العدد (4086) الاربعاء 13/12/2017 (تيـد هيوز)       على هامش "رسائل عيد الميلاد" تيد هيوز والتكفير عن طريق الكلمات       تيد هيوز... الشاعر أم الوحش؟       بعد الطيران الاول       تيد هيوز وكيف تكون كاتبًا؟       تيد هيوز.. كرة قدم       تيد هيوز شاعر من القرن العشرين       وفقاً لرسائل كانت مجهولة حتى الآن.. تيد هيوز أساء معاملة سيلفيا بلاث       تيد هيوز .. آخر حاملي أختام لغة شكسبير       تيد هيوز القادم من برودة الموت    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :34
من الضيوف : 34
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18801030
عدد الزيارات اليوم : 5480
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


لقاءمع الفنان الكبيربدري حسون فريد:المسرح لم يولدفي يوم واحد،بل هو سلسلةمن إرهاصات فكريةوإجتماعية

أجرى اللقاء : داود أمين
في  ضاحية (هرشم) في أطراف مدينة أربيل، وفي بيت (مُستأجر!) يسكنه الفنان  المسرحي الكبير بدري حسون فريد، كانت الساعات الثلاث، التي أمضيتها في  صحبته، تمضي مُسرعة، رغم إمتلائها بالمُدهش والمثير، من حياة فنان عراقي  إستثنائي، فنان عارك الحياة بجَلَد وثبات، وظل أميناً لقيمه ومبادئه، فنان  تُدهشك، وهو إبن السادسة والثمانين، رغبته وإصراره، حتى اللحظة، على العمل  والعطاء، وعلى رفض كل منحة ومكرمة، ما لم يُقدم مقابلها عملاً وجُهداً!


*  لنبدأ من هنا، من أربيل.. لماذا أنت هنا وليس في بغداد؟!
يجيب الفنان بدري حسون فريد قائلاً :
- الحقيقة إنها قصة طويلة ومؤلمة سأحاول إختصارها، فقد هُجرت عائلتي، من بيتي في منطقة الخضراء| الكفاءات، عام 2007 لأسباب طائفية! حيث وضع إرهابيو القاعدة، أمام باب داري، ظرفاً فيه رصاصتان ورسالة، كتبوا فيها (أخرجوا أيها الكفار.. أخرجوا أيها الأنذال!) وكنت وقتها أدَّرِس، في المعهد العالي للفن المسرحي في المغرب، وعندما أخبرتني عائلتي بالأمر، طلبت منهم مغادرة البيت، مما إضطرهم لتركه، والإنتقال لعدة بيوت في بغداد، وعندما عدت للوطن عام 2010، من غربتي في المغرب، كنت وعائلتي ننتقل من شقة لأخرى، ولا نستطيع العودة لبيتنا، الذي إضطررنا في العام الماضي لبيعه بأبخس الأثمان!
في الشقق التي سكناها في بغداد، كان إبني فريد يمنعني من الخروج، خوفاً على حياتي من الإرهابيين، وهو أمر لا أطيقه، لذلك فكرنا بمكان أكثر أمناً وهدوءاً، فكانت أربيل، التي إنتقلنا إليها منذ حوالي شهرين.

* لنعد لبغداد (قلت للفنان بدري حسون فريد) كيف رأيت واقعها الثقافي، بعد عودتك من الغربة؟
يرد الفنان بدري بألم :
- لا يمكن أن تزدهر الثقافة في بلد منكوب! بلد مُتعَب، بلد لا يُؤَمِن فيه الإنسان على حياته، حيث الإنفجارات تحصد يومياً أرواح عشرات من البسطاء والفقراء، كما إن المثقف العراقي، ومنذ 2003 مُحاصر، والفرص لا تُمنح إلا للمحسوبين على هذه الجهة أو تلك، أما المثقف المستقل فمركون في زاوية، وليس أمامه أي فرصة! وإذا أخذنا المسرح العراقي، وهو إختصاصي الرئيسي، فيمكن القول أنه غائب، والسبب يعود لعدة عوامل، تبدأ من المؤلف ثم المخرج ثم الكادر المتمرس من الممثلين، ثم العامل الأهم وهو الجمهور، فهناك خلل في كل هذه العوامل المترابطة، هناك الآن محاولات متواضعة لتقديم أعمال مسرحية في معهد الفنون الجميلة وكلية الفنون، وأحياناً في المسرح الوطني، ولكن من هم الممثلون؟ ومن هو المخرج؟ وأين هو الجمهور؟ فالذي يخرج من بيته لا يدري هل سيعود له أم لا! المسرح مقدس، لأنه طقس ثقافي متقدم، وكان الجمهور العراقي في السابق، يفد من المحافظات البعيدة لرؤية الأعمال المسرحية التي نعرضها في بغداد، أذكر عندما عرضنا مسرحية(أوراس) جاء باص من كردستان، وهو يحمل العشرات من عشاق المسرح ومتابعيه، ونفس الشيء عندما عرضنا مسرحيات (نشيد الأرض) و(الحصار) و(الطوفان) و(جسر آرتا) إذ كان الجمهور يحتشد ويتزاحم على أبواب قاعات العرض!
عندما عدت للوطن قبل ثلاث سنوات، إلتقيت بمدير عام السينما والمسرح، وأخبرته أن لدي ثلاثة مشاريع مسرحية، وأنا مستعد لإخراجها دون شروط، وهدفي الرئيسي هو تنشيط الحركة المسرحية فقط، ولكن المؤسف أنك تنادي، وليس هناك من يجيب!

* ما دمنا قد ولجنا باب المسرح العراقي فلنفصل قليلاً فيه، فأنت عاصرت أنظمة وعهوداً مختلفة، وكنت خلالها في قلب الحركة المسرحية، ومن بين أهم صُنّاعها، في أي عهد من تلك العهود تعتقد، أن المسرح العراقي، كان فيها أكثر إزدهاراً؟
يقول الفنان بدري حسون فريد :
- أنا أعتبر التطور في المسرح العراقي حلقة مترابطة، فالمسرح لم يولد في يوم واحد، بل هو سلسلة من إرهاصات فكرية وإجتماعية، بدأت في كنائس الموصل والبصرة، وعلى يد المعلمين، الذين كانوا يزورون بلاد الشام للإصطياف، حيث الحركة المسرحية والثقافية المتقدمة هناك، وكان هؤلاء المعلمون يتأثرون بما يروه، فيحاولون تطبيقه في العراق.

لقد حدث تطور واضح للمسرح العراقي في العهد الملكي، أما بعد ثورة 14 تموز، فقد نشطت الحركة المسرحية وتصاعد زخمها كثيراً، أنا مثلاً كونت (فرقة شباب الطليعة) من هواة من شبيبة (تل محمد) كانوا يعشقون المسرح، وأصبح الكثير منهم فنانين معروفين فيما بعد، ومن بينهم علي العادلي وعبد الله الخطاط وحسن الحمامي وآخرين. كما أرسلت حكومة عبد الكريم قاسم الكثير من البعثات للخارج، وفي كل العلوم، وكانت دراسة المسرح والتخصص فيه، من بين تلك البعثات، فدرسنا المسرح، زملائي وأنا، في امريكا وإنكلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا وغيرها من البلدان، وعندما عدنا للوطن بعد إنهاء الدراسة، كانت هناك وثبة في النشاط المسرحي، لكن إنقلاب شباط الأسود، أربك تلك الوثبة وعطّل من إندفاعها، وفي زمن العارفين، حاولت الحكومة ترميم الجراح، ولكن البعثيين عادوا مجدداً للسلطة عام 1968، وبدأوا برسم سياسة مخططة لسلب عنفوان الشعب، فرفعوا شعاراً زائفاً يقول (البلد الذي ليس فيه شعراء كبار وفنانون كبار، ليس فيه سياسيون كبار) في الوقت الذي كانوا يقتلون الشعب فيه، وكانت الوفود العربية الزائرة للعراق تنبهر بهذا الشعار، وتحسدنا على مضمونه، ولم تكن تُدرك زيفه وكذبه! ولكن مع ذلك كان الفنان المسرحي صادقاً في عطائه، رغم كذب السياسيين ودهائهم، وقد إستطعنا تقديم الكثير من الأعمال المسرحية الهامة، ومن بينها(مركب بلا صياد) و(الجرة المحطمة) و(خطوة من ألف خطوة) و(الخاطف والمخطوف) و(هوراس) وأخيراً مسرحية (جسر آرتا).

إزدهار المسرح، كما ذكرت، يحتاج لبيئة إجتماعية وسياسية وثقافية سليمة، أنا مثلاً أحببت المسرح، بل عشقته، منذ أن شاهدت، وأنا في الصف الثالث الإبتدائي في كربلاء، المرحوم(قاسم محمد نور) الذي كان يُلقب بالفنان، وهو يقدم عملاً مسرحياً بالفصحى المبسطة، عنوانه(الطيش القاتل)، والذي إستمر عرضه، في خيمة كبيرة، لمدة ثلاثة أيام. من يريد مسرحاً حقيقياً، يجب أن يفكر لثلاثين سنة قادمة، يجب أن لا نطلب من الطفل أن يذهب للمسرح، بل أن نذهب نحن إليه، أن نعرض مسرحياتنا في قاعات المدارس وساحاتها، الفرقة القومية مثلاً، يمكنها أن تضع برنامجاً واضحاً ومستمراً لمسرح الطفل، لشد إنتباهه وزرع بذور التخيل والجمال لديه، وهذا سيجعل الطفل يتعلق بالمسرح ويستمر في مشاهدته، يجب أن نضع ستراتيجية واضحة لمسرح فاعل ومؤثر، ولكن واقع مدارسنا الحالي، حيث الدوام الثلاثي في بناية واحدة، والإفتقار للقاعات وللنشاطات اللاصفية، إن هذا الواقع مُحبط واليم.

موقف متميز ونادر

* لنعد بضعة عقود إلى الوراء، لزمن دراستك في أمريكا، فأنا أعرف أن لك موقفاً متميزاً ونادراً حينذاك، عندما جازفت بدراستك ومستقبلك، حين رفضت التمثيل في مسرحية تُسيء للشعب الكردي، هل يعرف الأكراد ومسؤولوهم هذا الموقف؟ وهل قيموا هذه المجازفة وأنت تعيش بينهم الآن؟
يعود الفنان بدري حسون فريد بالذاكرة، لخمسين سنة خلت، عندما يروي بإعتزاز تفاصيل الحادثة فيقول:
- لقد وقفت وقتها بشموخ، وأنا فخور بذاك الموقف، إذ أسندت لي أستاذة الإخراج المسرحي، في معهد (كودمان ثيتر) الذي كنت أدرس فيه، في شيكاغو، دوراً في مسرحية عنوانها (تبايز والملائكة) وحين قرأت النص، صُدِمتُ عندما وجدت بين شخصياته، شخصية لكردي مجرم وقاطع طريق! خصوصاً وإن النص يخلو من شخصية أخرى، لكردي طيب وسوي، لكي يتعادل الأمرعندي، وأقتنع أن في كل مجتمع تجد الجيد والرديء، ولكن أن يقتصر النص على أظهار السيء فقط، فهو أمر لا أقبله، وهو يتعارض مع القيم والمُثل التي أؤمن بها، ومع الشعارات التي كنت أهتف بها في التظاهرات، ومن بينها شعار(كرد وعرب فد حزام)، لقد إرتسمت أمامي قضية التلاحم بين الشعبين العربي والكردي، التي نذرت نفسي من أجل ترسيخها، فهل أخون هذه القضية بقبولي بالعمل في هذه المسرحية، أم أرفض، مجازفاً بدراستي ومستقبلي، وأنا أعرف أن قوانين المعهد، تمنع الطلبة من رفض أي مهمة توكل اليهم! وهكذا قررت رفض العمل متحملاً كل النتائج! وعندما فاتحتُ الأستاذة بموقفي، إستغربت وإنزعجت، إذ ربما هذه هي المرة الأولى، التي تواجَه من طالب بمثل هذا الموقف، قالت(عد لوطنك ولتنفعك وطنياتك!). وبعد ثلاثة أيام حزمت حقائبي، وجئت للمعهد، كي أودع زملائي وأساتذتي، فإلتقت بي الأستاذة المذكورة، وقالت لي(سأقوم بشيء لم أفعله سابقاً، سأحذف إسمك من ممثلي المسرحية، وأكتب إنك لا تصلح للعمل في هذا النص، ويمكنك البقاء في دراستك!) فشكرتها وقلت (كرم منك أنك جنبتني دنس أن أخون مبادئي وقيمي الوطنية والإنسانية، ومنحتني الفرصة أيضاً، كي أكمل دراستي).

القيم والمباديء لدي لا يمكن تجزئتها أو المساومة فيها، هناك موقف آخر ربما يستغرب له الكثيرون، فعندما قُتلت إبنتي(سراب) عام 2007، في حادث سير في عمان، كنت وقتها أدَّرس في المغرب، وربما أغمي علي ساعة سماع الخبر، وبعد ساعات إتصلت بعميد الكلية وأطلعته على الخبر، فتألم الرجل متمنياً لي الصبر وقال لي(أنت في إجازة مفتوحة)، ولكني توجهت للمعهد في اليوم التالي مباشرة، وألقيت محاضرة إستغرقت ساعتين على طلبتي، وقد تهدج صوتي في نهايتها، مما أثار إستغراب الطلبة، الذين تألموا وإستغربوا مجيئي للمعهد، عندما علموا بوقوع حدث جلل كهذا!

الإباء وعزة النفس في زمن طافح بالرداءة!

يكمل الفنان الكبير بدري حسون فريد، بنفس التلقائية والصدق الذي بدأنا به حوارنا، سرد أحداث ومواقف تعكس كبرياء الواثق بالنفس، المعتز بتاريخه الحافل بالبذل والعطاء، فيقول:

- قبل فترة إتصل بي الدكتور (قاسم مؤنس) عميد كلية الفنون الجميلة، وأخبرني أن هناك مبلغاً من المال سيقدم لي كهدية، بإعتباري كنت مدرساً في الكلية لحوالي 30 عاماً، وقد خرَّجت العشرات، بل المئات من الطلبة، وهو أحدهم، فإعتذرت للدكتور قاسم ورفضت الهدية، فإستغرب وقال، إنها هدية من الكلية، وليست منحة من أحد! فواصلت إصراري على رفض الهدية، فأنا لا أحتاج لهدايا ومكرمات! بل أحتاج لمن يريد أن يستفيد من خبرتي ومعارفي، التي لا أزال قادراً على تقديمها وإفادة الأجيال الجديدة بها، فأنا لا آقبل مبالغ دون تقديم عمل!
يروي الفنان الكبير حادثة أخرى فيقول: عندما كنت في المغرب، كُتِب موضوع في الصحافة تحت عنوان(إنقاذ)، تحدث كاتبه، عن حاجة عيني لعملية جراحية عاجلة، ويبدو أن الأمر وصل لرئيس الجمهورية السيد جلال الطالباني، الذي طلب من مستشاره الثقافي الدكتور جلال الماشطة، ان يتبنى إرسال مبلغ العملية، وفي نفس الوقت، يبدو أن وزيرة الثقافة والإعلام المغربية السيدة(ثريا جبران) هي أيضاً قرأت موضوع الإنقاذ، فأرسلت إلى الكلية التي أدَّرس فيها، نقيب المسرحيين المغاربة، الذي قابلني، وهو يقول مستغرباً: أنت تحتاج لإنقاذ ونحن موجودون! غداً أو بعد غد تذهب إلى المستشفى العسكري في الرباط، وهو أشهر وأفضل مستشفى لدينا، لتُجري العملية لعينك. فشكرته وقلت، سيصلني مبلغ من رئيس الجمهورية العراقية، وهو يغطي أجور العملية كما أعتقد، فقال لي: ضع المبلغ في جيبك ونحن نعالجك مجاناً، فرفضت ذلك بإصرار، وبالفعل وصل المبلغ من رئيس الجمهورية، وأجريت العملية.

* أنت ممثل ومخرج ومؤلف وأستاذ جامعي، أين تجد نفسك أولاً، بين كل هذه التخصصات؟
الفنان الكبير بدري حسون فريد يرد قائلاً:
- لقد أحببت التمثيل منذ الطفولة، ودخلت معهد الفنون الجميلة، مضحياً بدراستي في كلية الحقوق،لأتخرج من المعهد بعد خمس سنوات بدرجة شرف، وبعد ثورة 14 تموز، تركت وظيفتي في البنك المركزي العراقي، عندما أرسلتني الدولة، لأدرس المسرح في معهد(كودمان ثيتر) في شيكاغو، وبعد عودتي من أمريكا، تعينت كمدرس، في معهد الفنون الجميلة، لمادة الصوت والإلقاء، حسب نظرية (لاساك) التي تخصصت فيها، وقد ألح الفنان إبراهيم جلال، على وزير التعليم العالي حينذاك، لنقلي لكلية الفنون الجميلة، فنُقلت إليها كمدرس، ثم رئيس فرع الإخراج، ثم رئيس قسم الفنون المسرحية في الكلية، أنا رغم كل هذه الإختصاصات، أجد نفسي أكثر بين التمثيل والإخراج، وأعتقد إن دور (إسماعيل شلبي) الذي مثلته في مسلسل (النسر وعيون المدينة) كان هاماً وملفتاً للإنتباه، وهو لا يزال حياً في ذاكرة الناس، رغم السنين الطويلة التي مرت عليه، ومع ذلك فأنا لا أنسى كوني (إستاذ كرسي) وهي صفة أعتز بها.

* أصدرت الجزء الثاني من مؤلفك الهام (قصتي مع المسرح) كما إنك تنوي إصدار الجزء الثالث والأخير منه، ما الذي تناولته في هذا المؤلَف؟ بمعنى هل هو سرد محايد، أم تقييم؟
يقول الفنان بدري :
- الجزء الثاني هو إستمرار للجزء الأول، هو بإختصار كتابة موضوعية، وسجل بعيد عن الحذلقة والزخارف اللفظية، إنه يتناول التجارب التي مررت بها، والإنجازات التي حققتها، وهو سجل فني حافل بالتجربة والخبرة والعبرة، وهو تقييم فيه حتى أثر لإنتكاسة نفسية.

إرتباطاً بالموضوع نفسه، فأنت ساهمت في الكتابة والتحرير في مجلة (السينما) التي أصدرها كامران حسين، حدثنا عن هذه التجربة؟
يُبحر الفنان بدري حسون فريد في ذاكرة لا تزال يقظة وحية فيقول:
- ربما تستغرب حين أقول لك بأني أصدرت، قبل دخولي معهد الفنون الجميلة، كُتيباً عنوانه(فنانون من بغداد)، وقد أخبرني نقيب الفنانين السيد صباح المندلاوي، انه يحتفظ بنسخة لديه من هذا الكتيب! أما عندما كنت طالباً في معهد الفنون الجميلة، فكنت أكتب مقالات عن المسرح والفن لجريدة(البلاد) لصاحبها روفائيل بطي، وقد فاتحت، في نفس الفترة، السيد روفائيل بطي، عندما كان وزيراً للإعلام، برغبتي في إصدار مجلة أسميتها(الفن الحديث) فرحب بالفكرة، وصدر من المجلة عددان هما الأول والثاني، أما العدد الثالث فقد منعته الرقابة، بسبب نشري في العدد الثاني موضوعاً عنوانه(برلمان الفن) وجهت خلاله سؤالاً للفنانين يقول(هل لديكم رغبة في الإنتساب للفرقة القومية، التي تبغي الحكومة إنشائها؟) وكان جواب جميع الفنانين(لا نريد أن نكون بوقاً للحكومة!) وبسبب هذا الجواب توقفت المجلة! والجدير ذكره أن تكاليف إصدار هذه المجلة جاءت من بيعي ل(زولية) كانت لدي! كما كنت أساهم مع زملائي في المعهد، في إصدار صحيفة حائطية، ونضع فيها حمامة السلام لبيكاسو، متحدين السلطة وأجهزة قمعها.

أحياناً أفكر بأن يأتي شخص ما، وهو يحمل مسجلاً ويبدأ معي بمشروع نسميه(من أجل أن لا ننساهم) وسنتذكر أكثر من 100 إسم، عملوا في الحركة المسرحية العراقية، مثلاً الفنان (علي داود) هذا العملاق الذي تخرج من معهد الفنون الجميلة، وإشتغل في الفرقة الشعبية للتمثيل، لقد كان ممثلاً كبيراً ومؤثراً، وأذكر عندما قدمنا مسرحية (يوليوس قيصر) حين كنا في الصف الثالث في معهد الفنون الجميلة، كان أحد الفرنسيين المختصين يحضر العرض، فأبدى إعجابه بالعمل، وبشكل خاص بتمثيل الفنان علي داود، هناك أسماء كثيرة لم ينتبه إليها أحد. كما أفكر بمشروع آخر قد نسميه(صور تتكلم) حيث ننشر صورة، ويجري الحديث عنها والتعريف بها، في أي عمل مسرحي أخذت؟ ومن هو المخرج؟ ومن مثل في العمل؟.. الخ. المشكلة إن الزمن يمضي، والأسماء تُنسى، إن لم يتم تثبيتها للأجيال الحالية والقادمة.

* لنتحدث عن السينما العراقية، فأنت من أوائل العاملين فيها، إذ مثلت في فلم (إرحموني) و(نبوخذنصر) وغيرها من الأفلام، كيف ترى واقع السينما العراقية الآن؟
يجيب الفنان بدري حسون بحزن وألم :
- لقد عدت للعراق في آب 2010، بعد غربة طويلة، وبسبب الوضع الأمني والتفجيرات، وتنقلي مع عائلتي في أكثر من بيت، لم أستطع متابعة المسرح، وهو إختصاصي الرئيسي، فكيف بالسينما، التي أغلقت جميع دور عرضها في بغداد! لقد عملت في السينما كممثل، والإخراج السينمائي ليس إختصاصي، فهو يختلف عن الإخراج المسرحي، ولكن لو عُرض علي سيناريو مناسب لأعمل فيه كممثل، فسأقبله إن وجدت نفسي فيه، لأني أؤمن أن الإنسان ما دام مستمراً في الحياة، فيجب أن يكون لديه عطاء.

* لنغادر العراق الآن، لسنوات غربتك الطويلة في ليبيا والمغرب، ماذا أضافت الغربة لك؟ وماذا قدمت أنت خلالها؟
يجيب الفنان الكبير بدري حسون قائلاً:
- بعد بلوغي السن القانونية وإحالتي على التقاعد عام 1995، جاءتني دعوة من قبل مدير المعهد العالي التونسي، لإلقاء محاضرات في فن الإلقاء في تونس، وحين وصلت تونس، وجدت المدير الذي دعاني، قد نُقل لوظيفة أخرى، فبقيت 17 يوماً هناك، في ضيافة الفنان نصير شمة، ثم إنتقلت إلى ليبيا، وفي قسم الفنون المسرحية في جامعة طرابلس، وجدت كتبي، التي ألفتها مع الفنان سامي عبد الحميد، هي من تُدَّرَس لديهم، وقد أصرت الجامعة، وقسم فنونها المسرحية، على بقائي كمدرس لديهم، وبالفعل وافقت لأبقى سنة ونصف هناك، ولكن المحيط الإجتماعي البدوي في ليبيا لم يناسبني، فعدت للأردن، وفي عاصمتها عمان إلتقيت الفنان جواد الأسدي، وكان واحداً من طلابي، فعرض علي العمل كممثل في مسرحية(المصطبة) التي ينوي إخراجها وتقديمها في بيروت، وبالفعل سافرت مع زوجتي السيدة إبتسام فريد إلى لبنان، لنبدأ التمرين لمدة 40 يوماً، وبعرض للمسرحية لمدة شهر، وأثناء عملي في المسرحية جاءني عرض، من المعهد العالي لفن المسرح في المغرب، يطلبون مني أن أدَّرس لديهم فن الإلقاء، فذهبت إلى المغرب، وكان أول عمل لي هناك، وفي الشهر الأول من وصولي، هو إخراجي لمسرحية (العين والخلخال) للكاتب المغربي عبد الكريم بهريز، وقد قيل أنه أفضل عمل قُدم في المعهد، ولما لم تكن هناك إتفاقية رسمية بين العراق والمغرب، فقد تم تعييني في المعهد كمحاضر، كما يمكنني تقديم العروض المسرحية أيضاً، وقد فكرت بإعادة عرض مسرحية (المصطبة) وبالفعل قُدمت في مهرجان مسرحي عالمي في الرباط، ثم بدأت أقدم مونودراما لوحدي، فقدمت(ضرر التبغ) لتشيخوف، وكنت أنتقل من الرباط للجنوب وللوسط وللشمال، إلى تطوان، وكنت أستقبل إستقبالاً رائعاً من الجمهور المغربي، كما أخرجت للتلفزيون المغربي، مسلسل(صمتاً لنسمع صوت القمر) من إنتاج فائق الحكيم، ومثل فيه مغاربة وعراقيون.

* على ذكر المغرب، أعرف أنك أنتُخبت رئيساً لجمعية الرافدين الثقافية للجالية العراقية هناك، ما هي نشاطات هذه الجمعية؟ وكم هو عدد العراقيين هناك؟
يقول الفنان بدري حسون :
- لقد كانت ولادة هذه الجمعية ولادة متواضعة، إذ حضر حوالي 100 عراقي في مؤتمرها التأسيسي، وهؤلاء معظمهم من الموظفين العاملين في المغرب، أو من الذين لديهم مهام تجارية، وأهم ما إتفقنا عليه في المؤتمر التأسيسي، هو إنها جمعية عراقية، تخص العراقيين جميعاً، بعيداً عن المناطق والطوائف والقوميات والأديان، من مهام الجمعية كان تسهيل أمور العراقيين مع سفارة بلدهم، وخدمات إجتماعية وثقافية تتلخص، في إقامة إحتفال سنوي لأعضائها وعروض مسرحية ومعارض تشكيلية.

يرث الفن من أب سابق لعصره!

* لقد أخذت الغربة والمنافي الكثير من المبدعين العراقيين، وبعضهم دُفِن هناك، والبعض لا زال يواصل غربته، هل تتذكر الفنانة زينب؟
يصمت الفنان بدري حسون قليلاً قبل أن يجيب :
- زينب ممثلة عراقية رائدة، خُلقاً وعطاءاً وقدرة، كانت تعمل في فرقة المسرح الحديث، مع إبراهيم جلال ويوسف العاني وسامي عبد الحميد، وكنت أعمل في فرقة أخرى، ولكن الإحترام المتبادل هو ما كان يجمعنا، وأذكر مرة أنهم طلبوا مني أن أعمل بديلاً للفنان خليل شوقي، في مسرحية لفرقتهم، فمثلت أمامها، فقالت زينب لي وقتها (لقد كنت أقرأ عينيك المعبرتين، أكثر مما أقرأ الكلام، وأنا أمثل أمامك) لقد كانت زينب فنانة لا تُعوض ولا تُنسى! وعلى ذكر الفنان خليل شوقي، فقد إلتقيته في عمان، بعد عودتي من تونس، فقال لي هل ستهاجر؟ قلت نعم، فقال تذكر بأن الغربة صعبة، قلت له، أعرف ذلك ولكني مضطر لخوض هذه المجازفة!

* بقي لدي سؤال مُلِّح (قلت للفنان الكبير بدري حسون فريد) أنت من مدينة كربلاء المقدسة، أعني من بيئة ومجتمع ديني ومحافظ، كيف تسنى لك أن تكون ممثلاً، وأن يكون شقيقك طارق موسيقياً ايضاً؟
يبتسم الفنان بدري وهو يقول :

- الفضل يعود لوالدي، النموذج المُخترق للجو العام في كربلاء، فقد كان رجلاً يحب الحياة، يعشق المرأة والزهور والحدائق والبلابل، ويُحب السفر، كان فناناً، لذلك كلف أحد الخطاطين المشهورين، أن يخط له يافطة، علقها أمام محله، تقول(الخياط الفني حسون فريد)، وكانت تلك اليافطة أمراً غير مألوف لخياط في كربلاء. لم يكن رجلاً نمطياً أوعشائرياً، ولم يكن مهتماً بالأمور العادية لمجتمع كربلائي، معروف بالعزيات والمواكب واللطم، كان منطلقاً أنطلاقة عجيبة، إذ لا يخلو بيته من أربع نساء، وحين يُطلق واحدة سرعان ما يتزوج بغيرها، الحقيقة أنه كان سابقاً لزمانه، وقد تأثرت به كثيراً فأنا مثله أحب الزهور والحدائق والطيور، وأعشق الحياة والعمل.

اجري هذا الحوار في اربيل قبل اكثر من عام ونشر في موقع الحوار المتمدن



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية