العدد (4086) الاربعاء 13/12/2017 (تيـد هيوز)       على هامش "رسائل عيد الميلاد" تيد هيوز والتكفير عن طريق الكلمات       تيد هيوز... الشاعر أم الوحش؟       بعد الطيران الاول       تيد هيوز وكيف تكون كاتبًا؟       تيد هيوز.. كرة قدم       تيد هيوز شاعر من القرن العشرين       وفقاً لرسائل كانت مجهولة حتى الآن.. تيد هيوز أساء معاملة سيلفيا بلاث       تيد هيوز .. آخر حاملي أختام لغة شكسبير       تيد هيوز القادم من برودة الموت    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :35
من الضيوف : 35
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18801022
عدد الزيارات اليوم : 5472
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


الرائد المسرحي بدري حسون فريد وكتابه: قصتي مع المسرح

جـــــــــــــواد وادي
تتعدد  المواهب في  تشكلاتها الأولى دون قصد وبمودة كبيرة حتى وان كانت فطرية في  أحايين كثيرة،  لكنها واعدة إذا ما واكبتها رغبة الاقتحام رغم يفاعة مصدرها  وطراوة  حاملها، وهذا الأمر لم يوله المهتمون شديد عنايتهم لكونه يشكل  البذرة  الأولى في العطاء بعتباته المتهيبة لينتفض كبيرا بفتح كوة فائرة  نحو عالم  ساحر قد يتهيب في ولوجه بداية،


لرهبة المحراب وقدسية الإيمان، ولكنه يظل متشبثا به بكل جوارحه رغم حجم المغامرة وفداحة النكوص على النفس الوثابة إذا ما وجدت تلك الأيدي الرحيمة والعارفة بحرقة الاكتشاف وشهوة الانتصار للانطلاق الى رحابة العطاء، إنما نقاء الروح ومفردات العشق المتجذر يوصل تلك المغامرة إلى لذة دائمة في فتح أشرعة للنفاذ إلى فضول الروح الباحثة عن ملاذ للخلاص من رتابة اليومي وثقل المحاصرة إلى الاستشراف الأعظم نحو طلائعية الهدف وفتح منافذ العطاء الأرحب والأجمل.
كل هذه التوصيفات الصادقة تحيلنا إلى عمق التناول في كتاب الرائد الدكتور بدري حسون فريد، حين يصر على توثيق تاريخ المسرح العراقي بتلقائية نقية وعشق صوفي إيماني النزوع والتعلق بكل التفاصيل التي عاشها وعاصرها وتعلق بها واثر فيها واحتفظ بمراراتها ونكهتها التي ما زالت تعطر مساراته الحياتية رغم حجم المعاناة التي هو عليها وفيها الآن، دون ان يسال او يطلب او يتنازل او يمد يده او حتى يتذمر، نلك لعمري مدرسة عراقية وإنسانية في النبل وعزة النفس والاعتداد بتاريخه وعلاقاته المتميزة منذ بداياته الأولى، إنما فقط ما نود قوله، أن رجلا بهذا الشموخ والعطاء والأريحية والنقاء لهو أنموذج ينبغي على كل عراقي تحديدا وكل من ينتمي إلى الفن المسرحي عموما ان يكون رمزا وكعبة له، إذا ما أردنا جميعا ان تكون لنا بوصلة إنسانية بهذا البهاء تقودنا إلى صفاء الروح والوفاء لكل ما هو خير: وطنا وفنا وصداقة ومحبة لكل الناس وقبل هذا وذاك درسا في التشبث بالقيم والفضيلة وعزة النفس مهما بلغت الأوجاع وتكالبت الرزايا وبلغ العقوق اعتي مدياته، ونحن نعيش زمنا رثا وموبؤا يعشعش في ادق تفاصيل حياتنا. وسيبقى رائدنا فنان العراق الشامخ، بدري حسون فريد، رمزا للعراق العظيم في أبهى صوره وتجلياته، حيث كان وسيبقى رغم عوادي الزمن وعقوق الآخرين، جميلا وأبيا ودائم العطاء والوفاء لفنه وأصدقائه ومحبيه.
ما ينبغي ذكره فاتحة للولوج إلى عتبات الكتاب هو جملة الأسئلة التي يحيلها الكاتب على القارئ عن ماهية الكتاب وطريقة تجنيسه وتحديد ملامحه فيقول:
هل هو كتاب مذكرات شخصية أم خواطر فنية؟
وهنا يتوقف القارئ ليتفكر مليا في متون الكتاب قبل رحلة القراءة الشيقة لكن الوقوف في قراءة تلك الأسئلة المشروعة تدغدغ فضول المتلقي فيستمر في قراءة الأسئلة المحيرة التي يتواشج بها الكاتب مع قارئه... أم مكابدات فنان مسرحي مجاهد، اخرج للمسرح أكثر من ثلاثين مسرحية، عالمية وعربية ومحلية، ومثّل في عشرات المسرحيات في العراق وأمريكا، وكتب واعد أكثر من عشرين مسرحية طوال خمس وأربعين سنة؟ هل هو تأشير وملامسة سيرة النقد والنقاد في أطروحاتهم، وتقويم لانتاجاتي المسرحية خلال أربعة عقود من الزمن؟ أم هو تصوير دقيق بريشة إنسان يحترم العلم والضمير، لشخصيات فنية مسرحية معروفة... كنت قد تعلقت بأذيالها في البداية، ثم عاصرتها، وعشت معها هاويا، وواكبتها تلميذا، ثم أصبحت لهم زميلا مقتدرا، وأستاذا لأكثر من إلف طالب، بعضهم أصبح نجما لامعا، وفنانا قديرا في سماء الفن الرحب؟ هل هو كتاب يحتوي على طرح الأسئلة في (فن التمثيل) و (الإخراج) و(الصوت) و(أخلاقيات المسرح) و(التأليف والإعداد) وغيرها من الأمور الفنية كنت قد تعرضت لها (اضطرارا) من خلال التجارب التي مررت بها، او المعالجات التي قمت بها أثناء عملي، ممثلا ومخرجا مسرحيا؟ أم هو كتاب يعكس (مكاشفة النفس) و(الصدق مع الذات) في تقويم أعمالي(بنفسي) بعد تجسيدها على الخشبة، ام انه(دفاع مشروع) تجاه ما كان يمكن أن يتحقق (فنا وإبداعا)، وما تحقق (فعلا)، وتأشير الضعف أو الخلل وأسبابهما، وتحقيق الفجوة بين الطموح، والواقع الملموس.
هل هو كتاب يتصدى للإرهاصات الفكرية والاجتماعية طوال نصف قرن من الزمن، عشت فيها، وتفاعلت معها، إنسانا، ومفكرا، وفنانا، بحيث عملت على تثبيت (كينونتي) ومسؤوليتي في التصرف المسوؤل، واتخاذ الموقف السليم، والحكم على الأشياء بنزاهة، وعدم الانحناء أو الاستجداء في الفن والحياة عموما.
آثرنا ان ندرج كل هذه الأسئلة لما لثرائها في تنوير القارئ عن ماهية الكتاب وماهية صاحبه كذلك ليكون على بينة من أن الكتاب حافل بالكثير من الإجابات عن أسئلة تشكل واقع المسرح العراقي منذ بداياته، وشخصية الفنان العراقي التي أقولها جازما تغاير كثيرا سواه من فناني البلاد الأخرى لتركيبته وتكوينه وطبيعته ومدى تعلقه بفن، هدفه الاسمي من كل شئ.
يؤكد الفنان بدري أن الكتاب يجمع كل هذه الأشياء صغيرها وكبيرها مجتمعة. لينهي أسئلته باعتراف وجداني بلغة الباحث الصادق مع ما يذهب إليه ليقول:
انه سجل حياتي المسرحية- كوثيقة فنية خالصة- وهديتي المتواضعة لكل الأجيال القادمة في العراق والوطن العربي.... انه دم قلبي بين ثنايا السطور وحناياها، أقدمه بكل حب واحترام إلى الذين يعشقون النور والحرية والفن والحياة في مجراه الإنساني الرحب- المسرح.
وانا أعرّج في مدارج الكتاب، استوقفتني جمل وتعبيرات كثيرة لتوصيف حالات لأحداث يسردها الكاتب ببراءة وعفوية صادقة ودون تزويق او مداهنة، فأجد نفسي أمام إنسان يتعامل مع الحدث بتجرد شديد ولكن بمزاحمة بهية مع كل مكونات الحدث، بتوظيفه جملا وتعابير تحيل الوصف الى فضاءات متحركة وكأننا نعيشها الآن بنشوة فائقة وتناول فطن. يقربنا من قولة امبيرتو إيكو: إن الفن هو تخلص من الانفعالات الشخصية لتحول هموم الفنان إلى حالات كونية. وهذا ما نلاحظه في كتاب الدكتور بدري حسون فريد، وحتى إن وجدنا بصماته على الحدث لكن ليست بتلك الأنانية التي تشكل سمة لكتب مماثلة بحيث تتحول الحقيقة إلى توهيم ويضيع الهدف الذي يسعى إليه الكتاب في نقل محطات ستكون دليل عمل وبحث واطلاع وتقصي وتوثيق لمسارت المسرح العراقي منذ التأسيس الأول وما شهده الرواد وعاشوه بوجدانهم ليأتينا جاهزا بعد أن اهرق الكاتب دمه وأطفأ شموع أيامه ليخرج بهذه الحلة المباركة.
لا بد هنا من نقل إحساس ظل يلازمني وانا استغرق في قراءة متون الكتاب وهو: هل أن هذه المذكرات، سرد لتجربة رائد مسرحي وظف أدوات للسرد بمهنية ليمنح طريقة الحكي سلاسة العارف ببداية العتبات لينفذ الى فضاء أرحب بسعة حلم وتعلق بتلابيب الذاكرة التي شعرنا نحن الممسكون بتلك السلاسة انه عانى كثيرا واختط لنفسه منهجا صارما في نقل الحدث، باضاءات قرّبت القارئ وأشركته في تداخل الإحداث بكل تفاصيلها. أحيانا يحيل الكاتب سرد ذكرياته إلى حوارات داخلية (مونولوجات) تحكمها توظيفات من زمن غابر لتمنح القارئ معاصرة الحدث ومعايشته وكأنه طرف فيه.
لذلك الزمن الجميل المأسوف عليه مقارنة بما نعيشه الآن من اللا تواشج بين المبدع وفنه ولأسباب يطول شرحها. ينقل لنا الكاتب تلك الأيام الخوالي بصدق ومحبة وسعة حلم وطموح وتفاني وموضوعية وعشق صوفي للعمل مؤسس على تقاليد باتت غائبة الآن وللأسف الشديد.
قد ندرج ميزة أخرى لهذا الكتاب، ذلك انه يعقد مصالحة بين القارئ وشغف القراءة للثقافة الالكترونية السائدة الآن التي أدت إلى عزوف الناس بما فيهم المثقف عن الكتاب إنما ميزة هذا الكتاب استحالة عدم إتمامه لذلك الترابط والتسلسل الممتع في الأحداث التي تمنح القارئ لذة فائقة وشغف متنامي في متابعة الحدث بتراتبية نقل الحكايات بمتعة نادرة، واقصد هنا تحديدا القارئ العراقي الذي ينتفض بداخله ركام الحنين لتفاصيل الحياة العراقية التي حولتها المحن والكوارث إلى رصيف ذاكرته الباهتة والعاجة بالمكابدات ويومية الحياة الدامية، فكم هو جميل أن أتحول إلى ذلك الزمن الجميل والنقي بناسه وأمكنته وعلاقاته الإنسانية النقية وطيبة أهلنا وتفانيهم في حب الآخرين، وسواها من تلك الصور الرائعة والتي نتحسر الآن عليها كثيرا. إذن فالكتاب هنا هو مجموعة صور نادرة يختزنها القارئ لتجمّل حياته المأساوية حتى وان كان عودة لما مضى عبر رحلة من الذكريات الجميلة ليعيش لحظتها على وسنها ويجتر معانيها هروبا من مواجعه الدائمة ونزيفه المتواصل. تلك هي صفة محمودة لكتاب الرائد بدري حسون فريد.
إننا نتلمس جليا أنفاس الكاتب تتحرك على صفحات الكتاب بأحاسيس يختلط فيها الفرح والحزن والألم والحسرة والشوق والوفاء كلها تشكل منابت لفنان يسرد ذكرياته لا بمداد جرده من عمق الأحاسيس بل بروحه تتنقل بين ثنايا الكلمات بجذوة المتعلق بفنه، فيعترينا النشيج حين يلامس جروحنا فينكأها بقصد أو دونه، لنكون معا تحت خيمة عذاباتنا المتواصلة، وهو ينكش بين الحين والحين عن تلك الرداءة التي لم تكن سمة للمسرح العراقي ولا لرواده قط حين طغى جيل التخريب، أنصاف الموهوبين ليتسيدوا هذا الفن الراقي ويزيحوا بأفعالهم الرثة عمالقة هذا الفن ورواده الكبار، حين دبت الفوضى مناحي الحياة العراقية وكان للمسرح نصيبه الأوفر من الخراب، فأحال الطارئون هذا الفن العظيم الى فرجة ماسخة ورديئة، فتشتت القامات المسرحية شان مبدعي العراق في أصقاع الدنيا هربا من سياط الموت وتمييع النقاء والأصالة، والمتاجرة بذمم الناس وخاصة المبدعين منهم بيعا وشراء، ولكنها مجرد فقاعة سرعان ما تزول لان المسرح أسمى وأنقى من أن تلوثه أفعالهم الجرباء.
الجزء الذي بين يدي هو المجلد الأول من كتاب الدكتور بدري حسون فريد الموسوم (قصتي مع المسرح)، وفي مقدمته وتمهيده للكتاب يوجز الفنان بدري ستة أسباب يراها موجبة لإخراج هذا الانجاز الهام أولهما: انه تفرغ للكتابة بعد حصوله على التقاعد عام 1995 وثانيهما: مخافة الرحيل عن هذه الدنيا، ويضيع كل شئ. أما السبب الثالث فهو: شعوره بان ذاكرته قد بهتت وبات من العسير تذكر بعض التفاصيل فأسرع في التدوين. السبب الرابع هو الوهن الذي بات يزحف عليه ومخافة ضعف بصره. سبب خامس يذكره فناننا الرائد وهو: التناول المغلوط لكثير من التدوينات التي يقراها فيرى فيها البعد عن الموضوعية ويغلب عليها النزوع الى النرجسية وحب الذات وهذا الأمر يراه الكاتب تشويه وطمس للحقائق.
أما سببه السادس لمباشرته في توثيق قصته مع المسرح فهو: إن عملا خطيرا من هذا النوع ليس من السهل تدوين كل شئ لأنه سيمر على محطات وأمكنة وشخصيات وأحداث من خلال تجربته الشخصية لاكتشاف مدى ارتباطه ورفده للمسرح العراقي من خلال تهيب مشروع مخافة الإخفاق في الوصول الى الحقيقة كاملة رغم الاعتراف من قبل الجميع كتابا ونقادا وفنانين وفعاليات مسرحية عديدة بريادة هذا الفنان الشامخ في المسرح العراقي ولكنه التواضع المفرط الذي هو سر نجاح الفنان الأصيل.
يتوزع الكتاب الأول على أربعة عشر مبحثا وملحقا لصور نادرة تعود للفنان وزملائه الذين رافقوه منذ بداية أربعينيات القرن الماضي. أما المباحث فتوزعت بتسلسل تاريخي دقيق ومحكم كالآتي:
*المبحث الأول: 1940-1960 مرحلة الهواية والتلمذة وبواكير الانتاجات المسرحية
بواكير مشاهداتي المسرحية في كربلاء. سيلتقي القارئ برواد المسرح العراقي الأوائل منهم الفنان حقي الشبلي والفنان قاسم محمد نور(أستاذ فناننا بدري) والعديد من الأسماء، لمطربين وفنانين وشخوص مختلفة
* المبحث الثاني: بواكير عملي ممثلا في مدينتي كربلاء.
* المبحث الثالث: بواكير عملي كممثل في (بغداد) قبل وإثناء دراستي في معهد الفنون الجميلة- فرع التمثيل – وهنا يتوقف كثيرا وبلغة وفاء نادر في حضرة الفنان الكبير الراحل جعفر السعدي والذي يحتل الجزء الأكبر عند الفنان بدري، حين يمسّد بطيبة وألم على ذكراه الطيبة. وترد كثيرا أسماء إبراهيم جلال وسامي عبد الحميد وعلي داوود وغيرهم.
*المبحث الرابع: بواكير عملي بعد تخرجي في فرع التمثيل في معهد الفنون الجميلة، ممثلا ومخرجا، تموز عام 1955.
*المبحث الخامس: مسرحية (المورد المسموم) أول عمل لي في الفرقة الشعبية للتمثيل عام 1956.
*المبحث السادس: الإنتاج الأول لشباب الطليعة عام 1957. يذكر الفنان بدري في هذا المبحث العديد من الأسماء الذين عملوا معه وتتلمذوا على يديه ونهلوا من تجربته الثرية فكانت البدايات لاكتشاف مواهب فنية أعطت لاحقا الكثير للمسرح العراقي.
*المبحث السابع: الإنتاج الثاني لمجموعة(شباب الطليعة) عام 1957.
سيجد القارئ الجهد الكبير الذي كان يبذله الفنان في خدمة المسرح العراقي بالتعاون مع ثلة من الأسماء الوازنة، ولولا تلك الجهود لما وصل المسرح الى حالاته المتقدمة قياسا لبلدان عربية أخرى وهذا انجاز ينبغي أن يسجل بمداد من التقدير لفناننا المقتدر.
*المبحث الثامن: الإنتاج الثالث لمجموعة (شباب الطليعة للتمثيل) عام 1957. الجرأة التي يتصف بها فناننا الكبير أضفت على الكتاب نكهة خاصة ومنحته مصداقية كبيرة حين يذكر في تناوله للأحداث حتى قصص الحب النقي التي عاشها مع من تزامله في تلك الحقبة، وآثر أن يتطرق لكل شادة وفادة دون مواربة أو تدليس وهذه سمة الكتاب التي يتصف بأقصى درجات الموضوعية ونقل الأحداث بسريرة نقية وقلب طاهر.
*المبحث التاسع: العهد الجمهوري- الإنتاج المشترك بين الفرقة الشعبية وشباب الطليعة. في هذا المبحث يعبر الفنان بدري بصدق عن وطنيته واستبشاره بالتغيير الجديد وفي هذه المرحلة كان الفنان قد ارتبط بشابة جميلة وبهية يذكرها بمحبة وعشق كبير تلك هي الشابة (ابتسام فاضل)(باسمة) وهي الفنانة الكبيرة التي رافقته الطريق الوعر بكل مكابداته، إنها الفنانة الرائدة ابتسام فريد حيث كانت في هذا الوقت حاملا في شهورها الأولى. والمدهش هنا أن الكاتب العراقي الساخر والفنان التشكيلي خالد القشطيني كان من ضمن من تعاون مع الفنان بدري في مسرحية من تاليفه تحت عنوان (تحت ظلال البطالة) ليخرجها مع جملة من المسرحيات الأخرى في هذه المرحلة، بعيد نجاح ثورة تموز 1958.
* المبحث العاشر: الإنتاج الأول (لفرقة شباب الطليعة للتمثيل. تأسست هذه الفرقة برئاسة الفنان بدري حسون فريد وكان له السبق في هذه الفترة في توظيف الإضاءة المسرحية المعتمدة على المصابيح (البروجكترات) للمرة الأولى فكانت طفرة فنية في المسرح العراقي.
* المبحث الحادي عشر: الإنتاج الثاني (لفرقة شباب الطليعة للتمثيل)، (نجاح) و (عندي ذراع واشتغل).
* المبحث الثاني عشر: (الإنتاج الثالث لفرقة شباب الطليعة).
* المبحث الثالث عشر: الإنتاج الرابع لفرقة شباب الطليعة للتمثيل. جدير بالذكر ان الإنتاج هنا لا يعني عرض مسرحية واحدة بل أحيانا يصل الى عدة مسرحيات.
* المبحث الرابع عشر: التقويم الشخصي لانتاجات مجموعة وفرقة شباب الطليعة للتمثيل. في هذه المرحلة كان فناننا يحزم حقائبه للسفر الى أمريكا في بعثة وزارة التربية والشروع في تسليم مهام مسئولية الفرقة الى طاقم الهيئة الإدارية. يتكلم هنا فناننا عن خلاصة تجربته ليحددها في استنتاجات عشرة هي:
1- لا يمكن الجمع بين الإخراج والتمثيل لأنه يضعف العمل ويحدث تداخل غير مرغوب فيه.
2- أهمية فن الإلقاء وما لتاثيره من دور فعال في أداء الممثل باعتباره كان الوحيد الدارس فن التمثيل في المعهد.
3- عدم وجود الكتب المتخصصة في الفن المسرحي مما جعل الممثل يعتمد على اجتهادات شخصية.
4- أهمية الاستمرار في التدريب خلقت كوادر فنية شابة طموحة(نذكر منهم من باب الاستئناس عرفانا لما قدمته هذه الكوكبة الرائدة للمسرح العراقي): ابتسام فريد- فاطمة الربيعي- يعقوب القرةغولي- عبد الجبار عباس- كمال العاني- محي ابو حمزة- سعدي السماك- طارق حسون فريد- عبد الإله الخطاط- نجم العبيدي- المرحوم عثمان فائق- ياسين عبد الرحمن- حسن الحمامي- المرحوم فوزي محسن الأمين- رضا الدين الحيدري- حربي يعقوب- علي العادلي- عبد الخالق الفلاح- أسامة القيسي- المرحوم سالم عبد القادر- مظفر رشيد- عبد الوهاب المنذري- وآخرين...
5- صعوبة الجمع بين قيادة مجموعة أو فرقة الى جانب التمثيل والإخراج هي مهمة صعبة للغاية لما تسببه من إرهاق وعمل مضني، إنما عشق المسرح يذلل بعض هذه الصعوبات.
6- رافقت عملنا العديد من السلوكات الغريبة مثل التعصب والأنانية والمنافسة غير الشريفة وهذه سمات لأمراض كانت متفشية في الوسط الفني، ولكن الصلابة والشكيمة حالت دون إعاقتها لعملنا.
7- ينبغي ان تتوفر عند الفنان شروط نجاح المهمة يذكر الفنان بدري أهمها وهي: العفة والكبرياء وعزة النفس والابتعاد عن الخطأ وغيرها من الصفات الحميدة التي تشكل نجاح الفنان.
8- عدم تغليب الهدف المادي على الفني.
9- الصبر والمثابرة، عوامل هامة برأي الفنان بدري من شانها تذليل كل العقبات المادية والفنية ويذكر الجهد الشخصي في توفير مستلزمات العمل تدريجيا بصبر وأناة.
10- عملت الفرقة سجلا ضخما جمعت فيه كل ما كتب عنها ثم قامت بتوثيق وأرشفة إعمالها. وهذا أمر في غاية الأهمية برأي الفنان بدري.
خاتمة المجلد الأول ملحق للصور النادرة والممتعة حرص الفنان بدري حسون فريد على جمعها وتبويبها بتواريخ وأسماء وشخصيات وأمكنة تعد بحق سجلا صادقا وتاريخا يدون مراحل مهمة من تاريخ المسرح العراقي وتاريخ الفنان بدري حسون فريد منذ خطوات البدايات الأولى التي تعود الى بداية أربعينيات هذا القرن الماضي وحرصا منه على تدوين كل شاردة وواردة لخدمة الأجيال اللاحقة في اطلاعها على أهم المحطات التي مر بها تاريخ المسرح العراقي فكانت له الريادة بامتياز ودون منازع ليخلّد فعله هذا، انجازاته الكبيرة في خدمة المسرح العراقي بكل مكوناته وحيثياته
إنني لا أغالي إذا ما وضعت هذا الكتاب الهام في مصاف الكتب التي أرّخت ودونت ووثقت وأبانت عن قدرة العراقي في الإبداع والخلق والانجازات المعرفية الكبيرة والعملاقة لارتباطها بتاريخ وحضارة وقيم المجتمع العراقي على مر العصور منذ الحضارات الأولى التي تعاقبت على وادي الرافدين مرورا بعصور العراق الذهبية علميا وأدبيا وحضاريا وفنيا واستشرافا على راهن العراق برجالاته ومكوناته وانجازاته الشامخة فلا غرو أن نصنف كتاب الدكتور بدري حسون فريد بكتب عراقية ذاع صيتها وباتت رديفا لمجد هذه الأرض وشعبها الخلاق، فحين نذكر جلجامش والطوفان وألف ليلة وليلة وما وصل إليه العراقيون من ترجمة وتأليف في شتى مجالات المعرفة العلمية والإنسانية في عصور العراق الذهبية الزاهرة وصولا بريادة الشعر والأدب وبروز أسماء يفتخر فيها المواطن العربي قبل العراقي. حري بنا إذن أن نذكر بشموخ وعزة تلك القامات التي أسست لهوية العراق الحقيقية. فتحية إجلال لفناننا الكبير الدكتور بدري حسون فريد لهذا الانجاز الرائع والرصين.
جدير بالذكر أن المؤلف مكون من ثلاثة أجزاء، وكما يلاحظ القارئ بأن الجزء الأول شمل مرحلة ما قبل السفر إلى أمريكا في بعثة دراسية، أما الجزء الثاني فيغطي فترة البعثة الدراسية في أمريكا، أما بخصوص الجزء الثالث فانه يشمل مرحلة ما بعد العودة من أمريكا.  بقي أن نشير أن هذه الأجزاء مجتمعة كتبت ما بين بداية عام 1995 ونهاية شهر تموز من نفس العام بعدد صفحات تصل إلى الألف، مما اضطر وزارة الثقافة أن تجزأ هذا العمل الهام إلى أجزاء ثلاث. وهنا ينبغي الإشارة إلى الجهد الكبير والعمل المضني الذي بذله استأذنا بدري حسون فريد في إخراج هذه الحلة العراقية المباركة.
يتوزع الجزء الثاني من (قصتي مع المسرح) على أربع وثلاثين بحثا تمتد أحداثها جميعا من 1961 إلى 1975 وكلها تتحدث عن رحلة الفنان بدري حسون فريد إلى أمريكا للدراسة والاشتراك في انتاجات مسرحية عديدة وانجازاته الكبيرة التي سنأتي على ذكرها لينهي هذا الجزء بعودته إلى الوطن وبداية رحلة المتاعب.
تتطرق جل المباحث الى أهم وابرز الأحداث التي مرت في رحلة الفنان بدري الغنية بالأسماء والأمكنة والمحطات الهامة بطريقة عرض ممتعة وميسرة بسجية الكاتب ورؤياه وطريقته في التناول التي تتسم بالبساطة والعفوية والموضوعية الشديدة وقبل هذا وذاك الحرص الشديد في نقل الأحداث بصدق لا تخلوا من تصاعد وهبوط أنفاس الكاتب حين يمر على محطات تركت في نفسه آثارا باختلاجات مختلفة بصدق شديد، منها الحزين ومنها المفرح ومنها المحير ليلتقط القارئ تلك الأنفاس من بين سطور الكتاب لتتحول أنفاسه هو ويحدث التواشج الجميل ومتعة القراءة اللذيذة. فقط نود أن نعلم القارئ أننا آثرنا ذكر المباحث وعناوينها كما سطرها الكاتب نفسه، وهو ليس نقلا تلقائيا....... والمرور عليها بعجالة ليكوّن فكرة عن أهم أحداثها قبل الشروع في قراءة التفاصيل. والمباحث هي امتداد لمباحث الجزء الأول كما بوبها الكاتب وضمن تراتبية في التناول ليبقى القارئ على صلة بمتون الكتاب بجميع فصوله الثلاث.

المبحث الخامس عشر: دراستي في أمريكا والانتاجات التي اشتركت فيها.
يقول الفنان بدري حسون فريد في هذا المبحث: كان حصولي على بعثة وزارة التربية لدراسة فنون المسرح مؤكدا، ذلك إنني قد تخرجت من فرع التمثيل من معهد الفنون الجميلة بدرجة شرف وكنت من الأوائل، أنا والزميل سامي عبد الحميد.. وحيث أن الفرصة أو الفرص قد أتيحت بعد ثورة 14 تموز 1958 لكثير من الخريجين في الاختصاصات كافة، حيث سبقني زميلي سامي عبد الحميد للدراسة في لندن وكذلك حسن الناظمي للدراسة في معهد كودمان في شيكاغو الذي تخرج منه في بداية الخمسينات جاسم العبودي، وفي بداية الستينات جعفر السعدي وكان إبراهيم جلال هو الآخر يدرس في ذلك المعهد عند مجئ حسن الناظمي إلى أمريكا....
آثرت أن استعين بهذه المقدمة التي يذكرها الفنان بدري ليتعرف القارئ الصورة المشرقة لتاريخ المسرح العراقي متمثلة برواده الكبار وسعيهم للتحصيل والمعرفة والاطلاع على تجارب مسرحية عالمية من خلال الفعل والتفاعل مع هذه التجارب الرائدة، سعيا لتأسيس مسرح عراقي بمواصفات عالمية.
يتكلم الكاتب عن حلمه في السفر منذ طفولته... لندن- أمريكا- باريس- موسكو أو أي مكان آخر، لتعلم فنون المسرح ومشاهدة التيارات والأساليب المسرحية المختلفة. وقد واجه عقبات عديدة أحبطت مسعاه للسفر، يتطرق الكاتب إلى تلك الموانع وسعيه الحثيث لتذليلها والإصرار على السفر بأية وسيلة كانت، وعند سفره يذكر لنا وصوله إلى لندن في طريقه الى أمريكا والصعوبات التي لاقاها ثم حضوره عرض مسرحية لورنس العرب ومن ثم سفره إلى أمريكا ووصوله إلى شيكاغو محطته الدراسية ومن ثم وجهته الأخيرة إلى معهد كودمان مستخدما لغة ركيكة (عرجاء) وبداية المتاعب والإحساس بالضياع لكثرة ما لاقاه من متاعب في العيش والسكن واللغة حتى لقائه بالراحل إبراهيم جلال ولا يخلوا السرد من طرائف ونكوصات عديدة.

المبحث السادس عشر: اللقاء مع إبراهيم جلال في معهد كودمان شيتر- شيكاغو.1962
كان لقاؤه بالفنان إبراهيم جلال بداية تذليل المصاعب لما قدمه هذا العراقي النبيل من تسهيلات للعيش ووصايا هامة وطبيعة الحياة في أمريكا، ثم احتفاء الجالية العراقية بالفنان بدري وزياراتهم له.
إن عنونة المباحث هو لمساعدة القارئ في تسليط الضوء على أهم الأحداث، ليكوّن فكرة عن المبحث لتكون له بوصلة في الغور في متون الكتاب لان العنوان المغري- وهذا كان قصد الفنان بدري- يخلق فضولا كبيرا ومتناميا للإسراع في معرفة تفاصيل الحدث.
اذكر أنني قرأت مرة مقالة لناقد مسرحي مصري عن تمكن الفنان المصري من الإمساك بأدوات عمله بإتقان وخصوصا المسرحية منها، حين يذكر وبفخر اسمي الفنانين الراحلة سناء جميل والكبير جميل راتب، كونهما يمثلان باللغة الفرنسية ويعتبر الكاتب هذين الفنانين مفخرة للمسرح المصري والعربي لكونهما يسعيان إلى العالمية وتحقق لهما ذلك، فما عسانا نقول ونحن أمام عمالقة المسرح العراقي الكثر وفي مقدمتهم الفنان بدري حسون فريد وهم يمثلون على مسارح أمريكا وبلغة ذلك البلد، انه أمر يدعو إلى الاعتزاز الكبير بهذه الكوكبة المكافحة التي ضحت بالكثير من اجل الوصول بالمسرح العراقي إلى هذا الشموخ وتلك الريادة البهية. يبقى السؤال الكبير هل أن فناني اليوم من العراقيين على بينة بهذه الانجازات الكبيرة من لدن الرواد؟ وهل هم يسيرون على ذات الخطى التي ما عرفت هدأة أو فتور؟
بكثير من الفرح يسرد لنا الفنان بدري لقاءه بالمرحوم إبراهيم جلال وحضوره عرض مسرحية باللغة الانجليزية شارك الفنان إبراهيم فيها، وبكثير من الود يذكر لنا كيف أن الفنانين التقيا في حب العراق ثم لقاؤهما معا بالدكتور ماكو عميد القسم الثقافي، وشروع الكاتب بتلقي دروس في اللغة الانجليزية في جامعة روزفلت ثم بداية الشروع في التأقلم مع الحياة الجديدة دون أن ينسى تلك اليد البيضاء التي قدمت له الكثير انه الراحل إبراهيم جلال، وكعادته في خفة دمه وروحه المرحة لا ينسى الفنان بدري أن يذكر الكثير من المطبات المضحكة التي تيسر للقارئ لحظات من الانتشاء لطرافتها.
المبحث السابع عشر: الشعور بالغربة والاغتراب ومرض حب الوطن (حنين الوطن).
يتحدث الكاتب في هذا المبحث عن العقبات التي اعترضته في العيش في هذا المجتمع الغريب الذي بدا له مغايرا للمجتمع اللندني حين سمى شيكاغو بمدينة الغرباء، والجهد الكبير الذي بذله للتكيف مع هذا المجتمع وطريقة التعامل مع مفردات الحياة فيه، ووجد في التراسل مع الأحبة في الوطن سبيلا للتخفيف من حدة (حنين الوطن) التي بدأت تعتمل بداخله.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية