العدد(4354) الاثنين 21/01/2019       اســطورة مئذنة جامع سـوق الغزل       انقلاب بكر صدقي والتصفيات السياسية       ذكريات آثارية.. رحيل عالمة الآثار لمياء الكيلاني       هكذا عرفت بغداد عند سقوطها بيد الانكليز سنة 1917       في ذكرى تأسيسها في 22 كانون الثاني 1932 .. جمعية الهلال الاحمر ومنكوبي الفيضانات       عندما اصبحت المس بيل مديرة لاثار العراق       الملك غازي يطرد يونس بحري من الاذاعة ثم يعيده       العدد (4352) الخميس 17/01/2019 (علي الشوك 1929 - 2019)       علي الشوك، الضَّعفُ حين يتحوّل إلى قوّةِ خلقٍ وإعادة وعي..    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :24
من الضيوف : 24
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23796004
عدد الزيارات اليوم : 11554
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


كاظم حيدر: التجريب واللّعب والموت

مي مظفر
 في منتصف ستينيات  القرن الماضي، كنتُ في بيروت صيفاً، وسمعت لأول مرة عن كاظم حيدر  وصدى  أعماله  المؤثرة  التي عرضت هناك مؤخرا بعنوان " ملحمة الشهيد، وإلى أي حد  استقطبت إعجاب الفنانين والمعنيين بالفن كونها قفزة أخرى نحو الحداثة   والتجديد والتنوع في الحركة التشكيلية في العراق. ومن بين ما تردد عن هذه  الاعمال وجود مؤثرات من الفنان الإيطالي ماريني مارينو  في تصوير الخيل  تحديداً.


 لم أكن يومها على اطلاع حقا بما عرضه كاظم حيدر ولا بأعمال النحات الإيطالي على مدى السنوات لغاية وفاته المبكرة في عام 1984، ظلت أعمال كاظم حيدر  وإبداعه  الذي طالما فاجأ به  جمهوره، موضع نقاش حاد وجدل بين الفنانيين..

فكاظم حيدر المولود في قلب بغداد " محلة الفضل " كان فنانا مبدعا ومفكرا، شأن محمود صبري وشاكر حسن ال سعيد، مع اختلاف كل واحد مهم، ومسببات ذلك التوجه.جمع في دراساته بين الادب، حيث تخرج في دار المعلمين العالية، وبين الفن حيث انتمى إلى الصفوف  المسائية في معهد الفنون الجميلة، وانهى دراسته في كليهما بالسنة ذاتها " 1957 " ثم حصل على بعثة دراسية الى انكلترا لدراسة الديكور المسرحي " 1962- 1964 " وهو التخصص الذي كان سيدخل في صلب إبداعه الفني في الوقت الذي يسهم فيه بإثراء فن المسرح العراقي.
تشير سيرة كاظم حيدر 1932-1985 الى ظهور طاقاته في الرسم منذ المرحلة الابتدائية بإشراف وتشجيع أُستاذه الفنان الرائد محمد صالح زكي، وفي معهد الفنون الجميلة في بغداد تتلمذ على يد الاساتذة الكبار من رواد الحداثة التشكيلية في العراق، وتعلم الرسم الاكاديمي على نهج الاساليب الاوروبية وكان اول ظهور عام له مشاركته في معرض نادي المنصور الاول " 1957 " ومن بعد شارك مع فنانين آخرين في معرض المرفوضات الذي أقيم على قاعة اتحاد نساء العراق " منطقة الكسرة " مما يدل على ان الفنان يمتلك نزعة متمردة في التعبير  ورغبة في الخروج على المألوف. وغير ذلك لم يكن هناك ما هو معروف او ظاهر عن نشاطه الفني المبكر، تبعا لما يقول الفنان ضيباء العزاوي في مقالته المهمة والوافية عن كاظم حيدر.. خلال هذه الفترة " 57-62" لانعرف عن تجربة كاظم حيدر الشيء الكثير إلا عبر نشاطه الفني من خلال مشاركاته في معارض نادي المنصور  وبروزه كفنان مثير للجدل في جرأته  ثم مساهمته مع فنانين آخرين في معرض المرفوضات كتحدٍّ للجنة التحكيم  التي تشرف على تنظيم المعرض السنوي لنادي  المنصور.
غير أنّ الدكتور نجم حيدر ابن شقيق الفنان يتحدث عن بدايات الفنان الاولى وخروجه  على تقاليد اللوحة التقليدية  فيصف عملا مبكرا لكاظم حيدر في 1955 يقول: " هكذا كان  من شبابه عندما فاجأ فناني التشكيل عام 1955 بلوحة الحمّال، إذ ضيّق على جسد الحمال داخل إطار اللوحة.. على ظهره وضع قطعة من جذع نخلة حقيقية ركّبها على المساحة الطولية للوحة.."
لدى الانتهاء من دراسته في لندن والعمل في مجال التدريس  في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، انتمى كاظم حيدر الى جماعة الزاوية  وشارك بمعرضهم المشترك الاول والاخير 1967. ثم شارك مع مجموعة من طلابه في تأسيس جماعة الاكاديميين " 1971 "  وشارك معهم بلوحات ذات اسلوب اكاديمي كان قد نفذها سابقا.
تتمحور أعمال كاظم حيدر شكلا ومضمونا، واقعا ورمزا، روحا ومادة، الانسان في اعماله مكبلا كان ام شهيداً، مقاوما ام مستسلما، هو انسان وحيد، حتى وان كان ضمن جماعة، يظهر ابداً داخل مشهد يطفح بالحس المأساوي. للجانب الفكري في اعمال كاظم حيدر  حضور طاغٍ، وهو حضور يتميز ببعده العاطفي الدفين الذي يشتبك فيه الشخص بالعام. ولعل هذا الامر يعزى في جانب منه  الى دراسته الجامعية في مجال الادب، ومن جانب آخر ان مدارك الفنان تفتحت في خمسينيات القرن العشربن، اي انه ترعرع  في بيئة ثقافية شاع فيها التوجه الانساني في الابداع وضرورة أن يحمل الفن رسالة إنسانية جمالية " فائق حسن "، او ذات بعد حضاري " جواد سليم، او تعبيرية ذات بعد اجتماعي " محمود صبري، بوصفه اي الفن أداة فاعلة من ادوات التغيير. انطلاقا من هذا الوعي اصبح للفنان مرجعية يستمدها من واقعه اليومي بقدر ما يستمدها من تراثه الشعبي والحضاري الضارب في قرون سحيقة. فاذا كان التاريخ يتمثل في تراث العراق الحضاري الفني على امتداد العصور فان التراث الشعبي وكاظم حيدر ابن بيئة شعبية بغدادية  بات مصدرا غنيا لصياغة موضوعات انسانية ذات خصوصية عراقية. ذلك ما تبناه الفنان وجسده بصيغته الناضجة  في معرض ملحمة الشهيد " 1965 ".
لاشك ان هذه المجموعة من الاعمال كانت ثمرة اقامته في لندن " 1962-1964 " ودراسته لفنون الديكور المسرحي في الاكاديمية الملكية للفنون الجميلة، وهو اول معرض شخصي  يقيمه الفنان في بغداد.
يعد معرض " ملحمة الشهيد "  نقطة مفصلية بتاريخ الحركة التشكيلية العراقية في حاضرها ومستقبلها وهو مايؤكده الكثيرون من الذين تناولوا تجربة الفنان. بل هناك من رأى تأثير هذه التجربة على مستقبل الحركة الفنية في العراق، كشاكر حسن آل سعيد: ان معرض ملحمة الشهيد في عام 1965 كان بمثابة المؤثر الواضح لمستقبل التشكيل الفني العراقي  ولابد انه كان حافزاً في حينه لشباب الفنانين  من اجل البحث عن " رؤيات " جديدة ذات ابعاد ميتافيزيقية احيانا وملحمية احيانا أخرى.
كرّس الفنان كاظم حيدر معرضه لفكرة استوحاها من استشهاد الإمام الحسين عليه السلام  مسقطاً مغزى الواقعة التاريخية على حاضر معاصر  للتعبير عن مأساة الانسان المقهور على امتداد التاريخ. وبعيدا عن الحس الديني وفكره مضموناً او ادخال عناصر زخرفية من الموروث شكلا  تأتي معالجة الفنان للموضوع  معالجة محض انسانية  يضعها ضمن اطار فني جمالي، يستمد تفاصيله من الثقافة الشعبية ورموزها  ومعتقداتها المتغلغلة في وجدان الناس  على امتداد القرون.
منذ بداية حياته المهنية حتى آخر معرض شخصي له أقامه في لندن " 1984 " حين كان يخضع للعلاج من سرطان الدم الحاد، ثم في بغداد لدى عودته. وكاظم حيدر يثير مشاهديه واصدقائه بقدر ما يثير تساؤلات حول قيمة ما يقددم من تجارب  واين موقعها في مسيرة  واي اضافة تقدمها لتجربته الخاصة وللتجارب العراقية عامة. في جميع الاحوال استطاع كاظم حيدر منذ البداية ان يحتل مكانه الرائد في الحركة التشكيلية في العراق  ويغدو على مدى العقود  رمزا لديناميكية الحركة  وقدرتها على التجدد من غير ان ننسى ان هذه المكانة  التي ربما لم يستطع تجاوزها كان قد احرزها بامتياز من خلال مجموعة الشهيد.
فقد ظل صدى ذلك المعرض يلاحق كاظم حيدر في السنوات اللاحقة وظل مجال مقارنة بما قدم ويقدم من أعمال. فتاريخه الفني المولع بالتجريب يشير الى انه الى جانب  معرض الشهيد في بغداد وبيروت اقام معرضا شخصيا آخر في بغداد " 1969 "  ومعرضا مشتركاً مع فالنتينوس كارالمبوس " 1966 " اقيم في قاعة " إيا " في بغداد  عرض فيه كاظم لوحات فيها صور حيوانات رسمت بأسلوب تجريدي الى جانب مجموعة صحون خزفية  لفالنتينوس. وبعد سنوات كان يشارك خلالها في المعارض الجماعية فقط، اقام معرضه الاخير في كل من لندن وبغداد 1984.
بعد ذلك الانجاز المميز لمعرضه ملحمة الشهيد وامتداتاته  فاجأ كاظم حيدر الوسط الفني في العراق بتأسيس جماعة الاكاديميين  وتحرير بيانهم   والمشاركة بمعرضهم الاول 1971  الذي اقيم على قاعة المتحف الوطني للفن الحديث في بغداد بمجموعة اعمال قديمة ذات اسلوب اكاديمي، فقد اثارت هذه المشاركة  استغراب الفنانين المحدثين  من جيل الستينيات بشكل خاص  بقدر ما اثارت حفيظتهم  واعتبروها انتكاسة لدوره الرائد في دفع الحركة التشكيلية الحديثة ورفدها بالتجارب الخلاقة. وكانت جماعة الاكاديمين قد اصدرت بيانا اكدت فيه  انها قامت من اجل تصحيح الوضع الفني السائد والرد على اسفاف التجارب الفنية الحديثة التي ظهرت على الساحة العراقية  وان من لايتقن الرسم الاكاديمي  لن يكون بوسعه تحقيق لوحة حداثية جيدة.
بعد معرض الاكاديميين هذا واظب كاظم حيدر على المشاركة في المعارض الجماعية،إما بأعمال لاتضيف لبحثه البصري اي جديد او انه يفاجئ جمهوره بعمل تجربيبي مثير للجدل. ففي البينالي العربي الاول في بغداد " 1974 " قدم الفنان عملين مجسمين احدهما " بلا زمن " والثاني " ساعة 5 + ساعة 7 = صفر 8 " عملان مركبان من مجموعة ساعات جاهزة عالج من خلالهما مفهوم الزمن.  وفي نهاية السبعينيات من القرن الماضي شارك الفنان في واحد من المعارض الجماعية في بغداد بعمل غريب آخر:  لوحة كبيرة يظهر بورتريت للفنانة ليلى العطار يتكرر داخل مربعات  على مساحة سطح اللوحة  على غرار عمل اندي وارهول لمارلين مونرو.
حين عاد من لندن الى بغداد وأقام معرضه في قاعة الاورفلي 1984 وكان في مراحله الاخيرة من صراعه مع المرض اجرت مجلة ألف باء مقابلة اخيرة مع الفنان كاظم حيدر  وجاء في  معرض رده على سؤال: ما حكمة الفن لديك؟ قال: انه ضرب من اللعب لكنه نوع من اللعب  الذي يمتلك الاحساس والخبرة  ويحمل اهدافاً اجتماعية كثيرة وسياسية  وله  من هذا المنظور بعد حضاري كبير يرتبط ارتباطا وثيقا بالنفس الانسانية،لكنه مع ذلك قريب من اللعب ".  هكذا كان كاظم حيدر فنانا مستقلا فهو كما أرى من خلال استعراض سيرته واعماله ينطلق في تكوين اعماله من فكرة ما. ففكرة العمل لديه تأتي اولا ومن ثم يجسدها الفنان ضمن مشهد واقعي او رمزي او محض تجريدي.  ولعله بفضل دراساته الادبية تفتح وعيه على تجاور الفنون الابداعية وتداخلها واثراء بعضها البعض الآخر. فذهنه من يلتقط الاشارات  لاعيناه. وهو كما يظهر من استعراض تجاربه الفنية غير معني في البحث البصري قدر عنايته ببحثه الفكري في العمل الفني. وهوهنا معني منذ البداية بملاحقة الموت  فكرا وواقعا  والمعادلة غير المتكافئة بين الوجود والفناء.

عن كتاب (الفن الحديث في العراق..
  التواصل والتمايز)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية