العدد (3060) الخميس 17/05/2014(الدكتور عبد الرزاق محيي الدين)       عبد الرزاق محيي الدين يروي سيرة حياته       عبد الرزاق محيي الدين..الأديب والمربي والعالم       الى عبد الرزاق محيي الدين       فنجان شاي مع عبد الرزاق محيي الدين       محيي الدين فقيد اللغة العربية       عبد الرزاق محيي الدين علامة فارقة في تاريخ الثقافة العراقية       عبد الرزاق محيي الدين استاذا       محيي الدين وفاجعة الرحيل       محيي الدين يقارع النظام السابق    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :7
من الضيوف : 7
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 4177368
عدد الزيارات اليوم : 4813
أكثر عدد زيارات كان : 20719
في تاريخ : 14 /12 /2011
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


ترجمة القس سليمان الصائغ رائعة كورناي (هوراس)


ضياء خضير 
 ترجم “القس سليمان الصائغ” تراجيدية كورناي هذه نثرا عام 1945 وسماها (رواية هوراس).
وقد مثلت في مدينة الموصل على مسرح مدرسة (شمعون الصفا) الأهلية في العام  نفسه، ويبدو أن الصائغ ترجمها خصيصا لفرقة هذه المدرسة، وهذا واضح من  الملاحظات المتعلقة بالإخراج التى أبقاها المترجم على المسرحية عند  طباعتها. ما يجعل النص أقرب إلى مايسمى ب(الطبعة الإخراجية).


وقد وضع الصائغ كلمة وتعريب) بدلا من (ترجمة) تحت عنوان المسرحية، وهي في الواقع كلمة أكثر مناسبة لعمله من كلمة ترجمة.
فالتعريب يعني نقل النص الأجنبي إلى نص عربي من دون الالتزام ضرورة بالدقة التامة في نقل كلمات النص وتعابيره إلى العربية.
هكذا يبدو هذا النص بعيداً عن أن يكون ترجمة حرفية، ولكنه من ناحية أخرى ليس (إعدادا) بالمعنى الدقيق للكلمة؛ لأن المترجم يلتزم بشكل عام بالأصل الفرنسي، ويبقي على عناصره الأساسية (أسماء، وحوادث، وفصول، ومشاهد). ولكنه يجرى تغييرات جزئية في بعض الحوارات، ويدخل تعديلاً جوهرياً في نهاية المسرحية كما سنرى.
لقد وضع الصائغ مقدمة لترجمته شرح فيها الحوادث التاريخية التي استقى منها “كورناي” عمله، وقد اعتمد في ذلك على المؤرخ الروماني (Tite-Live)
( 19-59 ق.م) الذي اعتمد عليه “كورناي” نفسه في بناء حوادث تراجيديته. وقد حاول الصائغ في هذه المقدمة أيضا أن يوضح العناصر التي أضافها (كورناي) الى الرواية.
“أضاف الشاعر الفرنسي كورناي - يقول الصائغ إلى الرواية ما يشدد أواصر الصداقة بين الهوراس، والكورياس فأضاف إلى (Cameille) أخت هوراس وخطيبة الكورياس (سابين) أخت كورياس، وزوجة هوراس الظافر.
وبدلا من مجلس الحكم أوقف كورناي على الخشبة الفارس (Valere)، الذي دافع أمام الملك على مسمع من الشعب الروماني عن الحق العام وضرورة معاقبة هوراس الذي قتل أخته”، “وكورناي فعل كل ذلك - يضيف الصائغ - ليعطي هذه المأساة روعة بالغة”.
إما عن ترجمته، فهو يقول: “إنه تصرف بالاختصار مراعاة للوسط، وحذرا من الإطالة المملة”.
وهذه الكلمة الأخيرة تلقي الضوء على عمل المترجم، فقد اختصر النص وتصرف في بعض عباراته، وأجرى تغييرا في بعض أجزائه، مراعاة للوسط، كما يقول. وسوف نوضح ذلك بما يلي:
1- اختصار النص : وهو يتجلى في حذف جزء من الحوار لم ير المترجم أنها يخل كثيرا بالتركيب الدرامي لنص “كورناي”. ومن الأمثلة على ذلك ما يلي: حذف الأبيات من 403 إلى ،409 واختصر في حديث “الهوراس والكورياس”، واكتفى المترجم فقط بإشارة كورياس التى وردت في آخر الحوار إلى قدوم فليفيان Flavian.
فقد ترجم الصائغ هذه الجملة مع إضافة شيء من عنده بالطريقة التالية :
انظر إلى الباب هذا Flavian قادم لنطلع منه على أخبار الساعة، ونرى من انتخبت “الألب”.. نفسي تحدثني..
حذف الصائغ الأبيات الثلاثة الأخيرة من حديث “هوارس مع كورياس”.
(483-450) الذي يتضمن حوار كورياس وبدلا من ذلك وضع الصائغ هذه العبارة المختصرة على لسان كورياس:
 “بهذا حكم الشرف”
حذف الصائغ كل المشهد الرابع من الفصل الثالث الذي يتضمن حوارا بين Cameille وSabine فجعل الفصل الثالث يتألف من خمسة مشاهد لا من ستة، كما هو الأصل.
ولعل الصائغ رأى أن حوار الفتاتين في المشهد هو تكرار وتوسيع للحوار الذي جرى بينهما في المشهد السابق.
2- أدخل الصائغ تغييرات كبيرة في مضمون بعض الحوارات طلبا للاختصار أو تبعا لطبيعة رؤية الصائغ الدينية والأخلاقية.فكامي في ترجمة الصائغ تتوجه إلى هوراس هكذا: “(حزينة دامعة) أواه، لقد تنكر لي وجه الدهر يا عزيزي هوراس وغلبني الحظ العاثر”. أما في ترجمة الصائغ فهي تكتفي في هذا الموقف الحماسي بأن توجه إلى كورياس هذا السؤال المحايد: “أأنت سائر إلى الحرب يا كورياس؟”.
وفي مكان آخر من المشهد نفسه من ترجمة الصائغ تخاطب كامي خطيبها كورياس بالعبارة التالية : “حاشا لي أن أحملك على الخيانة. كن مثلي يا كورياس لأني رومانية ولو أني تمنيت أن تأتي عملا غير هذا فأضفر لك إكليل الغار”.
وهذا الكلام ليس هو بالضبط كلام “كورناي” الذي وضعة على لسان كامي
3 - موقف الصائغ هذا من كامي يحملنا على الحديث عن التغيير الأخير الذي أحدثه في عمل (كورناي).
فقد جعل الصائغ في نهاية هذه المأساة القتيلة (كامي) تظهر ماشية في أعلي المسرح محاطة بالنور مثل قديسة، وحينما يراها جمع الرومان المحتفلين بانتصار هوراس تصيبهم الدهشة.
أما الشيخ هوراس فيجثو على ركبتية وهو يقول: “كامي........ابنتي كامي.........أنت تتجلين إلي في السماء العليا.. وداعا........وداعا كامي........وإلى اللقاء في حضرة الآلهة”
وهذا المشهد الأخير مضاف إلى المأساة الفرنسية طبعا، وقد فرضه على (القس سليمان الصائغ) إحساسه الإنساني باعتباره رجل دين مسيحيا، فهو يرى أن المسكينة “كامي” لا تستحق ذلك العقاب القاسي من أخيها لأنها لم تستطع أن تتقبّل حقيقة أن يكون انتصار أخيها على حساب قتل خطيبها.
ولسنا ندري، بعد ذلك، لماذا حذف الصائغ إشارة (كورناي) الخاصة بقتل “هوراس”، “لكامي” خارج الخشبة فجعل الفعل يتم أمام المشاهدين في المسرحية المترجمة. أيكون المترجم العراقي قد عمد إلى أن يعرض مشهد القتل هذا أمام المشاهدين ليمهد لإجراء ذلك التغيير الأخير؟ حيث أوحى من خلاله بأن “كامي” قد أصبحت بعد قتلها أمام المشاهدين وصعود روحها إلى السماء قديسة وشهيدة، لأنها أصغت إلى قلبها ورفضت العنف الذي كان أخوها هوراس مضطرا إليه.
ونظرة الصائغ هذه إلى كامي، تلتقي في الواقع مع نظرة كثير من المعجبين برائعة كوناري هذه، فقد رأى هولاء أن في قتل هوارس لأخته قسوة بالغة ما كان ينبغي أن تحتويها (تراجيدية) الشاعر الفرنسي أوانها على الأقل، كانت مثار اهتمام كل من قرأ هذا العمل الخالد. ومع كل ما تقدم، تنبغي الإشارة هنا إلى أن ترجمة الصائغ هذه على كل ما فيها تظل واحدة من أفضل الترجمات العربية التي ظهرت لرائعة الشاعر الفرنسي في حينها، أي في الأربعينات من القرن
 الماضي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية