العدد (4086) الاربعاء 13/12/2017 (تيـد هيوز)       على هامش "رسائل عيد الميلاد" تيد هيوز والتكفير عن طريق الكلمات       تيد هيوز... الشاعر أم الوحش؟       بعد الطيران الاول       تيد هيوز وكيف تكون كاتبًا؟       تيد هيوز.. كرة قدم       تيد هيوز شاعر من القرن العشرين       وفقاً لرسائل كانت مجهولة حتى الآن.. تيد هيوز أساء معاملة سيلفيا بلاث       تيد هيوز .. آخر حاملي أختام لغة شكسبير       تيد هيوز القادم من برودة الموت    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :32
من الضيوف : 32
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18801014
عدد الزيارات اليوم : 5464
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


عملاق الموسيقى العربية وأكبر مهندسيها

سعاد الهرمزي
القصبجي معلم العديد من عباقرة الموسيقى
عندما قدّمت ليلى مراد  أغنيتها “أنا قلبي دليلي”، في عام 1948، كان تعليق المطرب والملحن الراحل محمد فوزي على الأغنية  بأنّها “أغنية العام ألفين”.


 إلا أن الأغنية التي سبقت عصرها بأكثر من نصف قرن من الزمان، لم تشفع لملحنها الرائد، محمد القصبجي، شيخ الملحنين، ومهندس الموسيقى العربية، كما وصفه البعض، والذي مات في الظل وحيدا، دون أن يذكره أحد.
وربما لا يعرف الكثيرون أن القصبجي، الذي ولد بعد خالد الذكر، سيد درويش، بـ29  يومًا فقط، في الخامس عشر من أبريل عام 1892، كان من أوائل الموسيقيين الذين امتلكوا دراية تامة بفنون التدوين الموسيقي (النوتة)، التي كان درويش يحلم بتعلمها، وإن لم يمهله القدر.
كما لا يعرف الكثيرون أن القصبجي، الذي قدم لأم كلثوم رائعتها الخالدة “رق الحبيب”، ولأسمهان رائعتها “يا طيور”، ولمطربة القطرين فتحية أحمد “ياترى نسي ليه ميعادي وغاب” و”قصاد عينيّه لكن مش ليّه”، هو معلم العديد من عباقرة الموسيقى الذين أضاءوا الحياة الفنية، وأولهم منيرة المهدية “سلطانة الطرب”، التي لحن لها العديد من الألحان الرائعة.
في لقاء مع الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وكذلك الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي رعاه فنيا لمدة خمس سنوات قبل ان يتبناه أمير الشعراء أحمد شوقي عام 1924، وعبقري التلحين رياض السنباطي تتلمذ هو الآخر لسنوات على يد القصبجي، الذي كان المجدد الأول في المدرسة التطريبية في الموسيقى، بما قدمه من أعمال سابقة لعصرها في الأسلوب والتكنيك، وبما أضافه للموسيقى الشرقية من الإيقاعات الجديدة، والألحان سريعة الحركة، والجمل اللحنية المنضبطة البعيدة عن الارتجال، كما أضاف بعض الآلات الغربية إلى التخت الشرقى، بالإضافة إلى الأجواء الرومانسية الحالمة التي أجاد التحليق فيها، حتى اكتسبت ألحانه شهرةً واسعةً وجمهوراً عريضاً ويمكن القول بأنها حملت أم كلثوم إلى القمة.
وعلى طريق تطوير الأداء الموسيقى أضاف القصبجي صوت آلة التشيللو الرخيم والكونترباص إلى التخت الشرقي، مما أعطى عمقا لأداء الفريق لم يعهد من قبل في الموسيقى الشرقية، بما يدل على أن محمد القصبجي كانت له طموحات موسيقية جاوزت حد التلحين والغناء وأنه أراد تطوير الأداء وتقديم الجديد في الموسيقى.
ومن مقطوعاته الموسيقية مقطوعة بعنوان “ذكرياتي” غير فيها القالب التركى القديم من ميزان السماعى إلى إيقاعات متنوعة وإن احتفظ فيها بالتسليم الذى تعود إليه الموسيقى في النهاية، وتباينت مقاطعها بين الوحدة الكبيرة والعزف المنفرد على العود غير المصحوب بإيقاع، وفى النهاية مقطع شبيه باللونجا، وتطلبت تكنيكا جديدا في العزف وهي مقطوعة قلما لا يعرفها عازف عود أو كمان.

أم كلثوم أصرت على الاحتفاظ بمقعده خاليا
ومن بين الدلائل التي تبين مكانة “قصب” كما كانت أم كلثوم تحب أن تناديه، أنها وبعد وفاته ظلت مدة بلا عازف عود، مفضلة الاحتفاظ بمقعده خلفها خاليا حتى اضطرت إلى الاستعانة بعازف العود عبد الفتاح صبري.
 فقصب لم يكن مجرد عازف عود ولكنه كان عالما فيه حتى انه كان يؤخذ برأيه في مواصفات صناعة العود الذي كان يوصي الا يزيد طول وتره عن 60 سنتيمترا. كما كان عاشقا لتلك الآلة التي كان يخشى ان ينشز بها وهو يعزف عليها وهو الاستاذ فيها.
بل وامتد تأثير القصبجي إلى بلدان عربية أخرى، فطال زكي ناصيف وتوفيق الباشا. ويرى فيكتور سحاب، في كتابه “السبعة الكبار”، أنّ وجود معهد موسيقي في اسطنبول باسم محمد القصبجي، هو “اعترافٌ بخطورة هذا الفنان”.
ويعترف الموسيقار محمد عبد الوهاب بأنّ القصبجي كان سبّاقاً في استخدام الهارموني والبوليفوني، بأسلوب علمي صحيح... كما يعترف بأنه تأثر بما أنجزه القصبجي في مجال المونولوج، ومنه جاءت أعماله “اللي يحب الجمال” و”الليل يطوّل عليّ” و”بلبل حيران” وغيرها.
أحصى محمود كامل في كتابه “محمد القصبجي، حياته وأعماله” 360 أغنية لحنها القصبجي، كما وضع للمسرح قرابة 35 لحناً موزعاً بين خمس مسرحيات هي “المظلومة”(1926)، و”حرم المفتش” (1926)، و”حياة النفوس” (1928)، و”كيد النساء” (1928)، و”نجمة الصبح” (1929). وله 91 أغنية وضعها لـ38 فيلماً سينمائياً، أغلبها ينتمي إلى الطقطوقة التي يأخذ طابعها الأدائي شكل الأوبريت. إذ كان معروفاً عن القصبجي أنه يستمد مادة الطقطوقة من أجواء المشاهد السينمائية.
لكنّ أعماله حظيت بشهرة لم يحظ بها هو شخصياً، وتلك ظاهرة غريبة، وخصوصاً إذا ما قارنّاها بما حظي به رفيقه الشيخ سيد درويش وزكريا أحمد، إضافة إلى شهرة الشاعر أحمد رامي التي تجاوزت بكثير شهرة القصبجي... وتزداد دهشتنا لدى المقارنة مع الشهرة التي كانت من نصيب تلميذه محمد عبد الوهاب. وقد عزا بعض النقاد تلك الظاهرة إلى أن القصبجي ابتعد عن أداء أغانيه بصوته، كما كان يفعل سيد درويش وزكريا أحمد أو عبد الوهاب.

محمد فوزي: أنا قلبي دليلي أغنية العام 2000
فمن منا لا يعرف أغنية “فرّق ما بينا ليه الزمان” و”امتى حترف امتى” و”يا طيور” بصوت أسمهان؟ وأغنية “يا صباح الخير” أو “رق الحبيب” أو “يلي جفاك المنام” بصوت أم كلثوم؟ وتلك المداعبات الغنائية الجميلة بصوت ليلى مراد مثل “يا ريتني أنسى الحب” و”حبيت جمالك” و”أنا قلبي دليلي”؟
ولا نبالغ إذا رأينا أنّ القصبجي لا يختلف كثيراً عن عمالقة الموسيقى الغربية الذين عملوا على تطوير موسيقى بلدانهم وموروثاتهم المحلية، بالاعتماد على دراسة تاريخ الموسيقى العالمية وتطويعه لخدمة موسيقاهم المحلية، من دون المساس بخصوصيتها، غير أنه يبدو أنه قدر العمالقة دائما في عالمنا العربي الذي ينسى دائما إسهامات مجدديه وعباقرته، ما لم يكن وراءهم من يروج لأعمالهم ويحييهم في ذاكرة الأجيال، فقد رحل محمد القصبجي، الذي أثرى الموسيقى العربية، في مارس من عام 1966م، في هدوء وبلا أي ضجة، تاركا وراءه تراثا يخلد اسمه وفنه بعد أن وهب حياته للفن فقط دون زواج وبلا أبناء.

عن كتاب: ملحنون عرب/
بغداد 1991



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية