العدد(4308) الاثنين 12/11/2018       16 تشرين الثاني 1916 (دكة) عاكف بك في الحلة       من اخبار المصارع عباس الديك ونزاله الشهير       النجف في أوائل القرن العشرين في كتابات انكليزية       عندما وصل ناظم باشا الى بغداد سنة 1910       من تاريخ الصراع من اجل الديمقراطية في العراق..معركة السلطة مع اساتذة جامعة بغداد سنة 1956       الجبهة الوطنية ومعركتها مع االسلطة في انتخابات 1954       في ذكرى انتحاره في 13 تشرين الثاني 1929..قصة تمثال السعدون       العدد (4306) الخميس 08/11/2018 (بهيجة الحكيم)       التشكيلية العراقية بهيجة الحكيم    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :30
من الضيوف : 30
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22870631
عدد الزيارات اليوم : 11587
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


سيرة حياة وذكريات مع الراحل الكبير الشيخ كامل مصطفى الشيبي

د. طه جزاع
  في يوم الاثنين الرابع من أيلول 2006 أبلغت بوفاة أستاذي وشيخي وصديقي الجليل الأستاذ الدكتور كامل مصطفى الشيبي بحدود الساعة العاشرة والنصف صباحا ،فأسرعت بالذهاب إلى مسكنه في المنصور من مكان عملي في جامعة بغداد بالجادرية ،


 وكان من حسن حظي أن أجده مازال ممددا في فراشه بملابس النوم وكأنه يغط في نوم عميق ، أقول من حسن حظي لأنني كنت واحدا من القلائل الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة الذين حظوا ذلك الصباح بنقل جسده الطاهر من سريره  في غرفة نومه إلى التابوت الذي ينتظر ضيفه الاستثنائي في صالة الاستقبال!
كنت أتلمس ما تبقى من حرارة في جسده أشعر بها وكأنها تتسربل من بين أصابعي قبل أن يستسلم الجسد نهائيا لبرودة الموت ...... ومابين مسافة الطريق والنظر إلى الجسد المسجى بهدوء وطمأنينة.. مر شريط طويل ومتزاحم من الذكريات والمواقف والدروس والعبر اختصرت مايقرب من ثلاثين عاما هي تاريخ علاقتي ومعرفتي ومصاحبتي لهذا الرجل ،ابتدأت منتصف السبعينيات من القرن الماضي حين كنت طالبا في قسم الفلسفة بكلية الآداب ، جامعة بغداد وكان الشيبي يومها في قمة عطائه وحيويته وهو يدرسنا مادة التصوف المقررة لطلبة المرحلة الرابعة على ما أذكر ، وحين يدخل الصف لا يخرج منه إلا وقد امتلأت السبورة حتى حواشيها بمصادر التصوف ومراجعه المهمة عوضا عن دروسه الغنية التي كانت تمتاز بعلم غزير متدفق ومتعة للذهن والروح يحسها طلابه بلمحاته ومداعباته الطريفة وروحه المشاكسة لكل ماهو جامد من الآراء والعقائد.
بعد تخرجي من الدراسة الجامعية الأولية عام 1977 ذهبت بنا السبل والحياة والحرب الطويلة كل في طريق إلى أن عدت مجددا إلى مقاعد الدراسة نهاية الثمانينيات طالبا في الماجستير ثم الدكتوراه لألتقي الشيبي  مرة أخرى لكنه كان في هذه المرة متعبا مرهقا وان كانت حماسته للعلم والبحث والتحقيق لم تخبو مطلقا ، وفي عام 1992 كان الشيبي يدرسنا التصوف من جديد لكن بفهم أعمق ، ودراسة أوسع، مع تركيز ملحوظ على الحسين بن منصور الحلاج الذي خرج صائحا في جامع المنصور ببغداد ( اعلموا إن الله تعالى أباح لكم دمي ، فاقتلوني تؤجروا وأسترح ، ليس في الدنيا للمسلمين شغل أهم من قتلي )!! ثم يخاطب تلميذه إبراهيم الفاتك ( يا بني إن بعض الناس يشهدون علي بالكفر وبعضهم يشهدونني بالولاية ، والذين يشهدون علي بالكفر  أحب إلي والى الله من الذين يقرونني بالولاية ، فقلت : ياشيخ ولم ذلك ؟ فقال إن الذين يشهدون لي بالولاية من حسن ظنهم بي ، والذين يشهدون علي بالكفر تعصبا لدينهم ، ومن تعصب لدينه أحب إلى الله ممن أحسن الظن بأحد )!
كان الشيبي يعلمنا آداب الصحبة الصوفية ومراحل التربية الصوفية ( مقامات التوبة والورع والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا) وأحوال الصوفية من ( مراقبة وقرب ومحبة وخوف ورجاء وشوق وأنس وطمأنينة ومشاهدة ويقين ) ويعلمنا تفسير الشطحات الصوفية وهي الكلمات التي ظاهرها مستشنع وباطنها صحيح سليم ، وهي التي كانت أحد الأسباب الظاهرية لصلب الحلاج القائل :
                            مزجت روحك في روحي كما                تمزج الخمرة بالماء الزلال
                               فإذا مسك شيء مسني                          فإذا أنت أنا في كل حال
ونجده يناجي الله جل في علاه وهو آخر ماقاله الحلاج قبيل صلبه ( اللهم هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصبا لدينك وتقربا إليك فأغفر لهم فانك لو كشفت لهم ماكشفت لي لما فعلوا ما فعلوا ولو سترت عني ما سترت عنهم لما ابتليت بما ابتليت فلك الحمد في ما تفعل ولك الحمد في ماتريد ) .
كان الشيبي مشدودا للحلاج وقد جمع وحقق ديوان الحلاج لتصدر طبعته الأولى في بغداد 1974 ثم  أعقب ذلك بشرح لديوان الحلاج ( دراسة ونصوص محققة وشرح )  صدر في بيروت العام نفسه ، وفي العام 1984 أصدر الطبعة الثانية من ديوان الحلاج أهداها ( إلى روح أبي الذي لم أنعم بظل جناحه عساه يسر بهذا العمل في عالمه البعيد ) وكانت هذه الطبعة مميزة بخط الحاج يحيى سلوم العباسي ورسوم الفنان الراحل  المتصوف شاكر حسن آل سعيد وتخطيطات الفنان ضياء العزاوي الذي رسم غلاف الديوان فصار الديوان بهذا الجمع من المبدعين الكبار تحفة فنية وأدبية نادرة، وفي هذا الديوان لا غيره وربما لذلك حساباته لدى الشيبي قام بإعلان  اسمه وكنيته ونسبه كاملا ( صنعه وأصلحه أبو طريف الشيبي كامل بن مصطفى بن محمد حسن ألكاظمي المكي العبدري ).
وكان قد صدر له أيضا في العام 1977 كتاب ( الحلاج موضوعا للآداب والفنون العربية والشرقية قديما وحديثا..دراسة ونصوص محققة ورسوم ).
إن ذلك يقودنا للحديث عن تراث الشيبي الغزير من بحوث ودراسات وكتب وجهود علمية هائلة لا يمكن حصرها هنا مكتفين بالإشارة إلى ابرز كتبه ومنها كتابه الأشهر( الصلة بين التصوف والتشيع) الذي كانت نواته الأولى رسالة جامعية كتبت تحت إشراف المرحوم الأستاذ الدكتور أبو العلا عفيفي وناقشتها لجنة مؤلفة منه ومن المرحوم الأستاذ محمود الخضيري والمرحوم الأستاذ علي سامي النشار ، فنالت درجة الماجستير في الآداب بدرجة جيد جدا من قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية في آب 1958،وأنجزت الطبعة الأولى من هذا الكتاب المهم ( في ثلاثة أجزاء) وصدرت في بغداد على التوالي 1963 ،1964،1966
ثم صدرت الطبعة الثانية ( في جزئين ) طبعا في  القاهرة وبغداد، وصدرت الطبعة الثالثة والأخيرة( في جزئين ) بيروت 1982 ضم الجزء الأول ( العناصر الشيعية في التصوف ) والثاني ( النزعات الصوفية في التشيع ) وهذه الطبعة كانت مراجعة ومزيدة وملحق بها كتاب ( الفكر الشيعي والنزعات الصوفية حتى مطلع القرن الثاني عشر الهجري ) الذي كان قد صدر ببغداد 1966 . وقد أهدى الشيبي كتابه هذا إلى شيخه العقلاني وأخيه الروحاني – وفق تعبيره – المرحوم الأستاذ علي سامي النشار. وترجم الكتاب عام 1975 إلى الفارسية ترجمة ملخصة بقلم الدكتور علي أكبر شهابي الأستاذ في جامعتي طهران ومشهد. ومن عادة وأخلاق الشيبي أن يهدي كتبه المهمة إلى الرجال الذين أثروا في حياته مثلما وجدنا إهدائه لديوان الحلاج إلى والده وكتاب الصلة إلى أستاذه النشار كذلك أهدى كتاب التراث الشعبي ( ديوان الكان وكان في الشعر الشعبي العربي القديم ) الصادر في بغداد 1987( إلى من علمني أول حرف ، وأقرأني أول كلمة ، وأملاني أول جملة ، ففتح عيني على عالم المعرفة ، إلى معلمي الأول : الأستاذ السيد محيي الدين موسى أبو العيس أهدي هذا الكتاب تسجيلا لفضله ، واعترافا بجميله ، ووفاء له )   وأهدى ( ديوان فن القوما) في الشعر الشعبي العربي القديم  الصادر في بغداد 2000 وهو من سلسلة خزانة الفنون الشعرية ( إلى شيخي النبيل المرحوم الأستاذ عبد المجيد حسن ولي مدرس اللغة العربية في ثانوية الاعظمية سنة 1944 م الذي كشف في، تحت رماد التوجه العلمي ، جمرة الأدب ،فأججها وأوقد نارها وأصلحها ، وقادني إلى لذائذ حرفة الأدب! أهدي ثواب هذا العمل ، واضرع إلى الحق – تعالى- أن يكلأه في عالم الأرواح كما كلأنا في عالم الأجساد ) فهل  هناك مثل هذا الوفاء والذكر الذي بر فيه الشيبي أساتذته وأصحاب الفضل عليه؟؟ انه درس في العلم والأخلاق وأدب الصحبة والتلمذة ذلك إن الشيبي لم ير نفسه إلا مريدا في حضرة هؤلاء الشيوخ على طريقة  كبار المتصوفة والعارفين.
ومن كتبه الأخرى ( الطريقة الصوفية ورواسبها في العراق ) بغداد 1967 و ( الحب العذري ومقوماته الفكرية والدينية حتى أواخر العصر الأموي ) بيروت 1997 و ( نشأة التصوف الإسلامي ) بيروت 1997 ، كما حقق وجمع العديد من الدواوين الشعرية منها ( ديوان أبي بكر ألشبلي ) بغداد 1967 و ( ديوان الفلك المحملة بأصداف بحر السلسلة ) بغداد 1977 . أما عمله الكبير في هذا الميدان فهو ( ديوان الدو بيت في الشعر العربي في عشرة قرون ) وهو من منشورات الجامعة الليبية 1972 وحصل عليه الشيبي جائزة جمعية أصدقاء الكتاب اللبنانية لعام 1972 وقد سألت الشيبي رحمه الله في أواخر أيامه عن أهم كتاب أنجزه في حياته فأجاب انه ( ديوان الدوبيت) مشيرا إلى الجهد المضني الذي بذله في جمع وتحقيق هذا الديوان لشعراء  يمتد بهم الزمن لألف عام بالتمام والكمال! ( الدوبيت تعني الرباعيات الشعرية). أما آخر ما صدر للراحل فهو كتاب طريف في موضوعه وشخصيته عنوانه ( البهلول بن عمرو الكوفي .. رائد عقلاء المجانين)! الذي صدر عن المكتبة العصرية في شارع المتنبي ببغداد عام 2004.
أعود إلى ذكرياتي عن أستاذي وشيخي المبجل ، ففي منتصف التسعينيات وكنت قد أنهيت الدكتوراه عام 1994 تفرقت بنا السبل مرة أخرى ، فقد اضطرته ظروف الحصار القاسي  للسفر خارج العراق متنقلا بين الأردن وليبيا التي قضى فيها سنوات عديدة أستاذا في الجامعة الليبية، اذكر إنني التقيته في عمان وزرته في شقته وتبادلنا أطراف الحديث وقد سألته عن أحواله فأجابني بكلام موجز لكنه عميق مؤثر ( المعدة شبعانة لكن الذهن مشغول )!!
بعدها عاد إلى العراق وتواصلنا من جديد بألفة ومحبة وصحبة طيبة ، وحدث إنني عينت  بالوكالة رئيسا لقسم الفلسفة في كلية الآداب بجامعة بغداد نهاية آب 2002 ومع بدء السنة الدراسية 2002-2003 زارني الشيبي وكان قد تجاوز الخامسة والسبعين من عمره ( الشيبي من مواليد 16 أيار 1927 ) وكانت علامات تقدم السن وضعف البصر قد بانت عليه  جلية واضحة،ليبدي رغبته بالعودة إلى الوظيفة أستاذا متمرسا في جامعة بغداد، وعلى الرغم مما قيل لي من البعض عن عدم قدرته للتواصل مع الطلبة والحضور إلى الدوام ، ألا إن أول مذكرة رفعتها إلى عميد كلية الآداب آنذاك الإنسان الطيب النبيل الأستاذ الدكتور قحطان سليمان الناصري كانت طلبا لإعادة  الأستاذ كامل مصطفى الشيبي إلى الخدمة الجامعية ، وهمشت طلب العودة للخدمة : السيد عميد كلية الآداب المحترم .. يشرفني أن يكون أول طلب ارفعه لكم بعد تعييني رئيسا لقسم الفلسفة هو طلب إعادة أستاذنا الكبير كامل مصطفى الشيبي إلى الخدمة .... لقد كنت أقنع الآخرين إن الشيبي علم من أعلام الفلسفة الإسلامية والأدب والتصوف ،ويكفي قسم الفلسفة فخرا وشرفا لو تمكن الشيبي أن يحضر فيه ويجلس في مكتبه ولو لساعة واحدة في الأسبوع للاستشارة والإشراف...... وهكذا كان.
كنت أزوره في مسكنه إذا انقطع عن الدوام طويلا ، وكان يؤلمني أن أرى صحته تتدهور بسرعة   يوما بعد آخر،وان المرض بدأ ينهش في جسده النحيل الضعيف، لكنه لم ينهش روحه الوثابة الحية المتوهجة مطلقا ، كان مرحا مع ضيوفه ومحبيه ،وكان مصرا على القراءة ..بنظارات سميكة أولا .. ثم بعدسة متحركة مضافة إلى النظارات.. وبعدها بعدسة أخرى أشبه بالناظور يركبه فوق النظارات والعدسة .. كل ذلك من اجل أن يقرأ كلمة أو جملة بنفسه من دون مساعدة أحد !! ولما شعرت إن أيامه باتت قليلة اصطحبت يوما ابن أخي زياد تركي المصور الفوتوغرافي والسينمي ومدير تصوير أول فلم عراقي بعد 2003 أخرجه الشاب المبدع عدي رشيد ( غير صالح للعرض) وحظي باهتمام النقاد والمتابعين محليا وعالميا ، وقام زياد بتصوير الشيبي  وهو يتحدث على سجيته من دون تكلف أو تصنع أو تحضير مسبق ، وبالفعل حصلنا على شريط خام مدته أكثر من ساعتين تم تسليمه لاحقا إلى الزميل العزيز علي حسين كمادة خام  لمنتجته وإعداده للعرض في حفل استذكاره.
رحم الله كامل مصطفى الشيبي ..أستاذا وباحثا وأديبا ومفكرا ومتصوفا وإنسانا قل نظيره.
الشكر كل الشكر لمؤسسة ( المدى ) لإرسائها مثل هذه التقاليد الراقية المتحضرة للاحتفاء بأعلامنا ومبدعينا واستذكارهم....والتقدير كل التقدير للزميل العزيز المبدع المثابر علي حسين الذي لولا جهوده ماكان لهذا الملحق أن يرى النور .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية