العدد (4377) الخميس 21/02/2019 (صلاح جياد)       صلاح جياد ..من اقطاب الفن العراقي المعاصر       نظرة في رحلة صلاح جياد مع اللوحة       في التشكيل العربي المعاصر.. ثراء التعبير عند الفنان صلاح جياد       صلاح جياد ظاهرة نادرة       صلاح جياد       صلاح جياد .. الرسوخ التشكيلي ثياب الحداثة       العدد (4376) الاربعاء 20/02/2019 (دون ديليلو)       دون ديليلو ..حين تحدد الصدفة مصائرنا       الروائي الأميركي دون ديليلو.. 39 عاماً بعيداً عن الضوء    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :23
من الضيوف : 23
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 24184938
عدد الزيارات اليوم : 4259
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


فرجينيا وولف: سيرة مبدعة على حافة الجنون

حسونة المصباحي
أعاد فيلم الساعات the hours، فرجينيا وولف إلى الواجهة، وسمح لملايين الناس في جميع أنحاء العالم بإعادة اكتشاف مبدعة مرموقة، تركت بصماتها واضحة في تاريخ الرواية الحديثة، وتمكّنت من أن تحتل مكانة بارزة إلى جانب مبتكريها، وصانعى مجدها من أمثال جيمس جويس، ود.هـ.لورانس، ومارسيل بروست وكونراد ونابوكوف وويليام فوكنر.. وكانت الكتابة بالنسبة إليها، أهم من اي شيء آخر في حياتها.


كما سمح الفيلم لمشاهديه بالنفاذ إلى روح مبدعة عاشت على حافة الجنون منذ طفولتها، وحتى انتحارها في ربيع عام 1941. ورغم ذلك، استطاعت أن تكتب أعمالا رائعة عكست حياتها المضطربة، وحياة المحيطين بها من الرجال والنساء.
ومتحدثة عنها، وعن خصائص أعمالها، كتبت الفرنسية شانتال شواف تقول: لكأنّ فرجينيا وولف، التي تكاد تكون رسامة مائية في لمساتها، وفي الرسم المرتعش لخطوطها، تصر على ستر الجسد خلف شفافية البخار، بحيث لا تتحدث عنه إلا لكى تتحدث عنه دائما وأبدا. عن هذا الجسد لامرأة حساسة للغاية، ومتحفظة للغاية، والذي يتحول دائما مع سر الاستعارات، في الشجر، وفي الأوراق الميتة، وفي الأمواج، وفي الزهور، ومع سر عالم معدني، ونباتي، وغازي، أكثر منه حيواني، واذن متخفف من الألم الانساني غير أن الثراء الحسى للغة السردية والشعرية جد حاد لدى فرجينيا وولف لكى يرشح الصمت، والفجوات والآلام غير المحتملة، وبذلك يوسع عتبة الحياة الحسية، ويعكّر المراقبة اللغوية للواقع والتي تبدو كما لو أنها عمل مهووس، لكى يذهب إلى ما أبعد من الادراك الحسي، هناك حيث ربما تختلط الأبدية أو على الأقل الحرية بالجنون، وحيث يختلط الفن السامى والحيوى للغة بالموت.
تنتسب فرجينيا وولف التي ولدت في لندن يوم 25 كانون الثاني 1882 إلى عائلة بورجوازية مترفهة كان جل أفرادها مفتونين بالثقافة والآداب والفنون. وكان أحد أجدادها الأولين مناضلا من أجل حرية العبيد في جزر الأنتيّ. أما جدها من أبيها فقد كان أستاذا في جامعة كامبريدج.
وكان نائب كاتب دولة في حكومة الوزير الأول دزرائيلي 1804-1881. وكان والدها ليزلي ستيفان مثقفا مرموقا، يتمتع بمهابة كبيرة بين أبناء جيله. وكان متحررا في أفكاره وتوجهاته الدينية والسياسية وقريبا من الاشتراكيين الفابيين الذين أسسوا حزب العمال. وكانت له العديد من المؤلفات مثل تاريخ الفكر الانجليزي في القرن الثامن عشر والأدب والمجتمع الانجليزي في القرن الثامن عشر. كما أنه كان مهتما بتاريخ الأفكار وعن ذلك كان يكتب في كبريات الصحف البريطانية.
وكانت فرجينيا وولف طفلة تحظى برعاية والدها الذي كان يشجعها على قراءة ما يعجبها من الكتب التي كانت تمتلئ بها المكتبة العائلية الواسعة. لكن عندما تقدمت به السن، احتد طبعه، وأصبح غير محتمل بالنسبة لابنته. لذلك سوف تكتب عنه في ما بعد في مذكراتها تقول: اليوم عيد ميلاد والدي. لو ظل على قيد الحياة لكان عمره الآن 96 عاما، نعم 96 عاما. تماما مثل كثيرين أعرفهم. لكن بفضل الله لم يبلغ هذا العمر، ولو بلغه لحطمت حياته حياتي. وما الذي كان يحدث؟ لا كتابة. لا كتب. شيء لا يمكن قبوله مطلقا.
ومثل بقية أفراد عائلتها التي لها جذور فرنسية، كانت والدة فرجينيا وولف تعشق الفنون التشكيلية. وفي ما بعد سوف يظهر تأثيرها على ابنتها الكاتبة، وسوف تحاول أن ترسم بدقة وبألوان الفرشاة شخصياتها الروائية، وسوف تكتب عن البيت الواقع على شاطئ البحر، والذي كانت تقضى فيه العائلة فصل الصيف: لو كنت رساما. لرسمت هذه المشاعر باللون الأصفر الذابل، والفضي والأخضر كانت هناك الستارة ذات الصفرة الذابلة. وكان هناك البحر الأخضر، والرمادي – الفضي للانفعالات. سوف أرسم تويجات منحنية وصدفات، وأشياء نصف شفافة. وسوف أرسم شكلا دائريا.
وسوف أخط أشكالا مدورة من خلالها نرى الضوء غير أنها تظل غير واضحة المعالم، كل شيء سوف يكون واسعا وغير واضح. وما نراه، سوف نسمعه أيضا. أصوات تخرج من هذه التويجة أو من تلك الورقة، أصوات غير منفصلة عن الصورة.
وكانت فرجينيا وولف في السادسة من عمرها لما اغتصبها أخوها غير الشقيق جيرالد الذي كان في العشرين. وقد يفسر حادث الاغتصاب هذا برودة علاقاتها مع الرجال في ما بعد، وميلها إلى النساء. ولما بلغت سن الثالثة عشرة، بدأ الموت يرسم ظلاله السوداء على حياتها. فقد توفيت والدتها عام 1895. وفي ما بعد كتبت في مذكراتها تقول: أذكر أنى تركت فراش والدتي بعد أن توفيت، والذي أخذتنا إليه ستيلا. وقد ضحكت في السر ساخرة من دموع الممرضة. وكنت أقول في نفسي: إنها تتظاهر.. كنت في الثالثة عشرة من عمري وكنت أخشى ألا أتألم بقدر كاف...
بعد وفاة الأم بسنتين، توفيت أختها غير الشقيقة ستيلا اثر زواجها مباشرة، فشكل موتها صدمة عنيفة أخرى بالنسبة للفتاة الصغيرة التي بدأت تعاني آنذاك من اضطرابات نفسية حادة. وفي ما بعد سوف يصبح الموت سمة أساسية في العديد من أعمال فرجينيا وولف الروائية مثل غرفة ياكوب ورحلة إلى المنارة والأمواج وعن هذه الروايات الثلاث، كتب أحد النقاد يقول: إنها – اي الروايات الثلاث المذكورة آنفا – تحتفي بغياب .. غياب، تلاش، رحيل، اختفاء، كل هذا نتحسسه بين السطور في مجمل الروايات. وكل هذا هو أثر الكاتبة التي تمحو نفسها في الرواية، وهو أيضا مصير امرأة تقرر أن ترحل عن طواعية، وذلك عندما ألقت بنفسها في مياه النهر العكرة خلال شتاء الحرب المعتم.
وكانت فرجينيا وولف لا تزال تتوجع بسبب الآلام التي سببها موت الأم والأخت لما توفي أخوها توبى بالتيفويد، فازدادت أوجاعها حدة، وبدأت تفكر جديا في الانتحار. وقبل ذلك، وتحديدا عام 1904، كانت قد ألقت نفسها من النافذة إثر نوبة عصبية حادة، لكنها نجت من الموت بأعجوبة. وبعد زواجها، وكان ذلك عام 1912، قامت بمحاولة انتحار فاشلة أخرى. وعلق أخوها جيرالد الذي اغتصبها عندما كانت في سن السادسة قائلا: إن الرواية التي بصدد كتابتها هى التي حطمتها. فقد أكملتها، وشرعت في اصلاح المخطوط .. ولم يكن باستطاعتها أن تنام. وكانت تظن أن الجميع سوف يسخرون منها.
بعد اندلاع الحرب الكونية الأولى، تحسنت حالة فرجينيا وولف النفسية، فأخذت تكتب بشكل منتظم، مسجلة في يومياتها التي بدأت في كتابتها في سن الخامسة عشرة، وظلت مواظبة على ذلك حتى الأيام الأخيرة من حياتها، انطباعاتها ومشاعرها، وأفكارها وآراءها بشأن الناس الذين كانت على صلة بهم. والكتب التي كانت تقرأها. لكن في أواخر شهر فبراير/ شباط 1915، وقبيل صدور روايتها The voyage out ساءت حالتها النفسية مجددا، فأخذت تهذي، وتطلق كلاما لا معنى له. في النهاية أغمى عليها. وظلت على هذه الحالة أياما عديدة. ولم تعد إلى حالتها الطبيعية إلا عندما أصدرت صحيفة لاويسرفر مقالا نوهت فيه بـالموهبة الأدبية العالية التي أظهرتها في روايتها المذكورة آنفا والتي صدرت في صيف عام 1915.
ابتداء من عام 1916، وعلى مدى ثلاثة أعوام، دأبت فرجينيا وولف على إلقاء محاضرات في بيتها، مخصصة لنساء العمال. وفي محاضراتها هذه تطرقت إلى مواضيع مختلفة ومتنوعة تتصل بالتربية الجنسية، وبالعلاقات الزوجية، وبدور المرأة في المجتمع. وقد أثارت محاضرتها عن مرض السفلس جدلا واسعا في الأوساط السياسية في بريطانيا.
وقبل أن تضع الحرب أوزارها، أنشأت فرجينيا وولف بالاشتراك مع زوجها الذي كان يحيطها برعاية كبيرة، دارا للنشر، وأصدرت أعمالا لكل من كاترين مانسيفيلد التي كانت قد التقتها عام 1917، والكاتب الروسى مكسيم غوركى والشاعر الالماني راينار ماريا ريلكه. كما نشرت مجموعة شعرية لاليوت الذي كان لا يزال آنذاك شاعرا شابا، وشبه مجهول في الأوساط الأدبية. غير أنها رفضت نشر رائعة جيمس جويس اوليسيس. وفي رسالة بتاريخ 23 ابريل/نيسان 1918، وفيها تستعرض الأسباب التي دفعتها إلى رفض الرواية المذكورة، كتبت فرجينيا وولف تقول: لقد طلب منا نشر الرواية الجديدة للسيد جويس.
والحقيقة أن كل الناشرين في لندن، وأيضا في الأقاليم رفضوا نشرها. هناك كلب يتبول، وهناك رجل يتيه في المدينة على غير هدى. والشيء الذي يمكن ملاحظته هو أن هناك رتابة. ثم اني أعتقد أن طريقته التي جاءت متقنة للغاية لا تقودنا في نهاية المطاف إلا إلى حذف التفاسير، واضافة أفكار بين معقفين. لذلك أنا أعتقد أننا لن نقوم بنشرها.
والحقيقة أن فرجينيا وولف لم تكن قاسية فقط مع جيمس جويس الذي كان بالتأكيد يفوقها موهبة، بل مع آخرين من كبار كتاب عصرها، وكانت تنقدهم بنوع من الحدة التي تشى بغيرتها منهم. فقد كانت تعتبر البعض من روايات جوزف كونراد. البولونى الأصل، الانجليزى اللغة، ميلودرامات سخيفة. وكانت تقول بأنه يكتب بلغة انجليزية ركيكة. بل إنها اتهمته ذات مرة في مذكراتها بأنه متزوج من امرأة بليدة وثقيلة الدم.
وفي العديد من المقالات التي نشرتها في الصحف البريطانية، هاجمت فرجينا وولف د.هـ. لورانس، واعتبر رواياته سطحية، وخالية من اي جديد.
ورغم أنها لم تقرأ روايته الشهيرة عشيق الليدى شاترلي، فإنها سخرت منها، واضعة إياها ضمن الروايات المملة التي سرعان ما ينصرف عنها القارئ وهو غير آسف لكثرة ما فيها من تكرار. وعندما توفي د.هـ.لورانس عام 1930، لم يصدر عنها اي تعليق.
مع نهاية الحرب الكونية الأولى، وتحديدا عام 1918، أصبحت النساء البريطانيات يتمتعن بحق التصويت غير أن فرجينيا وولف لم تتلق ذلك بكثير من الارتياح. وقد يعود ذلك إلى بعض المتاعب النفسية التي كانت تعاني منها في تلك الفترة. ففي مذكراتها بتاريخ 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 1918، كتبت تقول: اني مثقلة النفس بالكثير من الأشياء التي تركتها تمر من دون أن أكتب عنها حرفا واحدا. لقد سقط السلام مثل حجر في مستنقعى الشخصي، والاضطرابات لم تنقطع عن الانتشار باتجاه الضفة الأخرى...
وفي عام 1919، وبعد أن أصدرت رواية حملت عنوان الليل والنهار شرعت فرجينيا وولف في كتابة رواية جديدة تحت عنوان غرفة جاكوب وفيها تصور حياة شاب من خلال مغامراته، وعلاقاته، وقصص الغرام التي كان يعيشها. وأثناء كتابتها لهذه الرواية التي سوف تكون علامة بارزة في مسيرتها الأدبية، اصطدمت فرجينيا وولف بكثير من العراقيل. وبين وقت وآخر كانت تنتابها حالات من الاحباط والعجز.
وفي مذكراتها بتاريخ 8 ابريل/ نيسان 1921، كتبت تقول: إننى بصدد كتابة غرفة جاكوب لكن ليس باسطاعتى أن أتقدم .. والحقيقة أننى كاتبة فاشلة، وأنا عجوز تجاوزتها الأحداث، ومحدودة وعاجزة عن اي تطور.
أثناء كتابتها لـغرفة جاكوب ارتبطت فرجينيا وولف بعلاقة حميمة بسيدة تدعى فيتا ساكافيل – واست كانت مثلها تميل إلى النساء. ومن المؤكد أن هذه العلاقة أكدت لها مرة أخرى، مثلما كان الحال مع نساء أخريات أن عالم المرأة عالم مغر وجذاب. لذلك كتبت في مذكراتها تقول: أمس شربت الشاي مع ماري، وكنت أشاهد القاطرات ذوات الضوء الأحمر وأستمع إلى وشوشات النهر. وكانت مارى باللباس الأسود، بعقد من ورق اللوتس إذا ما كان باستطاعتى أن أكون صديقة للنساء، فيا لها من متعة فالعلاقات معهن جد سرية، وجد حميمة مقارنة بالعلاقات مع الرجال. لماذا لا اكتب عن هذا بكامل الصراحة.
وفي عام 1924، أصدرت فرجينيا وولف رواية جديدة حملت عنوان Mrs Dalloway وفيها ترسم حياة امرأة بنفس الاسم في يوم واحد. والشيء الواضح في هذه الرواية ان صاحبتها قامت بتقليد جيمس جويس الذي كان رسم حياة مدينة دبلن من خلال بعض الشخوص في يوم واحد هو يوم الخميس 16 يونيو/ حزيران 1904.
وقد حققت هذه الرواية لفرجينيا وولف شهرة لم تحققها لها اي واحدة من رواياتها السابقة. وقد دفعها هذا النجاح الذي كانت تنتظره منذ فترة طويلة إلى الشروع في كتابة رواية جديدة بعنوان: المنارة وفيها كانت ترغب في أن يسمع صوت البحر من البداية إلى النهاية، وأن تكون اللغة شاعرية.
وحالما انتهت من كتابة هذه الرواية، انشغلت برواية جديدة أخرى بعنوان اورلاندو. وفي رسالة بعثت بها إلى صديقتها فيتا بتاريخ 27 أكتوبر/ تشرين الأول 1928، كتبت تقول: أمس، صباحا، كنت في حالة من اليأس الشديد، إذ لم يكن باستطاعتى أن أستأصل كلمة واحدة من جوارحي. وفي النهاية تركت رأسى يسقط بين يدي، وغمست قلمى في المحبرة، وبطريقة تكاد تكون آلية، كتبت على الورقة البيضاء هذه الكلمات: اورلاندو، سيرة… وحالما انتهيت من ذلك غمرنى الفرح، وامتلأ رأسى بالأفكار..
وعن رواية اورلاندو كتب خورخى لويس بورخيس يقول: يبرز في هذه الرواية – يقصد اورلاندو – الانشغال بالزمن. وأعتقد أنها الرواية الأكثر تميزا بين كل الروايات التي كتبتها فرجينيا وولف، واشدها غرابة ويأسا، وبطلتها تعيش 300 سنة، وتصبح في بعض الأحيان رمز انجلترا، وشعرها بالخصوص. وفي هذه الرواية المدهشة تمتزج المرارة بالفرح والسحر.
وهى أيضا رواية موسيقية بفضل الفضائل التناغمية للنثر الذي كتبت به، وأيضا بفضل تركيبتها وبنائها المكون من ثمات تتكرر وتتلاحم. وخلال العشرينات من القرن الماضي، تحمّست فرجينيا وولف لنادى Memoir club الذي كان يرتاده المشاهير من الكتاب والفنانين وعلماء الاقتصاد. من هؤلاء نذكر لايتون ستراشاي الذي كان مهتما بالايديولوجيات السياسية والفكرية التي برزت خلال الحقبة الفيكتورية، وساكسون سيدنى – تورنر الذي كان موسيقيا، وهـ.ت.ج نورتون المتخصص في المسائل الابستيمولوجية، وعالم الاقتصاد الشهير جون ماينارد كينس.
وجميع هؤلاء كانوا ينتقدون العصر الفيكتورى بكثير من العنف والحدة. وقد أسسوا النادى المذكور بهدف العمل على تغيير ملامح المجتمع البريطاني كما أنهم كانوا من أنصار التحرر الجنسى والفكري. ولم تكن نقاشاتهم تقتصر على المسائل والقضايا السياسية والايديولوجية والفكرية والأخلاقية والاجتماعية، بل كانت تتعداها لتشمل قضايا فنية واستيتيقية حول المسرح والأدب والموسيقى.
منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، واجهت فرجينيا وولف أزمات نفسية حادة، ومن جديد بدأت تشكك في قدراتها الفنية. وفي 16 كانون الثاني 1936 كتبت في مذكراتها تقول: نادرا ما أحسست بأنني تعيسة بشكل فظيع مثلما هو الحال أمس مساء، وتحديدا في الساعة السادسة وأنا أعيد قراءة الجزء الأخير من روايتى الجديدة. فقد وجدت نفسى أمام ثرثرة فارغة، وهذيان لا معنى له، وهذا دليل على عجزى الذي بات حقيقة لا يمكن أن تقبل الدحض.
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، ازدادت أوضاع فرجينيا وولف النفسية سوءا. وفي مذكراتها بتاريخ 9 كانون الثاني 1941، كتبت تقول: فراغ، كل شيء مجمّد وهامد، جليد ببياض حارق وبأزرق حارق. الدردار أحمر. لا أنوى أن أصف مرة أخرى الهضاب تحت الثلج غير أني أفعل ذلك، بل وليس باستطاعتي أن أصرف نظري عن أرض أشهام البائرة، حمراء، بنفسجية، وبلون رمادى أزرق، لون الترغلة، والصليب الذي ينتصب في مواجهتها بطريقة ميلودرامية … لنقل إن كل شيء جميل في الحياة بالنسبة لامرأة في سني. وفي الناحية الأخرى من الحياة، لن يكون هناك ثلج احمر، ووردي وأزرق.
ورغم فواجع الحرب، والقصف الذي كانت تتعرض له لندن، واصلت فرجينيا وولف كتابة روايتها الأخيرة Between the Acts بطلة هذه الرواية تدعى السيدة لاتروب. وفي الفصل الأخير، هي تظل وحيدة بعد أن ينصرف الجمهور. وتكتب فرجينيا وولف: كان الركح فارغا، استندت السيدة لاتروب إلى شجرة. كانت مشلولة وقوتها فارقتها. ومن جبينها انبثقت حبات عرق، الوهم فشل إنه الموت همست السيدة لاتروب.
وفي 28 مارس/ آذار 1941، وضعت فرجينيا وولف أحجارا في جيب فستانها، ثم ألقت بنفسها في نهر الـOUSE تاركة ثلاث رسائل. الأولى لزوجها، وفيها كتبت تقول: أيها العزيز جدا أنا واثقة من أنني سأجن من جديد. فقد بدأت أسمع أصواتا، ولم يعد بوسعى التركيز. لذا علي أن أفعل الفعلة التي أرى أنها الأفضل. لقد منحتني السعادة المحتملة. وكنت بالنسبة لي كل شيء.
عن: العرب اون لاين



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية