العدد (3176) الخميس 18/09/2014 (جلال الحنفي)       الحنفي.. تاريخ بغداد يمشي على قدمين       في رحاب ذاكرة بغداد وشيخها جلال الحنفي البغدادي       الحنفي.. الشيخ المتحرر       الشيخ جلال الحنفي يغني في خطبة الجمعة!!       جلال الحنفي.. فقيه لم يسيس العلاقة بين الدين والدنيا       الشيخ جلال الحنفي البغدادي.. موسوعي زماننا       جلال الحنفي.. الشجاعة في الوصول إلى الحقيقة       جلال الحنفي.. ذاكرة بغداد التراثية       الشيخ جلال الحنفي    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :7
من الضيوف : 7
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 5213331
عدد الزيارات اليوم : 1621
أكثر عدد زيارات كان : 22276
في تاريخ : 15 /08 /2014
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


في ذكرى محمد القصبجي


عادل الهاشمي
في سنة 1920 يتعرف المطرب على المطرب الناشئ محمد عبد الوهاب ويقربه ويرعاه ويعلمه اصول العزف على العود. في عام 1921 يلتقي محمد القصبجي بالموسيقي النابغة سيد درويش حيث جرت بين الرجلين مناظرة حول دور (الحب له في الناس أحكام)


الذي هو من مقام الزنكلاه كما يقول القصبجي غير أن سيد درويش لا يرى ذلك لان درجة قرار العجم لا اثر لها في اللحن وبعد جدل يعترف سيد درويش بهذا الدور على انه من مقام الزنكلاه! في عام 1924 يلتقي بالمطربة الصاعدة أم كلثوم ويبدأ معها رحلة فنية طويلة تسفر عن (320) لحنا فكانت أولى هذه الإلحان (قال ايه حلف ما يكلمنيش) ثم (أن حالي في هواها عجب) أصبح محمد القصبجي ملحنا على مستوى داود حسني وزكريا احمد وإبراهيم القباني.. بل تفوق عليهم جميعاً بما فيهم أستاذه كامل الخلعي!

معالم التجديد في موسيقى القصبجي
تخطى القصبجي مرحلة التلحين الشعبي البدائي والتي قصرت على لحن واحد لكل مذهب ولحن كان يتكرر لكل دور او مقطع شعري.. فكان الفنان الأصيل الذي يتعامل مع مبدأ التلحين المتصل.. حيث يصوغ لكل بيت شعري لحنه الخاص المعبر عن معانيه وهذا المبدأ في واقع الأمر هو الذي اتبعه الأوربيون في القرن التاسع عشر في تلحين أغانيهم الرفيعة (الليدر) أما محمد القصبجي فانه لم يحذ حذو هؤلاء إنما توصل إليه بفضل إمكاناته الفنية وتفتحها على الجديد.
إن الشيء الذي فعله محمد القصبجي هو محاولاته الفذة في جعل الألحان التي يصممها تطابق معاني الكلمات.. وامتد اتجاهه الى تطعيم تلك الألحان بظلال تمد الكلمات بطاقة تعبيرية نفاذة!
لا يمكن إغفال نجاح محمد القصبجي في إكساء التلحين الغنائي بلباس من الشاعرية والصدق الفني التي جاءت جديدة تماما في عصره! لقد أنجز هدفاً جماليا قيما مستخدماً خالص الموسيقى العربية لوحدها من غير أن يستعير لألحانه توزيعاً هارمونيا او اوركستراليا باستثناء الحالات القليلة التي مستها عناصر التوزيع هذه في أغاني (منيت شبابي، يا منجد، ياللي صنعت الجميل، يا ما ناديت من اساك، التي غنتها أم كلثوم، ويا طيور، وليت للبراق عينا التي غنتها أسمهان، وأنا قلبي دليلي ويا جمال العصفور التي غنتها ليلى مراد". إن التوزيع الاوركسترالي في هذه الألحان الشامخة المتقابلة "الكنترابنط" زادها صقلا وجمالا وكانت عزا راقيا ونوعيا للغناء العربي.
إن ألحان محمد القصبجي تنتسب الى اللون الكلاسيكي الجاد التقني الاستيلادي المؤتلف لنزعة المعاصرة والانفتاح والتي تضع ممكناتها الفنية تحت تصرف التجربة العصرية الراهنة!.
وان يوسع السامع ان يلحظ توتر الجسارة والتمرد في الحان محمد القصبجي.. فهي أيضا امتدادات فنية تستجمع الخبرة المسبقة بوصفها الأساس الصائب لكل تطلع متحضر متوهج نحو الجديد، انه يعطي إحساسا بالرواء عند كل لحن، فهو لا يداري الأشكال فحسب بل هو يحرص على أن تكون موسيقاه مصفاة تماما تبرز فيها نغماتها الأنقى.
لم يكن تحايلا على القديم هذا الذي صنعه محمد القصبجي.. انه واجه القديم يفهم وأحاله الى الروح المعاصرة وذلك بتقصي التضمينات الحيوية المتدفقة لموسيقى العصر – لأنه يوليها ثقته كاملة – أنه واحد من ثلاثة موسيقيين مع محمد عبد الوهاب وفريد الاطرش كان بناؤهم اللحني وتطورهم الموسيقى في البدايات الرائعة لحركتهم الفنية يشرع في الإطاحة لذلك التزمت التقليدي المحنط للمدارس الموسيقية القديمة التي لا تكن احتراماً لكل خروج على قوانينها التقليدية!
دور القصبجي
 في  تطور المنولوج
حاول تطوير المنولوج وهو احد قوالب التأليف الغنائي العربي، لم يكن معروفاً في مصر قبل 1915 هذا اللون الغنائي يقتصر على أداء المطرب وحده، وللمنولوج كلمة يونانية تتكون من لفظتين (مونو) بمعنى فرد و(لوج) بمعنى أداء أو إلقاء.
ويكتب المنولوج بالزجل في اغلب الأحيان وأحيانا أخرى بالقصص وفيه تعدد في ما يتعلق بالأوزان الشعرية.
لم يكن محمد القصبجي أول من حاول تلحين المنولوج.. هناك محاولات سبقت القصبجي عنها محاولات الشيخ سلامة حجازي مثل (أتيت فألقيتها ساهرة) و(أتيت الحبيبة في ليلة) و(يا غزالا صاد قلبي جفنه) كما قدم سيد درويش نموذجاً للمنولوج في لحنه الرفيع (والله تستاهل يا قلبي) ولحن احمد صبري التجريدي (خايف يكون حبك لي شفقة علي) التي غنته أم كلثوم وأيضا غنى محمد عبد الوهاب منولوجات (عايزك تصد وتهجرني) و(شبكتي قلبي يا عيني) و(اقصد طال وأنت مش راضية) كل هذه المنولوجات كانت صورة بدائية لقالب المنولوج حتى جاءت ابتكارات محمد القصبجي وتجديداته النابغة في مونولوج (ان كنت سامع وانسي الاسية) الذي غنته أم كلثوم ان هذا المونولوج فيه من الملامح الفنية المتطورة ما أرسى قالبه على قواعد قريبة من العلم حيث خطا به خطوة واسعة باتجاه التأليف الموسيقي حيث يكون للجملة الأولية دور ظاهر بجانب الغناء.
إن القصبجي في هذا الضرب من الفن كان علامة بارزة للتقدم حيث نحا محمد عبد الوهاب طريقة القصبجي وقدم مجموعة من المنولوجات منها (اللي يحب الجمال) و(الليل يطول علي) و(بلبل حيران) و(اهون عليك) و(في الجو غيم).

مكانته في العزف
على العود
من ابرع عازفي العود بلغ به مرتبة الفيرتيوزر، حيث استخرج منه عزفا رناناً براقا، وفي تمكن واستيعاب بلغتا الذروة كان عزفه في التقاسيم يجوب أجواء المقامات العربية بعلم وإمساك راسخ، ومدرسته في العود تنفرد بالبصم على عدة مقامات في وقت واحد بدون استخدام (الريشة). إن ضربات القصبجي على العود تلتقي مع طريقة العزف على الجيتار أو الماندولين او البانجو!
وتبقى تقاسيمه ترجمة فذة للمقاطع الغنائية في الموال والليالي.
ولعل من المفيد ان نصرح بالحديث عن الفارق بين عزف محمد القصبجي وعزف فريد الأطرش، ان الفارق يكمن في الخيالات الفنية الموسيقية.. فان القصبجي أوسع خيالاً من فريد الأطرش ولكن بالمقابل فان التكتيك العجيب الذي يستخدمه الأطرش في ضرباته على العود يتجاوز طريقة الضربات التي يستخدمها القصبجي من حيث الوقع والتتابع السريع المقترن بالحدة والمضاء. وفي هذا يمكن القول أن محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي في عزفهما على العود يلتقيان مع القصبجي ولا غرابة.. فان محمد عبد الوهاب قد اخذ العود من القصبجي وان تميزت ضرباته وعزفه بالبناء الهندسي المتقن والباذخ، وان السنباطي وهو تلميذ تعلم العزف على أسلوب القصبجي وحاول تقليده.
يبقى القصبجي واحدا من الفنانين الكبار شأنه شأن سيد درويش وعبد الوهاب وزكريا وأم كلثوم والأطرش والسنباطي وغيرهم الذي يعامل فنه معاملته للوطن.. تلك المعاملة التي يتأكد فيها التقى والإخلاص والتفاني والمحبة الصافية العنيدة غير المرتابة، وفي هذا امتياز للفنان الذي تعلم منذ بدايته أن يعيش من اجل فنه ومن اجل غيره. إن الحقيقة هي دفاع الفنان عن فنه والأكذوبة هي محاولته التخلص من فنه وهذا هو محمد القصبجي!

مجلة ألف باء/ 1974



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية