العدد(4308) الاثنين 12/11/2018       16 تشرين الثاني 1916 (دكة) عاكف بك في الحلة       من اخبار المصارع عباس الديك ونزاله الشهير       النجف في أوائل القرن العشرين في كتابات انكليزية       عندما وصل ناظم باشا الى بغداد سنة 1910       من تاريخ الصراع من اجل الديمقراطية في العراق..معركة السلطة مع اساتذة جامعة بغداد سنة 1956       الجبهة الوطنية ومعركتها مع االسلطة في انتخابات 1954       في ذكرى انتحاره في 13 تشرين الثاني 1929..قصة تمثال السعدون       العدد (4306) الخميس 08/11/2018 (بهيجة الحكيم)       التشكيلية العراقية بهيجة الحكيم    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :33
من الضيوف : 33
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22870588
عدد الزيارات اليوم : 11544
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


البصرة مدينة الشناشيل

رؤوف محمد الانصاري
البصرة واحدة من اقدم المدن الاسلامية واشهرها  واول مدينة  عربية اسلامية اسسها المسلمون منذ بداية الفتح الاسلامي اختطها عتبة بن غزوان في العام 4 هـ (636م) وبناها ابو موسى الاشعري لتغدو احدى  اجمل المدن العراقية. تبعد عن جنوب العاصمة بغداد 540 كيلو متراً وتعدّ منفذ العراق الوحيد  الى العالم الخارجي بحراً عن طريق  مينائي ام قصر  والفاو.


  في حقب زمنية من تاريخ العراق  والعالم الاسلامي تحولت البصرة الى مركز حضاري مهم  وشهدت حركة ثقافية وعلمية وعمرانية وانتشرت في ارجائها  مختلف صنوف فنون العمارة الاسلامية  ومنها نجارة الخشب وزخرفته وصناعة الزجاج واظهر النجارون البصريون  تفوقاً  في الدقة والمهارة في اعمال الزخارف الخشبية والنوافذ خصوصاً في الالواح الخشبية والمشبكات التي ظهرت بخصائص متميزة في صناعة الشناشيل التي تعد من الفنون الاسلامي الرائعة والتي اشتهرت بها المدينة في تزيين واجهات بيوتاتها وعمارتها التقليدية .
وتعد الشناشيل من المعالم البارزة  في البصرة  الى جانب معالم اخرى تميزت بها كعمارتها الدينية وكثافة نخيلها وشط  العرب الذي يمر فيها والانهار التي تتفرع منه. والشناشيل هي الشرفات الخشبية المزخرفة المعلقة والمصطفة على  الطريق العام مؤلفة حركة انسيابية تتناغم  مع نخيل البصرة الممتد الى يسار  شط العرب ويمينه مكونة  قناديل زينت بها هذه المدينة ومنحتها طابعاً  سحرياً قل ان نجد مثيلاً لها في اي مدينة  اخرى ولطالما  تحدث عنها  الادباء والشعراء  ومنهم الشاعر الكبير بدر شار السياب في قصديته  الرائعة “ شناشيل ابنة الجلبي”.
وجاء في فرهنك جديد (المعجم الجديد) لفريدون كار فارسي -فارسي ان الشناشيل كلمة فارسية مركبة من “شاه نشي” بمعنى محل جلوس الشاه. ويذكر اللغوي والمؤرخ  العراقي الدكتور مصطفى جواد في  مجلة سومر (المجلد 24 ، صفحة 244) : ان الشناشيل يطلق عليها ايضاً  الاجنحة والرواشين ومفردها روشن وهي لفظة فارسية ايضاًَ  ومعناها  الضوء. وتعني الروشن كذلك: الرف  والكوة لكنها لاتؤدي المعنى  المراد هنا.
والراجح ان الروشن قد استخدم منذ العصور الاسلامية الاولى في  مدينة البصرة وقد  ورد في نهج البلاغة بشرح الامام عبده الجزء  الثاني ( صفحة 9) من كلام للامام علي بن ابي طالب ( كرم الله وجهه) في ما يخبر به من الملاحم في البصرة قوله:” ويل لسكككم (ازقتكم)  العامرة والدور المزخرفة التي لها اجنحة كاجنحة النسور وخراطيم كخراطيم  الفيلة” (المرزاب) وقد شرح الامام محمد عبده اجنحة الدور التي شبهها الامام علي (ع) بأجنحة النسور بانها رواشينها.
 وقد انتقل هذا الفن  الرائع من مدينة البصرة الى باقي المدن العراقية  الاخرى وبالاخص المناطق الجنوبية  والوسطة منها وكانت العاصمة بغداد من اكثر المدن  تأثراً بالشناشيل البصرية. وخلال فترة الانتداب البريطاني على العراق التي بدأت سنة 1917م انتشرت الشناشيل بصورة  لافتنة  للنظر في مدينة البصرة والمدن العراقية الاخرى نتيجة استقدام عدد كبير من الهنود  المهرة والفنيين في صناعة وزخرفة الخشب الذي كان يستورد من الهند. ولم يبق من الشناشيل البصرية الا العدد القليل في الاحياء القديمة التي استطاعت الصمود حتى الان نتيجة التدمير والخراب اللذين سببتهما الحروب خصوصاً خلال السنوات الثماني من الحرب العراقية - الايرانية التي كانت  تدور رحاها حول هذه المدينة وحرب الخليج 1991 م وكذلك على يد قوات الحكومة  العراقية ابان انتفاضة اهالي البصرة والمدن العراقية الاخرى في اذار (مارس) من العام 1991م اضافة  الى الزحف العمراني  الحديث الذي ادى  الى تغيير الكثير  من معالمها العمرانية الاصلية.

البيوت البصرية
والبيوت البصرية شأنها شان البيوت في المدن العراقية تتميز بخصائص تخطيطية وانشائية ذات طابع معماري واحد يتمثل في احلال  الساحة الداخلية المكشوفة التي يطلق  عليها بالعامية “الحوش” المكان  الاول في التخطيط وعادة ما تمثل هذه الساحة  محور البيت  الذي تنتظم  حوله معظم  الغرف والمرافق الاخرى . ومن الواضح انه تقليد بنائي عراقي  قديم  تعود بداياته  الى فترة  العهد البابلي القديم (مطلع الالف الثانية قبل الميلاد) حيث عثر على بقايا دور سكنية في احد الاحياء مدينة اور القديمة التي تقع الى الغرب من مدينة البصرة تبرز الساحة  الوسطية  في مقدمة العناصر التصميمية  وغالباً ما تتوسطها حديقة صغيرة تزرع  بشجرة واحدة اواشجار عدة وبعض شجيرات الزهور.
 وتعتبر الساحة  الوسطية ايضا  بمثابة  قاعة مكشوفة  ومحجوبة عن الانظار  اضافة الى الدور الذي تلعبه  في توزيع الاضاءة  الطبيعية  للغرف المحيطة بها. ويعرف القسم الامامي من البيت  البصري والذي يضم مجالس الضيوف بـ “البراني”، اما القسم الخلفي والمحيط بالساحة الوسطية والذي  يضم الغرف المخصصة لافراد العائلة والمرافق الملحقة بها ب”الدخلاني”.ومن الخصائص المميزة  للبيوت  البصرية وجود المدخل المنكسر المعرف بـ”المجاز” الذي يوصل المدخل او “الباب” بالساحة الداخلية المكشوفة  (الحوش) والهدف منه هو عزل فضاء الساحة  الداخليةعن الشاع او الزقاق وترطيب الهواء عبر اختراقه المجاز.
ومن العناصر الجوهرية  في تصميم البيت البصري توفير ما يسمى ”الطرمة” المسقفة والمفتوحة من جهة الساحة الداخلية  المكشوفة وهي الديوان المصغر للبيت. وتستعمل ارضية (الطرمة) لتناول وجبات الطعام  وشرب الشاي وخصوصاً في فصل الصيف.
ويتميز البيت البصري ايضاً بوجود مكان للراحة  والهدوء يطلق عليه  “السرداب” وهو اصطلاح  فارسي مؤلف من مقطعين”سرد” اي باردة و”اب” اي ماء وتقضي فيه العائلة ساعات طويلة في ايام الصيف الحارة  ويتصف  بجدرانه السميكة وانخفاض مستوى ارضيته عن مستوى ارض البيت  قد  يصل في بعض الاحيان الى امتار عدة مما  يساعد  في حمايته  من الحرارة الشديدة. وتجري تهوية السرداب بواسطة فتحات صغيرة  جانبية  تكون عادة في مستوى ارضية الساحة الداخلية المكشوفة  وكذلك من ابواب المدخل والدرجات (السلالم9 المؤدية اليه. وهناك جدار عمودي للتهوية مبنية من  الطابوق (الاجر) والجص وهي عبارة عن فتحات داخل الجدار  وفوهتها  في اعلى  سطح البيت  تنقل الهواء من الاعلى عبر هذه الفتحات الى مستوى  منخفض في ارضية  السرداب فيساعد الماء الي على ارضية السرداب بترطيب الهواء الخارجي الجاف الاتي من السطح عبر هذه الفتحات وتسمى هذه المجاري العمودية بالملقف الهوائي ويطلق عليها محلياً(البادكير) وهي كلمة فارسية مؤلفة من مقطعين “باد” اي هواء و”كير” اي جالب اوساحب.
ومن اهم المواد الاولية المصنعة محلياً والمستعملة في بناء البيوت البصرية الطابوق الطيي المفخور(الاجر) الذي يعتبر العنصر الرئيس في البناء وذلك لوفرة مادته الاولية  ولسهولة  صناعته  وقلة  تكلفته ويمتاز ايضاً  بمقاومة جيدة وقدرة كبيرة على عزل الحرارة والصوت.
ومن الخصائص  التي امتاز بها البيت  البصري بصورة عامة ارتفاع سقف غرف الطبقة الاولى بحيث لا يتجاوز اربعة امتار وهناك مميزات انشائية اخرى منها كثرة الشبابيك في الطبقة الاولى وارتفاعها خصوصاً في  الواجهات التي تطل على الازقة والشوارع. اما ارتفاع الطبقة الارضية فيكون  عادة من الطبقة الاولى ويتميز ايضاً  بنوافذه التي تكون  في الغالب فوق  مستوى النظر وهي تطل على الازقة والشوارع.

ظاهرة هندسية
 وتعتبر الشناشيل من الظواهر الرئيسة والمالوفة في البيوت  البصرية  والتي تدل على الثراء ففي البيوت الميسورين تتحول  الشناشيل الى قطع  فنية  رائعة  وذلك لجمال نقوشها  الخشبية  التي تتخللها  قطع زجاجية صغيرة  ملونة. تشيد  الشناشيل اساساً على قسم  من بناء الطبقة الاولى يضاف الى  المساحة الاساسية للدار وذلك عن طريق احداث  بروز يستند الى روافد  خشبية  او معدنية  وعندما يتسع البروز  نسبياً  يعمد المعمار الى تدريج  الواح  الخشب او الروافد  ليمكنه الحصول على نقاط استنادا قوية  تشيد فوقها  الشناشيل ويتراوح البروز  عادة بين  متر واحد  او اكثر بقليل.
 ويكون بناء  الشناشيل من الخشب بدلاً من الاجر او الحديد وذلك للتغلب غلى مشاكل  الثقل  في توسعة البناء وكذلك  مساعدة  الخشب في تحقيق برودة الجو  الداخلي للغرفة عن طريق تقليل كمية  الحرارة  الواصلة الى البيت من دون  ان  تمنع الضوء والهواء  من الوصول الى غرف الشناشيل من خلال الفتحات  الخارجية المشبكة. وكذلك  تحفظ للسكان حرمتهم فهي مصممة لحجب  الرؤية  من الخارج  للجالسين في هذه الشرفات  او الغرف الملحقة بها.
والشناشيل المصطفة على طول الطريق العام  توفر مظلة طويلة  يحتمي  بها المشاة من اشعة شمس الصيف وامطار الشتاء. وستبقى شناشيل مدينة  البصرة  رغم ازالة  الكثير منها شاهداً على  جمالية  العمارة البصرية وتقدمها خلا فترات تاريخها  العريق.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية