العدد (4492) الخميس 22/08/2019 (كامل شياع)       كامل شياع: هاجس الهوية ومصباح ديوجين       حقيقة مكتومة بأختام حمر       رصاص ممنهج بلا عقاب       البناؤون .. (الى كامل شياع)       احــلام كــامــل شـــياع       خواطر حرب على حرب       إرادة الذاكرة: اليوتوبيا معياراً ثقافياً       من قتل كامل..؟؟       كما رآهما كامل شياع    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :34
من الضيوف : 34
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 26892780
عدد الزيارات اليوم : 10152
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


مقاهي بغداد القديمة

ليس من السهل الإلمام بالدور  الذي نهضت به المقاهي في الحياة الأدبية والفنية والسياسية للمجتمع  العراقي، منذ ان ظهرت أول مرة في عهد الولاة العثمانيين ضمن سياق عفوي  ووظيفة لا تكاد تتعدى اللهو والمتعة وقراءة الصحف، حتى خروجها الى وظائفها  الأدبية والفنية والسياسية،


 بدءاً من تباشير النهضة الفكرية والأدبية والأخذ بأسباب التحضر في العقدين الأول والثاني من القرن العشرين.ولا شك في ان الوظيفة السياسية المتمثلة في مقارعة الاستعمار البريطاني والتصدي لمخططاته كانت الوظيفة الأبرز للمقاهي، بوصفها منتدى تجمع المثقفين من شعراء وأدباء وفنانين وسياسيين، جنباً الى جنب مع ما كان يؤديه الخطباء من دور في إثارة حماس الناس في المساجد والجوامع في السر والعلانية، فضلاً عن دور المجالس الأدبية. ويبقى لشارع الرشيد الذي افتتح في عهد الوالي العثماني خليل باشا عام 1916 حصة الأسد من هذه المقاهي الأدبية الشهيرة، إذ قامت على جانبيه كل من مقاهي: الشابندر والزهاوي حسن عجمي والبرلمان والبلدية والمقهى الفني أم كلثوم.

الدور السياسي (الوطني) للمقاهي
استمرت المقاومة الوطنية للعراقيين وتظاهراتهم ضد الهيمنة البريطانية والحكومات المرتبطة بالاستعمار الأجنبي طوال عقود العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات حتى قيام الثورة الوطنية عام 9581.
وكان شارع الرشيد ومقاهي منطقة (الحيدر خانة) تحديداً، البؤرة التي تنطلق منها تجمعات المثقفين والسياسيين وتظاهراتهم المعارضة للعثمانيين والاستعمار البريطاني.
ولعل من أبرز الشخصيات الثقافية التي غذت الحماس الوطني وألهبته مع بدء ثورة العشرين في 30/حزيران 1920 الشاعر والخطيب المعروف محمد مهدي البصير.
وفي الثلاثينات شهد شارع الحيدر خانة نفسه ومقهى عارف آغا عدداً من الاحتفالات التي كان يحييها الشاعر معروف الرصافي، لتتحول الى تظاهرات تخرج من المقهى لتنضم الى الحشود، يشترك فيها عدد من أبرز الوجوه الوطنية والثقافية في العراق.
وشبيه بهذه الاحتفالات ما كان يقوم به شاعر العراق محمد مهدي الجواهري وهو خارج من مقهى حسن عجمي او مقهى البرلمان، ليلقي قصائده العصماء التي تجر وراءها مظاهرات تبدأ ولا تنتهي على حد تعبير وارد بدر السالم.
إن هذه المقاهي هي نفسها التي شهدت انطلاقة التظاهرة الكبيرة منها عام ،1948 لتسقط حكومة صالح جبر، ملغية المعاهدة البغيضة المعروفة بمعاهدة جبر بيفن المبرمة بين العراق وبريطانيا.
دور ثقافي جديد
كانت المقاهي العراقية إذاً ملتقى المثقفين، فعلى تخوتها تبادل هؤلاء وجهات النظر بشأن الأعمال الأدبية والفنية وخططوا لمشاريع إبداعية وجماعات فنية.
ومن بين جدرانها خرجت المحاولات الأولى لتطوير القصيدة العربية والبيانات الشعرية والجماعات التشكيلية ومعارض الرسم، لتحتضن الارهاصات الأولى للتحول النوعي في الأدب والفن والمنجزات الريادية التي أبرزت الأسماء التي عرفت بعطائها في فضاء الثقافة العربية.
وقد كان من الطبيعي ان يدعم الجدل الثقافي الخلاق في فضاء المقاهي الحركة الثقافية والفكرية العراقية، في ظل غياب المؤسسات الثقافية والاتحادات الأدبية وأن يترك أصداءه الواضحة فيها، بل يقف وراء قيادتها وتحديد مساراتها.
وسنحاول فيما يأتي استعراض الأدوار الأدبية والثقافية لأبرز المقاهي الأدبية في بغداد، بشيء من الايجاز.
مقهى الزهاوي
يقع هذا المقهى في شارع الرشيد على رأس جسر الشهداء الذي يربط بين جانبي بغداد الكرخ والرصافة.
كان مقهى الزهاوي ملتقى لنخبة ثقافية من وجوه المجتمع وأدبائه، منهم الشاعر والفيلسوف المعروف جميل صدقي الزهاوي والشاعر معروف الرصافي وشاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري وعالم الاجتماع الشهير علي الوردي.
شهد هذا المقهى سلسلة المقالات التي كتبها الزهاوي في نقد شعر عباس محمود العقاد وتناقلتها الصحافة العراقية والمصرية تحت عنوان المعارك الأدبية في الثلاثينيات، كما شهد المقهى حلقات السجال والمناقشة الطريفة التي انعقدت بين الشاعرين الزهاوي والرصافي وشغلت الناس بأجوائها، وانقسم جمهور المقهى حول الشاعرين، يتحمس كل منهما لشاعر من دون الآخر.
لكن الرصافي لم يلبث ان ترك هذا المقهى، منتقلاً الى مقهى عارف آغا الذي صار مقراً جديداً له، هو ومريديه الذين أحاطوا به، ولم يبق الأمر على هذا النحو، إذ جرت بعد سنوات مصالحة بين الشاعرين بحضور أعداد غفيرة من الأدباء والمثقفين والسياسيين.
وثمة من ذهب الى ان بدء الحياة الأدبية للسياب ونشره قصائده أول مرة في جريدة الاتحاد كان منطلقه من مقهى الزهاوي.
مقهى حسن عجمي
يعد مقهى حسن عجمي من أكثر المقاهي شهرة وعراقة، فقد حافظ على حضوره واستمراره عقوداً طويلة، وارتبط بشارع الرشيد الشهير، وتردد عليه معظم الأدباء والمثقفين، فضلاً عن موسري المجتمع ووجهائه. لقد وجد فيه وجوه البلد في الثلاثينيات مكاناً مناسباً، إذ كانت خدماته في غاية التنظيم والجمال، وكانت أرضيته مفروشة بالسجاد الكاشاني كما يروي وارد بدر السالم.
ومن الرواد الذين ارتبط المقهى بهم الشاعر محمد مهدي الجواهري الذي كان يجلس فيه قبيل إلقائه قصائده الوطنية المحرضة، فحين ألقى قصيدته الشهيرة أخي جعفر: أتعلم أم أنت لا تعلم بأن جراح الضحايا فم.
اندفعت الجماهير في سيل عارم مأخوذة بسحر القصيدة وبلاغتها وتأثيرها من جامع الحيدر خانة لتطوف في شارع الرشيد غاضبة منددة بالاحتلال.
وفي الأربعينيات والخمسينيات توافد على هذا المقهى الى جانب الجواهري كمال الجبوري والسياب والبياتي وعبد الأمير الحصيري وسواهم من وجوه الفكر والأدب والإبداع، يتداولون الرأي ويعقدون حوارات في مختلف شؤون الفكر والثقافة.
ولم يتوقف هذا المقهى على استقطاب الأجيال الأدبية التالية كجيل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، تلك الأجيال التي شهدت حراكاً ثقافياً أوسع وتطويراً لآفاق التجربة الإبداعية وتوليداً للاتجاهات والرؤى والمفاهيم الجديدة.
كما شهد المقهى ازدياد زخم حضور المثقفين من هذه الأجيال، إذ كانوا يتوافدون في المراحل الأخيرة عليه في كل جمعة، مناقشين ما ينشر في الصحف والمجلات وما يتلقفونه من إصدارات إبداعية في مصر ولبنان او ما يتخلق بينهم من تجارب ومشروعات.
لم يكن مقهى حسن عجمي محطة عابرة في حياة الأدباء العراقيين، بل كان منتدى مواراً ومسرحاً حقيقياً لذلك الحوار الفاعل والخصب بين المبدعين، فهو المحطة قبل الأخيرة التي وجدوا فيها ملاذهم، قبل ان يهجروه منذ بضع سنوات في موقف جمعي احتجاجي الى مقهى الشابندر، إثر حدث تعرض له أحد الأدباء على يدي صاحب المقهى الفظ.
مقهى الواق واق
يرجع تأسيس هذا المقهى الذي يقع في منطقة الأعظمية، قرب ساحة عنتر، الى عام ،1946 بعد أن أسهم في تمويله عدد من الفنانين، منهم جواد سليم ونزار سليم وآخرون.
ومن الوجوه الثقافية والإبداعية التي ارتبطت بهذا المقهى الشاعر بلند الحيدري والشاعر حسين مردان والقاص والروائي فؤاد التكرلي وشقيقه المترجم نهاد التكرلي والفنان جميل حمودي والقاص عدنان رؤوف وابراهيم اليتيم وأكرم الوتري.
جاء ظهور هذا المقهى عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وبدء تجليات نهضة جديدة تتطلع للمعطيات الثقافية الغربية ممثلة آنذاك في تياراتها الوجودية والدادائية والسريالية والأسماء الإبداعية المثيرة، أمثال: (جون كوكتو) الرسام والمسرحي و(جيمس جويس) في الأدب الروائي، اللذين كانا ظاهرة جديدة في الثقافة العراقية. ولعل من أبرز ما عرف به أدباء هذا المقهى اطلاقهم على أنفسهم تسمية (جماعة الوقت الضائع) وإصدارهم صحيفة باسم (الوقت الضائع) التي عبرت عن رؤيتهم الفنية وشكلت تيارهم الأدبي في المشهد الثقافي العراقي آنذاك.
استطاعت هذه الجماعة إصدار عدد من الأعمال الأدبية في الشعر والقصة، من أبرزها مجموعة خفقة الطين للشاعر بلند الحيدري والمجموعة القصصية الفئران لنزار سليم.
لقد كان مؤملاً لهذه الجماعة ان تحدث تجديداً في الأدب والفن العراقيين وأن تقدم ثقافة جديدة ورؤية مغايرة لولا متابعة سلطات الأمن لهم وإخضاعهم للمراقبة المستمرة لما رأوه فيهم من انتظام في التردد على المقهى وانتقال الى عدد من المقاهي الأخرى في اليوم الواحد، من مقهاهم الى مقهى النعمان ثم الدفاع فالسويسري والبرازيلية فمقاهي الرشيد وشارع أبي نواس، مما خلق نوعاً من الريبة فيهم، انتهى بإغلاق صحيفتهم.

مقهى البرازيلية
إذا كانت المقاهي الأدبية في بغداد اتسمت بطابعها الشعبي، سواء في طريقة تأثيثها وشكل تخوتها ونوع خدماتها او فيما تشهده من ارتفاع أصوات باعة الصحف واللب او صابغي الأحذية، فإن ما يميز هذا المقهى ويجعله متفرداً بين تلك المقاهي هو طابعه الارستقراطي، بدءاً باستبداله القهوة او النسكافيه بالحليب، بما تقدمه المقاهي الأخرى من الشاي، مروراً بالزي الموحد لنُدله ومستوى خدمته وارتفاع أسعار طلباته، وانتهاء بشكل أثاثه ومحتوياته، مما جعله مقهى ذا دلالة طبقية لا تتماشى ومزاج المثقفين والأدباء العراقيين كلهم.
ينقسم مقهى البرازيلية الى قسمين شتوي، ويقع في محلة المربعة من شارع الرشيد، وصيفي في الباب الشرقي.
شهد المقهى المرحلة الذهبية من تاريخه مع جيل الخمسينيات الذي قدم أعماله الإبداعية وكرس أسماء أبرز الرواد في الشعر والقصة والرواية والفن التشكيلي، تلك الأسماء التي سيصبح لها شأنها في الحياة الثقافية العراقية فيما بعد.يذكر ان هذا المقهى كان مسرحاً لبدء مسار الحركة التشكيلية ونهضتها في العراق على أيدي الفنان الكبير جواد سليم وجماعته.ومن أشهر رواد هذا المقهى والمترددين عليه الشاعر العراقي بلند الحيدري وفؤاد التكرلي ونهاد التكرلي وعبد الوهاب البياتي وغائب طعمة فرمان والقاص عبد الملك نوري الى جانب الفنانين جواد سليم وفائق حسن.
مقهى ياسين
يقع مقهى ياسين في شارع أبي نواس، وهو مقهى واسع، يتكون من قسمين: صيفي وشتوي، يفصل بينهما حاجز زجاجي.
شهد المقهى تردد مثقفي الخمسينيات عليه، من شعراء وكتّاب ورسامين، يعقدون مناقشات عن الفن والشعر وشؤونهما، حتى قال عنه الفنان شاكر حسن آل سعيد انه كان مختبراً هائلاً للتنظير في الفن بمنتصف الخمسينيات.
لكن الفاعلية الثقافية لهذا المقهى والحراك الفكري الذي شهدته جنباته، تجليا أكثر ما تجليا مع بروز جيل الستينات وظهور نتاجاته وتركه بصماته على المشهد الثقافي العراقي.
ففي هذا المقهى تبلورت مثلاً فكرة اصدار المجلة الشعرية (شعر 69) ونوقشت تفاصيل إصدارها وتنفيذها كما يروي الشاعر سامي مهدي، وفيه أيضاً ولد البيان الشعري الشهير لهذا الجيل، الذي كتبه الشاعر فاضل العزاوي ووقع عليه كل من سامي مهدي وخالد علي مصطفى وفوزي كريم، وتداولوا بخصوص الأصداء التي يمكن ان يخلفها صدور البيان وكيفية الرد على منتقديه.
مقهى البلدية
يقع هذا المقهى في باب المعظم، مقابل وزارة الدفاع ببغداد، إذ شكل في حينها مركزاً من مراكز استقطاب الوجوه الأدبية والثقافية، الخمسينية والستينية، أمثال: الشاعر بدر شاكر السياب وبلند الحيدري وعبد الرزاق عبد الواحد والحصيري وخالد يوسف وسامي مهدي وحميد سعيد وجماعة كركوك وغيرهم، ما جعله مظهراً من مظاهر خصوبة حركة الأدب وضرورة من الضرورات الثقافية، فقد شهد هذا المقهى ولاسيما في مرحلة الستينيات وفود أدباء المحافظات الى بغداد للدرس والإقامة، ومناقشات في الشعر ومشكلاته وقضاياه، والتجديد وملابساته وما ينشر من نتاج في الكتب والصحف والمجلات، الى جانب كون المقهى مكاناً لخروج الأفكار والاتجاهات الجديدة، وتسلم المحررين موادهم واشتغالهم عليها أحياناً كما يروي الشاعر سامي مهدي.ويذكر ان الشاعر عبد الأمير الحصيري كان المركز الذي تلتئم حوله أغلب جلسات المقهى مع أصفيائه وزملائه الستينيين.
مقهى البرلمان
يمثل هذا المقهى واحداً من مقاهي شارع الرشيد، إذ يقع قبالة جامع الحيدرخانة، وهو المقهى الذي كان الجواهري يتخذه مكاناً للجلوس، وللخروج منه لإلقاء قصائده الحماسية.
ويعد مقهى البرلمان المقهى الذي شهد تبلور الشخصية الأدبية لجيل الستينيات، الذي شهد حركة دائبة من الأدباء الذين توافدوا عليه من بغداد ومحافظات القطر، لتبادل النتاج وإيصاله الى الصحف، ولمناقشة هموم الجيل والظواهر الثقافية والحراك الخصب آنذاك.
ثمة أمران تميز بهما هذا المقهى، أولهما: اتخاذه تقليداً اسبوعياً لالتئام الأدباء والفنانين فيه في عطلة الجمعة من كل اسبوع، ولإسهام جيل السبعينيات فيه وحضور صوته الذي بدأ بمنازعة أدباء الستينيات وتجلي مناظراتهم فيه.لكن هذا المقهى ما لبث ان استقطب أجيالاً أدبية أخرى دخلته وكان لها هامش اجتهاد إبداعي كجيل الثمانينات والتسعينيات.
ولعل من أبرز أدباء هذه المجموعة الشاعر عبد الرحمن طهمازي وشريف الربيعي وأنور الغساني وقتيبة عبد الله والرسام ابراهيم زاير.
 مقهى الشابندر
يرجع تأسيس هذا المقهى الى عام ،1917 فقد استقبل منذ العشرينيات والثلاثينيات الصحافيين والأدباء والمحامين والباحثين ووجوه المجتمع، ومن رواده حسين جميل وزير العدلية في العهد الملكي والباحث والمحامي المعروف عباس العزاوي.
وفي فترة السنوات الثلاث الأخيرة احتضن المقهى جمهور المثقفين من أدباء وفنانين وصحافيين من مختلف الأجيال، بعد ان هجروا مقهى حسن عجمي، هجرة احتجاجية جماعية، وصار ملتقى لتجمعهم في يوم الجمعة من كل اسبوع، ومسرحاً لمناقشاتهم وحواراتهم المتصلة، لينطلقوا منه فيما بعد الى سوق بيع الكتب سوق السراي حيث يقع المقهى.
مقهى الرشيد
شهد هذا المقهى تردد عدد من الشعراء والكتاب عليه، إذ تردد عليه الشاعر بدر شاكر السياب والشاعر والناقد رشيد ياسين وأكرم الوتري وحسين مردان



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية