العدد(4308) الاثنين 12/11/2018       16 تشرين الثاني 1916 (دكة) عاكف بك في الحلة       من اخبار المصارع عباس الديك ونزاله الشهير       النجف في أوائل القرن العشرين في كتابات انكليزية       عندما وصل ناظم باشا الى بغداد سنة 1910       من تاريخ الصراع من اجل الديمقراطية في العراق..معركة السلطة مع اساتذة جامعة بغداد سنة 1956       الجبهة الوطنية ومعركتها مع االسلطة في انتخابات 1954       في ذكرى انتحاره في 13 تشرين الثاني 1929..قصة تمثال السعدون       العدد (4306) الخميس 08/11/2018 (بهيجة الحكيم)       التشكيلية العراقية بهيجة الحكيم    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :31
من الضيوف : 31
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22870617
عدد الزيارات اليوم : 11573
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


من اوراق عبد الحميد الرشودي ..الصافي النجفي يستعيد ذكرياته عن بدايات الثورة العراقية

عبد الحميد الرشودي
 كان من محاسن المصادفات ان يسكن السيد احمد الصافي النجفي عند عودته الى  ارض الوطن دارا تصاقب دار الصديق الاستاذ حسين علي الخلف في حي المتنبي  وكان هذا الصديق. وقد انعقدت بينه وبين الصافي علاقة وثيقة.
يحدثني عن الصافي وطراز معيشته المتسم بالبساطة والزهادة بمتع الحياة  ويوافيني باخباره وقد عرض علي ذات يوم ان اصحبه الى زيارة السيد الصافي  وكنت شديد الرغبة تواقا الى ذلك اللقاء.


وفي ذات يوم من ايام تشرين الثاني 1976 ابلغني الصديق ان احضر عصرا لمقابلة الصافي فلما ازف الموعد اخذنا سمتنا الى داره المرقمة (4) فاستقبلنا على عتبة الباب رجل قروي كان يسكن هو واسرته مع الصافي وقد اوكلت اليه خدمة الصافي فقادنا الى حجرة جرداء فجدتني وجها لوجه امام الصافي وقد افترش ارض الحجرة واسند ظهره الى الجدار وكانت امارات الاعياء بادية عليه وبعد القاء السلام اعتدل في جلسته ورحب بنا وطلب الى الرجل ان ياتينا بكرسيين للجلوس اذ لم يكن في الحجرة اثاث سوى فراشه وبعد احاديث شتى سبق ان نشرت طرفا منها في جريدة (العراق) وطويت بعضا انجز الحديث الى بدايات الثورة العراقية الكبرى في 30 / حزيران 1920 واسباب اندلاعها وعزم على ان ادون ما يقوله ولم اكن متهيئا لذلك فاستعنت ببعض قصاصات من الورق كنت احملها في جيبي فدونت ما استطعت تدوينه ولا ازعم اني استطعت تدوين كل ما قام به الرجل وهذه شذرات مما دونته ومما علق بالذاكرة قال رحمه الله واكرم
مثواه.
عندما اعلن الرئيس الامريكي ولسن شروطه الاربعة عشر للصلح وفيها ان لكل شعب حق تقرير مصيره بنفسه فرايت ان استغل هذا الشرط للمطالبة باستقلاق العراق وكنت في كل يوم اسير على طرف سكة الحديد انا وصديقي سعد صالح الذي كان اصغر مني سنا وعلما فهو اصغر مني بثلاث سنوات ولم تكن علميته واسعة ولكنه كان مليئا بالطموح والجراة فعرضت عليه الفكرة فوافق عليها وبعد يومين كنا نسير قرب المحكمة الانكليزية فالتقينا بشخص بلبس البدلة الرسمية. اسمر اللون بارز الوجنات فقدمني اليه وقدمه الي باسم صالح جبر. وكان كاتبا في المحكمة الانكليزية فعرض عليه الفكرة فايدها.
عدت ليلا الى دارنا وكان يسمر عندنا كل ليلة الشيخ عبد الكريم الجزائري فعرضت الفكرة عليه وعلى اخي السيد محمد رضا فرفضا فبقيت الح عليهما وهما يرفضان وبعد خمسة ايام جاءني اخي السيد محمد رضا وهو بطل شجاع انوف فقال: (لقد ذهبت اليوم لمراجعة حاكم الكوفة العسكري بلفور لقضايا تتعلق ببساتيننا في (الجعارة) فصرخ في وجهي وخرجت حانقا متذمرا).
فاستغليت ذلك باثارة حقده على الانكليز المستعمرين الطغاة ثم جاءني بعد عشرة ايام او اكثر وقال لي : (لقد ذهبت اليوم الى (ابو صخير) لمقابلة القائممقام. وكان من عادة المراجعين ان يطرقوا الباب ثم يدخلون بلا استئذان.
فاراد الانكليز ترويض العراقيين وخضد شوكتهم فاسسوا صالون انتظار فيمكث المراجع وقتا طويلا حتى يؤذن له بالمواجهة. ولم يكونو يعلمون ان صالون الترويض سيكون الحقل الذي تنبت فيه بذرة الثورة العراقية، ثم اردف اخي قائلا فجلست وكان امامي السيد علوان الياسري الذي صار فيما بعد من اكبر زعماء الثورة فاخذ كل واحد منا ينظر الى الاخر وتفاهمنا بالنظر ثم اشار الى بالخروج فخرجت من الصالون واخذنا نتجول عند احدى السواقي فقال لي السيد علوان الياسري الى متى تبقى هذه الحالة؟ فقلت له انا حاضر. فقال انا مستعد ان اهيئ العشائر للثورة ولكنهم – كما تعلم – لا يتحركون الا بفتوى دينية. وعلماء الدين عندنا لا يفهمون بالسياسة فتريد ان تكون واسطة بيننا وبينهم فتفهمهم معنى السياسة فقلت له ما رايك بالشيخ عبد الكريم الجزائري فقال: عال، فوعدته خيرا.
قال لي اخي السيد محمد رضا انت تعرف رأي الشيخ عبد الكريم الجزائري وموقفه من هذه الفكرة فقلت له سيحضر الليلة عندنا ويعيننا الله عليه فلما حضر الشيخ كعادته عرض عليه اخي الفكرة وقد قوي املي لاننا اصبحنا شخصين ازاء شخص واحد.
فلما عرضنا عليه الفكرة امسك الشيخ الجزائري بفنجان القهوة وقال: هل تستطيع ان تفرغ قربة ماء بهذا الفنجان؟ فقلنا لا فقال الشيخ فهذا حال العرب اليوم لا تسمح ظروفهم بمثل هذا العمل فبقينا نتابع مناقشته الموضوع في كل ليلة ونعيد ونبدي وبعد مرور نصف شهر تقريبا راني الشيخ عبد الكريم الجزائري تحت سابات الملا محمود فقال لي تعال يا احمد تعال لقد كنت في كربلاء واجتمعت بالشيخ محمد تقي فابدى استعداده للتعاون معنا فاريد ان تجمعني مع الشيخ محمد رضا الشبيبي فطلبت الى الجزائري ان يسبقني الى دارنا وذهبت من فوري الى الشيخ الشبيبي، وكنت موضع ثقته، وحين افضيت اليه بالحديث وعرضت عليه الفكرة قال: انه لا يثق بالشيخ عبد الكريم الجزائري واضرابه لانهم في رأيه. رجعيون خرافيون فالححت عليه فستجاب لالحاحي وصحبني الى دارنا فجلس معهم وافردوني في حجرة تقابل حجرة الاجتماع ولم يشكروني معهم في الحديث لعدم اطمئنانهم مني لانني كنت يومئذ شابا. وبعد ان امضور ثلاث ساعات اقبل الشيخ الشبيبي علي وقال لي: ابشرك، وكان قابضا يده، ابشرك بانها حنطة لاشعير فقد تقرر ان اركب جملا واحمل وثائق من زعماء العراق الى الشريف حسين وهنا امسك السيد الصافي عن الحديث وقال ثم كان ما كان مما تعرفونه ويعرفه الجميع.
* ومما يلفت النظر ان الصافي كان كثير الاستظهار لشعره معتزا به وكان كلما يعرض في النقاش بيتا لشاعر ما يقول لقد قلت مثل هذا وانا امقت التقاليد وشعري من وحي الطبيعة لا تكلف فيه ولا اعتسار وقد استطعت ان ادن طرفا من تلك الابيات التي استشهد بها قال:

الله استاذي الاعلى يدرسني
لذاك يدرس عندي كان استاذ

* والصافي صوفي بالفطرة وقد اعرب عن مذهبه بقوله:
تصوفي ليس عن علم ولا طرق
تصوفي رؤية لله لا علم

وهذا حق وصدق فليس التصوف في
لبس الصوف وانتعال المخصوف ونقر
الدفوف انما هو سمو روحي كما عبر
عنه الشيخ معروف الكرخي الاخذ
بالحقائق وترك ما في ايدي الخلائق.
وقال الصوفي:
يوحد نفسك بالكائنات
من النفس اتار فكرر غرر
هي النفس اوجدت الكائنات
ففيها من النفس كل الاثر
وفي كل صنع من النفس جزء
سواء افيه اختفى ام ظهر

وقال:
كل يوم ازيح عني ثوبا
باليا من عقائد الاحقاب
املا ان اعري النفس حقا
من لباس يشينها وحجاب
فتراني ما عشت انزع اثوا
با كاني كونت من اثواب
صرت اخشى ان انض كل ثيابي
لم اصادف روحا وراء الثياب
فكاني القشور كون منها
بصل مابه سوى الجلباب
ياعودة للدار ما اقساها
اسمع بغداد ولا اراها

وقال:
الى الحق ادعو لا لنفسي ان اكن
نظمت قريضي او شرحت خواطري
وما انبقي من درس شعري دعاية
ولكن (عوينات) لعمش النواظر
واني رايت الحق والفن واحدا
ولكن فن الحق ليس بظاهر
وما الفن الا الحق يبدو لناظر
ضعيف الرؤى . والحق فن البصائر
رحم الله الصافي فما كان احلى حديثه واشهى



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية