العدد(4354) الاثنين 21/01/2019       اســطورة مئذنة جامع سـوق الغزل       انقلاب بكر صدقي والتصفيات السياسية       ذكريات آثارية.. رحيل عالمة الآثار لمياء الكيلاني       هكذا عرفت بغداد عند سقوطها بيد الانكليز سنة 1917       في ذكرى تأسيسها في 22 كانون الثاني 1932 .. جمعية الهلال الاحمر ومنكوبي الفيضانات       عندما اصبحت المس بيل مديرة لاثار العراق       الملك غازي يطرد يونس بحري من الاذاعة ثم يعيده       العدد (4352) الخميس 17/01/2019 (علي الشوك 1929 - 2019)       علي الشوك، الضَّعفُ حين يتحوّل إلى قوّةِ خلقٍ وإعادة وعي..    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :21
من الضيوف : 21
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23796028
عدد الزيارات اليوم : 11578
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


الشيخ علي الشرقي.. شخصية فذة في تاريخنا المعاصر

عبد الاله الصائغ
علي الشرقي شاعر الطليعة المتحررة وتلك اتم تسمية وافية للشاعر تعبر عن الدور الذي قام به أتم تعبير واوفاه وتعرض علينا صفحة جهاده المتواصل ونحن نعني في تسميتنا اياه شاعر الطليعة المتحررة او الرعيل الاول وهي تعطي في النفس صورة واضحة للذين يدققون الوضع !


 شاعر الطليعة هو رائد القوم الذي يرشدهم ويرصد لهم الطريق ويعين المواقع ويقول لهم القول الفصل الذي توحيه الطبيعة الشاعرة الواعية وينظر الى الدنيا في معنى شامل وبعد نظر !فما اوسع الآفاق التي يخطرها الشاعر الواعي ونحن نرى الخطوط والملامح واضحة في شعر الشرقي ولو انها مطموسة في التورية والرمز والكتابة ونحن نلمح في شعر شاعرنا اثر تلك الفترة بقوتها وضعفها بحسناتها وسيئاتها فقد رسم الملامح في تلك الفترة فهو الشاعر الصادق الصدوق الحساس.

اولاً: ترجمته
 علي الشيخ جعفر بن محمد حسن بن احمد بن موسى بن راشد ولقبه الشروكَي (الشروقي) وقد غير لقبه بنفسه قبل ان يغير أدونيس لقبه من إسبر الى ادونيس ربما بأزيد  من نصف قرن ! فهو ابن الجنوب الذي يفخر بنجفيته!
 يقول الدكتور مصطفى جمال الدين وهو ابن قرية المؤمنين ص12 ديوانه ( النجف منبتنا)! وهذا ضرب من الحب والوفاء جدير بأمثال هؤلاء الكبار ! اما والد الشيخ علي فهو الشيخ جعفر الذي يقول فيه شاعر ثورة العشرين ومؤرخها الدكتور محمد مهدي البصير (.. كان الشيخ جعفر 1843- 1892 واحدا من كبار فقهاء العراق وشعرائه في القرن التاسع عشر الميلادي ) . والشيخ علي الشرقي من اسرة تنتمي الى قبيلة الخاقاني العربية وموطن هذه الاسرة قصبة على ضفاف نهر الغراف الوادع العذب تابعة الى قضاء الشطرة التابع الى محافظة الناصرية او ذي قار! يقول الدكتور الاديب صدام الأسدي في هذه المدينة وقد احسن القول : تلك المدينة التي أثرت العراق بالكثيرين من الأفذاذ والعلماء . هــ!
 ولعل جده الشيخ موسى هو اول من ترك قصبة خيقان متوجها الى النجف لطلب العلم وهكذا يولد علي الشرقي في النجف 1892 ! ولم تكن الشطرة مولده كما ذكر الدكتور صدام فهد الاسدي !  ثم ذاق علي الشرقي اليتم في سن مبكرة ! فتكبدت امه مشاق كثيرة فبددت عن صغيرها كأبة اليتم ! قال الشرقي في كتابه المطبوع الاحلام : حين مات والدي فترعرعت بحنان والدتي الذي انساني خسارة حدب الوالد ! وإذا كانت امه شقيقة الشيخ عبد الحسين الجواهري فقد انتقلت وطفلها الى بيت اخيها لتعيش فيه ! اي ان اليتيم علي الشرقي سيعيش في كنف خاله وخاله هو والد الشاعر محمد مهدي الجواهري ! وكان الجواهري اصغر سنا من الشرقي فالجواهري مولود عام 1900 لكن الشيخ عبد العزيز الجواهري الشقيق الأكبر للشاعر محمد مهدي كان تربا للشرقي يقاربه في العمر ! وربما يكمن السبب في الحساسية بينهما الى تنافسهما بينا كان الجواهري اصغر من ان ينافس ابن عمته الشرقي ! واليتم والفاقة يكونان مصهرا للمعادن الأصيلة من الناس فتراهم مبكرين ومتفوقين وطموحين ! ولقد كان بيت الشيخ الجواهري مجلسا عامرا بالأدب وعلوم العربية والدين.

ثانيا: توريخه
ويتذكر صاحب الترجمة من اعلام الأدب والعلوم الدينية كوكبة من المشاهير امثال الشيخ جواد الشبيبي والسيد باقر الهندي والسيد جعفر الحلي والشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ هادي الشيخ عباس والسيد حمودي المرعبي وآخرين ! وشباب الشرقي مزيج من التمرد المشاب بالحكمة فقد شكل من اصدقائه الموافقين لمزاجه (شركة مقاومة الفقر) وربما يتقاطع محمول مقاومة الفقر مع دلالة مقاومة الجهل ولكن هذا هو تقرير الحال فحققوا نشاطا محمودا في طبع الدواوين الشعرية والقصص والمذكرات فجابوا العراق من اقصاه الى ادناه ومن بين جهودهم الشبابية الجبارة جمع شعر محمد سعيد الحبوبي ! كما جمعوا الكثير من مخطوطات بهيئة دواوين ولم يوفقوا الى طبعها ولا احد يدري اين ذهبت وكيف اختفت ! والغريب ان الشرقي وهو غزير العطاء لم يجد من يؤرخ له بشكل منصف او يجمع شعره او يعرضه للباحثين والنقاد وطلبة الدراسات العليا ! نعم طبعت دار الشؤون الثقافية في بغداد دراسة عنه مع مختارات من شعره وطبعت بعض كتبه في حياته وتنوسيت البقية ! وعتبى لابنته الأستاذة امل الشرقي وهي اديبة وصحفية وتسنمت اعلى المناصب الاعلامية والثقافية بيد انها على حد علمي لم تقدم لعلي الشرقي جهدا يوازي مكانته كزعيم وشاعر ورجل دين متحضر! والغريب ايضا ان ماكتبه صديقاه مير بصري وجعفر الخليلي لايسد رمقا ووجدت عند المؤرخ عبد الرزاق الحسني ما يشبه تجنب دوره الريادي في نهضة العراق! والأشد مرارة ان المؤرخ الكبير صاحب اعيان الشيعة السيد محسن الامين ودائرة المعارف الشيعية السيد حسن الامين تجنباه بالكامل مع انهما كتبا عن اسماء مجهرية ولعل طبيعة علي الشرقي الصريحة لم تترك له متعاطفا ! ولقد كتب روفائيل بطي عن علي الشرقي في كتاب الادب العصري الذي لم يطبع منه سوى جزئين اول وثان الخاصين بالمنظوم وكتب روفائيل بطي عن علي الشرقي
 في القسم الخاص بالمنثور بيد ان ما كتبه لم ير النور مع الاسف ! اذن علي الشرقي عاش ملء السمع والبصر ولم يقدر عليه حساده وشانئوه فإذا مات صفوا حسابهم معه

ثالثا: شعره
 كان الشرقي يجيد الفارسية قراءة وكتابة ويقرا للشعراء الفرس الكبار فبانت الرقة في قوله والنبرة في جمله والوصف الخلاب في صورة ! ولم يصدر بعد موته شيء يذكر سوى رسالة جامعية باشراف الدكتور ابراهيم حرج الوائلي واعداد  السيد موسى الكرباسي طبعتها دار الشؤون الثقافية طبعة رديئة مليئة بالأغلاط الطباعية ! ولم تعد طباعتها ! والشرقي قاريء نهم كداب جيله من المفكرين والمبدعين فهو يقول في نفسه حين بلغ الخمسين:
لهفي لخمسين من سني قد اندرست في الكتب بحثاً كأني دودة الكتب
 يكتب الشعر الغزلي فضلا عن الشعر الوطني وهو في الحالين مرب وداعية جمال يصف الاستاذ مير بصري شعر علي الشرقي (سحر وعطر وهو شعر نابض بالحياة صادق اللهجة واضح السمات ينطق بلسان البلد والجيل ويحمل طابع العصر ورسالته لقد وفق الشرقي لترديد نواح البلبل السجين وصداح البلبل الطليق ولوعة الفلاح في كوخه وترجمته عن نزعات الشعب المتطلع الى الحياة والحرية ودعوة الى الألفة والإخاء) ويصف جعفر الخليلي شعر الشرقي فيقول (خطا الشرقي في الادب خطوات جريئة اذ احتوى شعره على جانب كبير من الوخز بالشعائر والتقاليد والنقد والاستهجان خصوصا بعد ان خرج من بيت خاله الى زاوية في احدى المدارس الدينية شعر فيها لاول مرة بنسيم الحرية والاستقلال وعرف الشرقي بطراز نظمه وصيده المعاني وطريقة النسج بكونه من اوائل المجددين في الشعر لا بل لم يكن قد سبقه شاعر في نسج الفكرة وفق النمط المحبب لدى المتذوقين) ويقول الاستاذ محمد سعيد الصكار (وكان علي الشرقي بارز الحضور في المجال الثقافي من خلال ما كان ينشره من قصائد في موضوعات مختلفة، عراقية وعربية وعالمية، كقصيدته عن غرق الباخرة تيتانيك وعن الاتحاد السوفييتي، وأوروبا والحرب الثانية وغيرها. وهو أكثر الشعراء العراقيين، وربما العرب، استخداماً لمنجزات الحضارة والتقدم، إذ يحفل ديوانه بذكر السيارة والطيارة والكهرباء والبطارية وماكنة التصوير
تولى الشرقي عدة مناصب قضائية ثم اصبح عضوا في مجلس الاعيان وتولى عدة وزارات في ما بعدمما مهد لصعود نجمه بحملة طويلة من المقالات والمساهمات الصحافية والادبية التي استثارت في الاخير استياء صديق الامس الشيخ اليعقوبي! .. رأى الشيخ اليعقوبي ان علي الشرقي نال مناصبه بالمداجاة والتزلف للسلطة ! وهذه التهمة مالبثت لصيقة بأي كاتب دؤوب ومنظِّر موهوب فهو على راي الغوغاء طالب جاه وطاوي طمع وباحث عن منصب فكان المناصب موقوفة منذ فجر التاريخ للجميع سوى المثقفين ! ولكن هل طأطأ الشرقي راساً للعاصفة كي تمر؟ شيء مثل هذا لم يحدث! فعلي الشرقي مثل مقاتل ياباني لايتراجع ابدا واذا هرب فهروبه سيكون تقدما نحو الامام!
والشاعر علي الشرقي يختار اصفياءه على مقاس طباعه ومبادئه ايضا! وكل اصدقائه اعلام كبار مثل الدكتور ضياء جعفر وصالح جبر وسعد صالح جريو وعبد المهدي المنتفجي والسيد سعيد كمال الدين والشيخ خيون آل عبيد وعبد الله القصاب وحميد خان وعبد الحسين الازري ورايح العطية وسلمان بيات وعبود الشالجي وجعفر الخليلي وعبد الرزاق الحسني وعبد المحسن السعدون ومحسن شلاش ورشدي الجلبي ومن هؤلاء الشاعر الكبير مثل الازري والكاتب الموسوعي الكبير عبود الشالجي والزعيم الوطني العظيم سعد صالح ورئيس الوزراء مثل صالح جبر ! ويروي صديقه الاستاذجعفر الخليلي ان السعدون هو الذي رشح الشرقي نائبا على لواء المنتفك بيد انه لم ينجح فغضب السعدون على فيصل الاول والسعدون حاد المزاج والملك هاديء الطبع فقرر الملك تعيين علي الشرقي قاضيا ممتازا وبراتب يعادل راتب وزير ! فطاش طيش حساده فخرجوا في مظاهرات صاخبة خشية على بيضة الدين من قضاء علي الشرقي وهم يعرفون نقاء الشرقي وتعففه وعمق تدينه ولكنه الحسد وكان الله في عونهم حين اصبح الشرقي وزيرا وزعيما وطنيا كبيرا ! وحين يحسبها الشرقي سيجدها مؤلمة فلقد زهدت به مدينته الأم النجف الشرف وجرحه اعلامها بل هيجوا الرأي العام ضده ! فلم نكد نعثر على صديق له من النجف سوى ثلة باقل من اصابع اليد الواحدة !حتى لقد تطاول عليه الخصوم والحساد واسبغوا عليه من الصفات والأفعال ما هو ابعد خلق الله عنه ! يقول احد اصدقاءه المقربين : كان الشيخ علي الشرقي متواضعا انيس المحضر لايانف وقد اصبح شاعرا عربيا ووزيرا عراقيا مرموقا ان يتحدث عما لقيه في صباه وصدر شبابه من ضيق وشظف عيش !.. كان عاطفيا سريع الانفعال في حياته الشخصية والادبية وقد اثر فيه يتمه ونشاته الصعبة في البيئة النجفية الجامدة تاثيرا عميقا ولذلك نرى شعره يختلف اختلافا بينا عن شعر معاصريه بكثرة مجازاته وايماءاته وصوره الغريبة وحدبه على الفقراء والفلاحين والكادحين فهو يصبو الى الحرية والأنطلاق ويرنو الى آفاق بعيدة خارج مجتمعه فيحمل على رجال الدين المتزمتين ويداعب الأفكار الحرة الجديدة التي انبعثت من النهضة الفكرية في مصر ولبنان

 شمولية علي الشرقي
 علي الشرقي انسان متفاعل مع الكون بكل اتساعه ! فهو يرى الدنيا قرية كبيرة فلم يترك شاردة ولا واردة الا وسجلها ! فحين غرقت باخرة تايتانك العملاقة منتصف نيسان 1912 حزن كثيرا ولم يكن قد وصل العشرين من العمر فإذا كان الشرقي يقظا حين يحدث طاريء ما في اقصى الارض فمن باب اولى ان يكون اشد يقظة لحال بلاده! ولكن سياسة البسطاء عسيرة وبخاصة اذا تمكنت منهم الدهماء! ولقد وقفت الغوغاء بين الشرقي وبين حلمه الوطني! ولقد وجد المحتل في الغوغاء ضالته فكان عملاؤه يحركونهم لتجريح علي الشرقي! وله قصيدة فيها شكوى ونجوى وتحذير فلا يدري الشرقي من يلوم اولا المحتل الذي بغى وعاث أم صنائعه الذين استاسدوا على ابناء جلدتهم ام عقلاء القوم وقد آثروا الوقوف على التل بانتظار المعجزة فخذلوا المناضل والمفكر والمبدع هل يلوم الحاكم الجائر ام المحكوم  المستسلم؟
من حق القاريء العزيز ان يحاسبني على اختيار علي الشرقي أنموذجا لترجمتي! فثمة الكثير غيره معاصرين وغابرين! وانا انحني اجلالا لكل مبدع ومناضل متحضر! التحضر هو مسباري وعلي الشرقي تقطعت انفاسه وتلاشت سنيه وهو يدعو للمحبة بين العراقيين كافة فكان وهو رجل الدين صديقا حميما ونصيرا كريما للشيعة والسنة والمسلمين والمسيحيين واليهود والمندائيين! كان امينا على الشعب العراقي ميزانه المواطنة والولاء للعراق قبل كل شيء وبعد كل شيء ومن هنا جاء اختياري لهذا المثال المشرق فحياته درس تربوي في عشق المواطنة واحترام العقائد والانفتاح على العالم! درس تربوي لنا نحن المثقفين العراقيين



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية