشيخ زكريا احمد، والشيخ محمود صبح وغيرهم، وهذا ما دفعه  لملازمتهم والتتلمذ على ايديهم، خاصة الشيخ زكريا احمد الذي وجد في نبوغه في الحفظ موهبة استثنائية، فكان يرافقه في لياليه الحافلة بالموسيقى، ويحضر اوقاته التلحينية، بمافيها الحانه ل(ام كلثوم) اذ كان يحفظ جميع هذه الالحان ويرددها كثيرا في المناسبات. ولاشك ان تأثير هذه النزعة اللحنية بمقاماتها المعروفة ذات النزعة التطريبية كان كبيرا على حساسيته الغنائية، وعلى تطوير قابليته التي اخذت تتفجر دون ضابط او توجيه، خاصة وانه كان يختزن في ذاته المتأججة صراعا غريبا بين نزعته للتجديد، وبين نمطية ثقافته الدينية والاجتماعية المحافظة، والذي انعكس على شخصيته العائمة والقلقة وسط فضاءات الموسيقى العربية التي بدت مفتوحة على انماط تجديدية في التطريب والغناء والموسيقى، وعلى ايدي موسيقيين كبار امثال محمد عبد الوهاب ورياض القصبجي ومحمد الموجي وبليغ حمدي وغيرهم.

الشيخ وصدمة الاكتشاف
الشيخ الحالم بسحر الغناء وجمالية اصواته الباذخة ظل مهووسا باغواء تلك الاحلام التي تطارده في رحلاته القاسية وعند شظف عيشه الذي يعانيه، فهو لم يجد ما يهب روحه اللجوجة والقلقة اطمئنانها، حتى بدا وكأن هذا القلق هو سر ابداعه الغريب الذي قاده للتعرّف على الشاعر احمد فؤاد النجم عام 1962، ليشكلا معا ظاهرة غنائية(صوتية وشعرية)لامست وجع الملايين في مصر والبلدان العربية، اذ استشرفت اغانيهم روح التمرد والاحتجاج العميقة السكنى في الذات العربية المكشوفة على فوبيا الخيبات والاغترابات والمراثي. وليعيشا يوميات الانشداد الى فخاخ الاحلام العربية التواقة للحرية والكرامة، خاصة ايام حكم جمال عبد الناصر الذي كان مثالا للنموذج التقليدي لصورة البطل القومي الذي تنعكس كارزما شخصيته على الجموع التي تبدو منفعلة بسحر هذه البطولة.  انهيار هذا النموذج مابعد هزيمة 1967 وماأحدثه من زلزال كبير في كينونة هذه الشخصية، تبدى وكأنه اكثر الصدمات التي هزت يوميات الحياة العربية سياسيا وثقافيا واجتماعيا، خاصة ما انعكس منها بعد انهيار سايكولوجيا البطولة التاريخية التي كانت تمثلها اوهام(البطل القومي)، وبدء مرحلة مراثي موت هذا البطل بكل ما يشوبها من روح غامرة بالمرارة والسخرية. مثلما كان من اكثر التحولات العاصفة في حياة الشيخ امام واحمد فؤاد النجم، فهما خرجا بيافطة القصيدة والغناء للاحتجاج العلني على الهزيمة، لانها ليست هزيمة عسكرية بالمعنى المهني، بقدر ماهي هزيمة تاريخية ونفسية وثقافية، والتي انخرط في غمارها الشيخ امام صوتا عاليا مليئا بالوجع والسخرية، فضلا عن تمثله للكثير من احلام البسطاء الذين كانوا قد وضعوا ثقتهم برمزية(ابطالهم السياسيين والعسكريين) والذين خيبوا هذه الاحلام وتركوهم مكشوفين لمشاعر الهزيمة النفسية المرعبة،
الحمد لله خبطنا بطاطنا
يامحله رجعة ضباطنا من خط النار
يعيش اهل بلدي وبينهم مفيش
تعارف يخلي التحالف يعيش
وقعت من الجوع ومن الراحة
البقرة السمرا النطاحة
كلمات هذه الاغنية التي كتبها احمد فؤاد النجم وغنّاها الشيخ امام تعكس مرارة الاحساس بالهزيمة، وخذلان الرمز، وسخرية الانسان من هذا الوجع الوطني الذي تحول الى انهيار اصاب البلاد والعباد. مثلما تحمل نبوءة كشف لمراحل لاحقة شاعت فيها مظاهر الفساد السياسي والاقتصادي والتي عبرّت عن طبيعة اختلال التوازن في المعيش، وعن ازمة الحياة المصرية انسانيا ومعيشيا التي تعاني هيمنة(القطط السمان)كماتسميها ادبيات المعارضة المصرية، والتي تكررت صورها اللاذعة في اغنيته المشهورة(اهل مصر المحمية)
ياأهل مصر المحمية
بالحرامية
الفول كثير والطعمية
والبر عمار
والقشة معدن واهي ماشيه
اخر اشيا
مادام حبابة والحاشية
بكروش اكثار.
هذه القصيدة التي غناها الشيخ امام وغيرها من القصائد الاخرى امثال(ياعرب، نيكسون، كلب الست، احنا مين، دور ياكلام، بوتيكات، اناديكم، ياخواجة ويكا، بقرة حاحا وغيرها) اعطت لظاهرة الشيخ امام واحمد فؤاد النجم حضورا اكثر تحديا واشهارا في مواجهة العديد من الظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي بدأت تقترن بهموم الناس(الغلابة) الذين يبحثون عن عالم اكثر أمنا واشباعا، مثلما يبحثون عن وجه مصر الاخر، الوجه الذي عاشوا لياليه مع رومانسيات الغناء الاصيل، وتاريخ السينما المصرية، خاصة في مرحلتها الواقعية والرومانسية ونماذج ابطالها المعروفين، وطراوة الغناء البليل الذي كرس رومانسيته الثانية اجيال جديدة من المطربين بدءا من عبدالحليم حافظ ومحمد قنديل وكارم محمود وماهر العطار ومحرم فؤاد ونجاة الصغيرة وغيرهم، والتي وضعت هذا الثنائي امام مرحلة جديدة تجاوزا فيها الاحتجاج السلبي الى نوع من الوعي الجديد لمواجهة الروح الانهزامية واظهار المشاعر الوطنية البسيطة.
**الاغنية الملتزمة**
تقترن ملامح هذه الاغنية الجديدة(الاغنية الملتزمة) مع بروز ظاهرة الوعي الاجتماعي بضرورة الالتزام بمعناه الاخلاقي ومعناه السياسي وحتى بمعناه الايديولوجي، والذي وضع دور الثنائي الشيخ امام واحمد فؤاد النجم امام توصيف اخر انطلق من طبيعة التغيير الذي  استدعى النظر الى المغايرة في توصيف مواقف النخبة الثقافية ازاء مسؤولياتها في مواجهة ازمات السلطة واستبدادها السياسي والامني وخنقها للحريات، وازمة استشراء مظاهر الفساد بكل مستوياته، مقابل استشراء مظاهر الفقر والحرمان والعشوائيات في المدن المصرية، فضلا عن استشراء مشاعر الاحباط واليأس، والتي باتت تستدعي رؤية اخرى تنطلق من وعي المواجهة، والتصدي لاستحقاقاتها الثقافية والسياسية، والعمل على توظيف الاغنية السياسية الملتزمة في اثراء الخطاب الثقافي، خاصة وان تاريخ الاغنية المصرية هو جزء من تاريخ المجتمع المصري وتحولاته الاجتماعية والسياسية، وكان شاهدا على الكثير من ظواهرها السياسية بدءا من عبده الحمولي وسيد درويش وصولا الى ظاهرة الشيخ امام.
اغنية(مصر يامه يابهية)كانت النموذج الواعي الذي تجسدت فيه هذه النقلة الاسلوبية والتطريبة، وكذلك تجليات المعنى الثقافي والانساني للاغنية السياسية الملتزمة، والتي اثارت جدلا حول دورها في التعبير عن رؤى ومعطيات جديدة، وعن مواقف اكثر جدّة تضع المثقف المصري في صلب الحراك والنضال الاجتماعي والسياسي، وتضع رؤيته لمفهوم الاحتجاج الاجتماعي في سياق تتفاعل فيه الرؤى السياسية مع المنظور الايديولوجي خاصة ماكان يطرحه اليسار المصري من شعارات، والذي وجد في اغنية الشيخ امام شفرات فاعلة للتعبير عن الكثير من اليافطات العالية التي تعبر عن الطموح بحياة حرة كريمة، مثلما تعبر عن المواقف والافكار وقيم الايمان بالحياة والوجود والهوية.
مصر يامة يابهية
يام طرحة وجلابية
الزمن شاب وانت شابة
هو رايح وانت جاية
هذا التحول في المواقف وفي توظيف الاغنية السياسية جعل الشيخ امام يخضع الى رقابة السلطة الامنية واستجواباتها الكثيرة، اذ منع من الغناء في الاذاعة والتلفزيون، بتهمة ان اغانيه السياسية ذات توجهات معينة، وانها تهاجم المسؤولين في السلطة المصرية، لذا زجّ به بالسجن عام 1969 واعتبر الشيخ امام اول سجين سياسي بتهمة الغناء المناوىء للسلطة.
سجن الشيخ امام اثار الكثير من الاحتجاج، ووضع ظاهرته الغنائية في سياق اكثر اثارة لطبيعة التحولات التي تعيش تعقيداتها النخبة المصرية قبل حرب اكتوبر عام 1970، اذ ان هذه التحولات التي شملت الاغنية والسينما والتشكيل والشعر والسرديات، انعكست ايضا على كشف مساوىء السلطة التي بدت عاجزة عن مواجهة سلسلة من الازمات الداخلية والخارجية، واحسب ان اغنية(جيفارا)تعبر عن اشكالية هذا الوعي المفارق، لانها تتحدث عن الموت من زاوية اخرى، الموت الذي يمثل حياة خالدة لصاحبه دونما ضجيج، مقارنة بظاهرة الموت السياسي العربي الذي لايعدو ان يكون الاّ ضجيجا وصخبا، وكأنه يوظف الموت الفيزيقي لتغطية الموت  القيمي والاخلاقي والسياسي، وجيفارا في هذا السياق بطل انساني اخلاقي يدافع عن حق الشعوب بالحرية وقد قتلته الامبريالية في احراش بوليفيا.
جيفارا مات
اخر خبر في الراديو هات
في الكنائس في الجوامع
في الحواري  في الشوارع
جيفارا  مات
لاطنطنة
ولاشنشنة
ولا اعلانات
جيفارا مات..
التغيرات العاصفة في تجربة الشيخ امام الغنائية، تحولت الى تغايرات قارّة انعكست على ظاهرة الاغنية العربية، اذا اضحت ظاهرة شعبية وسياسية بالمعنى الانساني لهذه الظاهرة، وخضعت في هذا السياق الى منظور تجاوز حساسية التعريف الفني الخالص، باتجاه تعريف يضع الاغنية كفعالية اجتماعية في عمق ماتؤديه من دور انساني مؤثر، واحسب ان هذا الدور هو الذي اسبغ على وظيفتها نزوعا اخر، جعلها اشبه ماتكون  بظاهرة الغناء السري الاحتجاجي المناهض للسلطة ورمزياتها، والتي فتحت امامها افاق واسعة مثيرة وصادمة، اذ منحته نجومية لايطمئن اليها وهو الضرير المهووس بفكرة(الحياة الخالصة)، مثلما عرضت علاقته مع رفيق دربه احمد فؤاد النجم الى الانفصال الفني والانساني، والتي استدعت الشيخ امام ليغني قصائد شعراء اخرين امثال نجيب سرور، وتوفيق زياد، زين العابدين فؤاد، وادم فتحي وغيرهم) والتي لم تخرجه عن السياق الاسلوبي اللحني الاّ انها فقدت الكثير من نبضها الشعبي العميق الذي اقترن بروح النجم الواعية بشعبيتها واستغواراتها السرية لمكنونات الانسان المصري البسيط.
الشيخ الامام الحاضر في الذاكرة تستعيده اليوميات المصرية الان وهي تعيش ازمة وجودها المضطرب الذي يواجه صراعات كينونية محتدمة، وحرائق مكشوفة على ازمة السياسة والوجود، مقابل ازمات اكثر قسوة للانسان والهوية والمكان، والتي تجعل الاغنية كصوت عال تعبيرا عن قوة احتجاجات ذلك الانسان المصري الحالم بالحرية والكرامة والخبز، والذي خرج الى الشارع مجددا محتجا حالما باحثا عن زمن وطني اخر، واحسب ان هذه الصوت هو الذي يبحث في زوايا الذاكرة عن ايقاعات الشيخ امام التي طالما صدحت لمصر(الام البهية) بكل اغانيها التي لاتشيخ رغم كل السنوات العجاف، والتي تفتح  ايقاع الاحتجاج القديم على استعادة قوة الحياة والجمال والامل..



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية