العدد (3178) الاحد 21/09/2014       كلمات الصوفية..الرؤية والمجاز وتجليات الحياة الروحية للتجربة الإشراقية       الساعات والسيدة دالاوي..فيلم وروايتان       العهد الملكي في العراق.. رؤية من داخل البلاط الملكي..ذكريات احمد باقر الحسني       بغداد السبعينات ..أزمنة وأحداث وفصول حياة أُترعت بشخصيات وخطوب       سيكولوجية المراهقة.. البحث عن الاستقلال       المسار الغامض عبر الأسلاف       مسرح ناظم حكمت..ناظم حكمت.. تجربة منفى وروح غير منكسرة       في سيرة جديدة عنه..بوب هوب.. أسرار جديدة لم تنشر!       المكتبة الوطنية الفرنسية.. صرح على ضفة السين    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :12
من الضيوف : 12
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 5216580
عدد الزيارات اليوم : 4870
أكثر عدد زيارات كان : 22276
في تاريخ : 15 /08 /2014
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


عبد الحميد الرشودي.. شخصيات في حياته


رفعة عبد الرزاق محمد
ينتمي الاستاذ عبد الحميد الرشودي الى جيل من الادباء الباحثين العراقيين ،  ظهرت اعمالهم في الخمسينات وما تلاها ، هم جسر بين جيل اعلام اليقظة  الفكرية الذين برزوا في النصف الاول من القرن العشرين ، والاجيال التالية .  ويحاول هذا الجيل ان ان يشابه نفسه بما اتسم به جيل الرواد من موسوعية  الثقافة ،


 ولعل الرشودي يمثل هذا المنحى تمثيلا صادقا . ولا غرو فان النصف الثاني من القرن المنصرم شهد انحسارتلك الموسوعية التي كانت سمة القمم الشامخة من اعلامنا الرواد .
    ويمكن ان يكون السبب في هذا الانحسار الى تقهقر الحياة السياسية العامة وغياب مقومات ظهور الابداع ونضوجه ، والامر ينطبق على كل المشهد الثقافي باشكاله وفنونه ، فهل نتخيل ظهور الزهاوي والرصافي والشبيبي والجواهري والوردي وسواهم من الاعلام في العهود التالية للخمسينات ؟!
    ولا اعرف سببا في تذكري ماقاله احدهم في الكاتب البريطاني جورج اوريل :هو واحد من هؤلاء الناس الذين اذا شعرت بانهم يحسنون الظن بك احسنت الظن بنفسك ، كلما ارى او اتذكر الاستاذ عبد الحميد الرشودي . فقد عرفته بانه رجل حييّ بالطف معاني هذه الكلمة ، فهو مسالم  الى ابعد درجات المسالمة ، وهوقادر في الوقت نفسه على رؤية جوانب الضعف الكثيرة لدى الناس ، ولكنه قدرته على الصفح اكبر ..كما انه لايميل الى اصحاب السلطة في كل مراحل حياته ويشيح بوجهه عنهم اذا استطاع ، والشواهد على ذلك بينة واظهرها الفترة التي تولى بها اثنان من ابناء خالته رئاسة الجمهورية .
    ولا يستطيع الرشودي ان يسكت عن اوهام المؤلفين وعثرات المحققين ، لكنه يكتب النقد استدراكا وتصحيحا وتنبيها  باسلوب بعيد عن الهجوم المباشر. ولم اره شديدا الا في نقده لكتاب امين المميز الاخير ( بغداد كما عرفتها ) ، والحق ان كتاب المميز في الفصول عن بغداد القديمة مليء بالاوهام والاختلاقات غير المبررة . ولا اعرف من اين جاءته هذه الوداعة ، فالشخصيات الي تاثر بها وصحبها معروفة بقسوتها على مخالفيها ، اما والده فلا اعرف شيئا عن سجاياه الخاصة ومقدار تاثر الاستاذ عبد الحميد بها .
   والرشودي رجل معتدل بكل معاني الكلمة في احكامه الشخصية او العامة ، ولم يخضع عواطفه في كل ما كتب من نقود الا للمنطق والحقيقة التاريخية واللغوية . وهو في كل ذلك يقظا في عدم المبالغة في تقدير نفسه . ربما قال البعض ان اعتداله بسبب ملكته الادبية ، والادب يروض النفس ، او بسبب دراسته للحقوق ، غير ان ما الفناه في مجتمعنا المتناقض في كل شيء ، يرجح ان اعتداله صفة ولدت معه اوانها من نتائج تربيته الاولى . ويبدو ان اعتداله بينا في الناحية الايمانية من حياته، فالرجل مؤمن بصدق بقيم السماء وتعاليمها ، ولكنه في الوقت نفسه – وهذا منتهى الاعتدال كما ارى – شديد الوطاة في حديثه على انتشار الخرافات والجهل والشعوذة باسم الدين . وكثيرا ماسخر من المتظاهرين بالورع والزهد والتقوى وهم اشد الناس جشعا وظلما وجهلا ! . لم يمنعه ايمانه العميق من الاهتمام بالموسيقى الشرقية ومعرفته اصول المقام العراقي ، ويمتلك ذاكرة وقادة بتاريخ الفن العربي واعلامه . ومن الطريف ما ذكره لي انه زار القاهرة وكان همه لقاء الاسماء اللامعة من الممثلين المصريين .
   هذه مقدمة اجدها مهمة لمعرفة الرشودي ، غير ان المهم من هذا معرفة الاشخاص الذين تاثر بهم وتركوا في مسيرته الاثر الاكبر والاوضح ، وهذا ما احاول استجلائه في السطور التالية.
   واول هؤلاء الرجال واكثرهم تاثيرا  ، عبد الله الرشودي والد صاحبنا ، وعلى الرغم من عمله البعيد عن الكتاب واهله ، اذ كان يتعاطى بيع الحبوب في اسواق الكرخ ( علاوي الشيخ صندل ) ، فقد كان احد طلبة العلم مما كان يسمى بعلوم الجادة ، ولاحق علماء بغداد الكبار في السنين الاولى من القرن المنصرم ينهل منهم  امثال الشيخ عبد الله السلام والشيخ عباس حلمي القصاب في جامع الشيخ صندل ، كما حضر جانبا من درس الشيخ عبد الجليل الجميل في جامع الاصفية. وكان يمتلك مكتبة عامرة بامهات الكتب العربية الشهيرة ، كان اهل بيته يسمونها الكتبخانة . وذهب مرة الى القاهرة وحضر بعض الدروس في الجامع الازهر كمستمع . فتح عبد الحميد الرشودي عينيه على هذه المكتبة ، وكثيرا ما كان يكتشف يوما بعد يوم ان مايتلقاه في المدرسة وقبلها الكتاتيب اقل من القليل عما كانت تلك المكتبة تحتجنه .
     ويبدو ان اباه عرف شغف ابنه بالمعرفة ، فكان يستدرك على مايتلقاه ابنه من علوم العربية . سأل ابنه ذات يوم عن موضوعات النحو التي يدرسها في المدرسة ، فاجابه : لقد وصلنا الى موضوع الاسماء المبنية فقال له من فوره :
      احفظ هذه الابيات من الفية ابن مالك ، ويذكر عبد الحميد الرشودي انه حفظها تلقينا لا فهما ، وهي :
      والاسم منه معرب ومبني     
لشبه من الحروف مدني
     كالشبه الوضعي في اسمي جئتنا
والمعنوي في متى وفي هنا
    ويضيف الرشودي: وعلى الرغم من مضي اكثر من ستين حولا على ذلك فما تزال منقوشة في ذاكرتي الى يومنا هذا . وان هذه المحفوظات وان لم اجد فيها نفعا في حينها الا انها وبعد ان تقدمت بي السن وارتقيت في سلم الدراسة اخذت تنكشف لي معانيها وتنجلي غوامضها وكانت خير عون لي فيما استقبلت من دروس الحقوق والاداب .
    ينتمي عبد الله الرشودي الى اسرة نجدية نزحت من بريدة في الجزيرة العربية في القرن التاسع عشر ، اذ جاء ابو عبد الله ويدعى محمد الى بغداد وسكن في الجانب الغربي منها ( الكرخ) ، اسوة بالاسر النجدية التي استقرت ببغداد ، والرشودي لقب نسب الى نوع من انواع النخيل في بلاد نجد . وطد محمد علاقته باهل منطقته التي تضم اقدم المحلات الكرخية القديمة ، الست نفيسة والشيخ صندل وجامع عطا ، وتزوج كريمة اسرة
(جُميلية) وانجب منها عبد الله ، وولد اخر ذهب قبل الحرب العالمية الاولى الى الهند وتوفي هناك . ولما بلغ عبد الله السادسة من عمره ، توفي ابوه بعد ان بنى بيتا للاسرة في الكرخ .
      وعندما بلغ عبد الله ما يمكنه من العمل التجاري الذي بدأ به ابوه في بغداد ، انخرط في العمل ولم ينس العلم ، فقد كن يحضر حلقات الدرس ومجالس الادب . غير انه اشتهر بائعا للحبوب وعرف بالاستقامة في عمله ودماثة اخلاقه .
   وقبل ان اتحدث عن الشخصيات المؤثرة الاخرى في الاستاذ الرشودي ، ابين للقارىء الكريم ان الاستاذ عبد الحميد الرشودي ، ولد في محلة الست نفيسة سنة 1929 ، ودرس في كّتّاب ( الملا عبد العبدلي ) في جامع الشيخ صندل الذي لايبعد كثيرا عن بيته . ولما بلغ الثامنة من العمر دخل المدرسة الفيصلية الابتدائية في الكرخ ثم ثانوية الكرخ فثانوية التفيض (1948) . ودخل كلية الحقوق وتخرج فيها عام 1953 . كما دخل دورة تربوية في السنة التالية اهلته لدخول سلك التعليم الذي احبه كثيرا ، كما انه دخل كلية الاداب في الجامعة المستنصرية وتخرج فيها في منتصف الستينات . وعمل موظفا في امانة العاصمة الى عام 1960 ثم ولج السلك التربوي الى تقاعده عن العمل عام 1982 . ومارس مهنة المحاماة لبعض السنين .
    وكان المؤرخ العراقي الكبير عباس العزاوي ، الشخصية الثانية التي تاثر بها عبد الحميد الرشودي في مسيرته الادبية والعلمية . تعرف عليه في المكتبة العصرية في شارع المتنبي لصاحبها محمود حلمي ، وسرعان ما توطدت العلاقة بينهما ، ومما سمعته من الرشودي ان المرحوم الاديب خضر الطائي كان صديقا لعلي غالب العزاوي المحامي شقيق الاستاذ عباس العزاوي . وكان يقوده بعد ان كف بصره ، وعندما قتل اغتيالا عام  1944 ، انتقل خضر الطائي الى العمل مساعدا لعباس العزاوي . وفي عام 1960 ضجر الطائي من هذا العمل ، فطلب من صديقه الرشودي ان يحل محله ، فوافق . كان يذهب بعد انتهاء دوامه الرسمي الى مكتب العزاوي ، وكان في خان الباججي في سوق الخفافين ،ويذكر الرشودي انه كان يطلع على مايأتي الى العزاوي من كتب ومجلات كثيرة فينبه العزاوي على مايهمه . غير ان العزاوي طلب من الرشودي ان يصحح كتبه قبل دفعها الى المطبعة ، بل خوله بتنقيح أي شيء يراه ، وكان العزاوي يردد امامه: ان عندي معلومات كثيرة ولا وقت لدي للتنقيح.
    وقد نوه العزاوي في نهاية بعض كتبه الى مساعدة الرشودي له . ومن كتب العزاوي التي صححها الرشودي الجزء الثاني من تاريخ الادب العربي في العراق وكتاب الكندي وكتاب النخل . وقد حدثني الرشودي كثيرا عن العزاوي واحواله مما لايعرفه احد .
    وكان الاستاذ مصطفى علي ،الاديب والقاضي والوزير ، اكثر الشخصيات تاثيرا في مسيرة الاستاذ الرشودي وابعدها غورا ، فالاثنان متفقان على حب الشاعر الرصافي  ، ومصطفى علي كان راوية الرصافي والمؤتمن على اثاره ، وقد انتقل هذا الامر الى الرشودي ، وكما فعل الرصافي مع مصطفى علي قبيل وفاته ، باعطائه اوراقه الشخصية وكتبه المخطوطة ، كان الامر نفسه مع الرشودي ، فقد قدم الاول اوراقه وكتبه المخطوطة ومنها بعض مخلفات الرصافي الى الاستاذ الرشودي . ولم يتردد الرشودي في نشر تلك المخلفات القيمة ، وكان امينا في كل ما نهد اليه .
   تعرف الرشودي على مصطفى علي اولا من خلال الردود الخطيرة التي كتبها مصطفى على كتاب الدكتور بدوي طبانة عن الرصافي ، وهو اول كتاب يصدر عن شاعر العراق العظيم ، وقد كتب مقدمته الاستاذ محمد رضا الشبيبي ، وقد تضمن الكتاب ومقدمته الكثير مما وجده مصطفى علي جديرا بالتصحيح والاستدراك والتنبيه . وربما تنبه مصطفى الى اسم الرشودي اولا من خلال الكتاب الاول للرشودي ، وهو (ذكرى الرصافي) المطبوع ببغداد عام 1950 . والغريب انهما لم يلتقيا الا عام  1968 ، وقد ادرك مصطفى علي بعد الاصدارات العديدة للرشودي  (من اثار الرصافي اراء ابي العلاء المعري والادب الرفيع والمحفوظات الشعرية) وكتابه الكبير عن الزهاوي انه امام باحث مرموق جدير بان يحمله امانة الحفاظ على تراث اعلام اليقظة الفكرية في العراق الحديث .
   في الايام الاولى من انعقاد الصلة بين الاثنين ، عرض مصطفى علي على الرشودي القسم الاول من شرحه لديوان الرصافي وطلب منه ان يجيل النظر فيه ويبدي ملاحظاته عليه . ويقول الرشودي انه مضى في المراجعة الى اخر قسم من هذا الشرح ، وقد بدأت وزارة الاعلام العراقية بطبع الكتاب عام 1972 واستمر الى سنوات تالية ، حتى ظهر كاملا في خمسة اجزاء . وقد قام الرشودي ايضا بتصحيح تجارب الطبع او الاستدراك عليها ،ذلك لان الاستاذ مصطفى علي لم يعد يقوى على القراءة بعد ان ضعف بصره كثيرا . واستمرت الصلة بينهما الى وفاة مصطفى علي عام 1980 . ووفاءا لتلك الصحبة الادبية الطيبة ، اصدر الاستاذ الرشودي كتابا عن صديقه مصطفى علي عام 1989 ، تضمن سيرته العامة واثاره الكتابية .
   هؤلاء هم الشخصيات الرئيسة في حياة الاستاذ عبد الحميد الرشودي الادبية . غير انه حدثني مرارا عن شخصيات لامعة اخرى ، كانت له صلة وطيدة بها او باثارها ،
  



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية