العدد(4308) الاثنين 12/11/2018       16 تشرين الثاني 1916 (دكة) عاكف بك في الحلة       من اخبار المصارع عباس الديك ونزاله الشهير       النجف في أوائل القرن العشرين في كتابات انكليزية       عندما وصل ناظم باشا الى بغداد سنة 1910       من تاريخ الصراع من اجل الديمقراطية في العراق..معركة السلطة مع اساتذة جامعة بغداد سنة 1956       الجبهة الوطنية ومعركتها مع االسلطة في انتخابات 1954       في ذكرى انتحاره في 13 تشرين الثاني 1929..قصة تمثال السعدون       العدد (4306) الخميس 08/11/2018 (بهيجة الحكيم)       التشكيلية العراقية بهيجة الحكيم    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :31
من الضيوف : 31
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22870630
عدد الزيارات اليوم : 11586
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق اوراق


تكيّف الغجر..دراسة أنثروبولوجيا اجتماعية لجماعات الكاولية في العراق

تأليف: د. حميد الهاشمي
الناشر: دار المدى – الطبعة الأولى  -2012 
 مراجعة: فريدة الأنصاري 
الغجر – الكاولية – القرج - النَوَر مصطلحات لجماعات متنقلة،سكنت مناطق متعددة من بقاع العالم،لهم حياتهم الخاصة وعاداتهم وتقاليدهم الغريبة والطريفة،،مما ساعد على أن يتناقل الناس عنهم حكايات وقصص،


 وتوضع القوالب الجاهزة والأحكام المسبقة، التي دفعت الكثير من الباحثين وعلماء الأنثروبولوجيا الخوض في أصلهم وثقافتهم.

لتوضيح الصورة وتقريبها للقارئ قام د. حميد الهاشمي بتأليف هذا الكتاب وفق منهج البحث العلمي، معتمداً على عدد كبير من البحوث والدراسات النظرية والبحث الميداني.

  ومن قراءة الكتاب وعناوين فصوله العشرة نجدصورة مفصلة لحياة وثقافة هذه المجموعات السكانية المتنقلة،بدءاً من أصل تسميتهم بالغجر ومناطق سكناهم الأصلية، إلى علاقاتهم بالسكان المجاورين لهم، ومحاولاتهم التكيف معهم،مناقشاً بأسلوب علمي آراء الباحثين وعلماءالأنثروبولوجيا بهذا الخصوص. 

 فيذكر بأن تسمياتهم قد تعددت بتنوع مصادرها وتنقلهم،  وكلمة الغجر كلمة هندية في الأصل،  ورحلوا من الهند إلى أوربا خلال العصور الوسطى،ثم توزعوا في بقاع مختلفة من العالم،وبعد أن يستعرض ويناقش آراء الباحثين وعلماء اللغة يذهب إلى أن كلمة الغجر هي التسمية المحلية المستخدمة في السجلات الرسمية ووسائل الإعلام،وتطلق على جماعات تمتهن الرقص والغناء والبغاء، ويأوون لهذا الغرض، ويستقرون في تجمعات سكانية بالقرب من المدن الكبيرة،وهذا ماهم عليه في العراق،حيث كانوا مترحلين حتى اوائل السبعينات من القرن الماضي،ومنحوا الجنسية العراقية في أوائل الثمانينات،واسمهم الشائع في العراق بين العامة الكاولية وتلفظ أحيانا كيوليه.

طرحت فرضيات عديدة في أصل هذه التسمية،وكي لا تختلط الحقائق بالفروض والتصورات يستعرض المؤلف ويناقش معظم الآراء والبحوث التي تناولت أصل تسميتهم بالكاولية، يستنتج وفق أدلة قاطعةبأن أصلهم يرجع إلى الهند,وأن تسميتهم هذه تنطبق على قبائل هندية كانت بعض نسائهم تمتهن الزنا والرقص كخدمة دينية لرجال الدين،أوبالأجر لآخرين، ومنهن ما كن يمتهن الزنا في معبد الملك كاول،فانتسبوا إلى الملك كاول تشرفاً وتعظيماً لأنفسهم.وفي هذا السياق يمضي الباحث في بيان أصل التسميات الأخرى لهم مثل القرج المستعملة في الموصل  والنًوَر الدارجة في لبنان وسوريا والأردن وفلسطين، والجن كنة الدراجة في تركيا، والزط والقفص وغيرها من التسميات التي أطلقت عليهم وفق المكان الذي استقروا فيه.

 وبعد ان يفصل في تسمياتهم ودلالاتها يستعرض الآراء والفرضيات التي تحدد مناطق سكناهم، فيفند الطروحات التي أشارت إلى أن اصلهم من الشرق الأوسط وخاصة ما ذكره د. فوزي رشيد بأن اصلهم  هو المنطقة المحيطة بسامراء وتعود إلى الألف السادس ق. م مؤكداً بأن الأسس التي قامت عليه هذه الفرضية ضعيفة لا تستند إلى أساس تاريخي، فأصلهم وفق ما يؤكده د. الهاشمي يرجع إلى الهند والتي تبدو لنا بأنها أكثر الطروحات ترجيحاً، خاصة بعد أن يسوق الأدلة التي بنى عليها فرضيته، ومن بين تلك الأدلة التي يقدمها بتفصيل مثلاَ إجماع معظم المصادر القديمة على أصلهم الهندي،والتشابه الفيزيقي والثقافي مع قبائل وأقوام هندية.

 وبما أن الغجر يرجعون جميعاً إلى أصل واحد ولهم خصائص مشتركة تجعل من السهولة تميزهم عن غيرهم، ومنها عادتهم وتقاليدهم ومهنهم التي ولدت العداء والمضايقة للشعوب التي حطوا رحالهم فيها مستثنياً من ذلك ما حدث لهم في ألمانيا النازية حيث امتزجت الإبادة بالعرق “ الهولوكوست “التي يشير اليها بالأرقام محاولاً تنبيه القارئ إلى تجاهل العالم لتلك الجريمة في حين ركز وسلط الضوء على اليهود فقط. 

 اما عن كاولية العراق يذكر الباحث بأن لهم  خصائص تجعلهم ثقافة فرعية متمايزة عن ثقافة مجتمعهم،وانهم يتجمعون في مستوطنات سكانية غالباً ما تقع على هوامش المدن الكبيرة، وفق ما تتطلبه حياتهم وعاداتهم،وبسبب مضايقة السكان الأصليين لهم لأسباب أخلاقية، وقد عمدت الحكومة العراقية في الثمانينات من القرن الماضي توطينهم في أراضي مخصصة لهم وبناء دور لهم يحدد الباحث هذه الأماكن مشيراً في الوقت ذاته إلى أعدادهم وتقاليدهم،فيشرح لنا النسق القرابي،وأهم عشائر الكاولية، ومراسيم الزواج،والحالة التعليمية وفق دراسة ميدانية قام بها الباحث على كاولية منطقة الكمالية قرب بغداد ومنطقة الفوار قرب محافظة القادسية مؤكداً أثر العامل الاقتصادي في أسر الكاولية،ليخلصبنتيجة مفادها بأن الأسرة الغجرية مركبة،وأن مكانة الفرد في الأسرة مرهون بدوره الاقتصادي، وطبيعة سكنهم مشتركة ,وأن الأمية الأبجدية والثقافية تسود المجتمع الغجري وأعلى مرحلة في التعليم وصلوا اليها هي الشهادة الابتدائية، وأن النسب في مجتمعهم  أبوي،والإرث والخلافة تقع في خط الذكور، وللمرأة عندهم مكانة متميزة لكونها مصدر دخل لهم بممارستها الرقص والغناء... لذلك نراهم يفضلون إنجاب البنات على الأولاد،ولهم لغة خاصة يتداولونها بينهم فقط،ورغم أنهم يعتنقون الدين الإسلامي لكنهم يزاولون اعمالاً محرمة في الدين وغير مرغوبة في المجتمع العراقي،مما جعل مناطقهم أخطر مناطق الوباء والعدوى وخاصة مرض الإيدز  مما جعل جيرانهم يستنكفون من الاختلاط معهم،ولا يقيمون معهم علاقات جوار ومودة واحترام، ويسوق على ذلك أمثلة عديدة مثل أن الفلاحيين في قرية الفوار وهم من عشائر عراقية أصيلة معروفة ومحافظة ترفض جملة وتفصيلاَ جميع اعمال الغجر، وينظرون إليهم نظرة ازدراء واحتقار وتجنب وحذر فلا يختلطوا بهم نهائياً. وبعد سقوط النظام السابق - الذي يبدو للقارئ بأنه كان حاضناً لهم- عمد أهالي المناطق المجاورة لسكناهم إلى ملاحقتهم وتهجيرهم وخاصة في أبي غريب والكمالية،مما دفع العديد منهم إلى الهجرة إلى دول الجوار مثل سوريا والأردن وتركياوالعمل في الملاهي الليلية،  وهذا ما يتطرق إليه الباحث في الفصل الأخير من الكتاب محاولاً في نهاية الفصل تقديم مقترحات وتوصيات لمعالجة واقعهم في العراق. 

الكتاب بمجمله احتوى على حقائق علمية واجتماعية وتفاصيل جديدة عن الغجر عامة وكاولية العراق خاصة لاسيما عند التدليل الذي ذهب إليه المؤلف في أصل الغجر، وقد أعاننا عند تقديمه لمحات من تاريخهم على فهم طبيعة علاقتهم بالملك كارل وبرجال الدين والتي كان لها تأثير على الأجيال اللاحقة منهم.

 ورغم أهمية الكتاب والجهد الذي بذله الباحث هناك بعض الملاحظات على الكتاب مثل تجني المؤلف على المجتمع العراقي حين ذكر ونقل من أحد المصادر في(ص 77- 78)عند توضيح عمل ومركز المرأة في المجتمع الغجري المرهون بما تقدمه من عطاء مادي” فأن حال الأسرة الغجرية من هذه الناحية تكاد تشابه بل تقترب فعلاً من حال الأسرة العراقية عموماً والأسرة الريفية خصوصاً “فهنا نسجل اعتراضنا على ذلك لأن هذا لا يشكل واقع الأسرة العراقية وإنما إساءة لها، فالشاب العراقي عندما يبحث عن زوجة لا يسال عن راتبها بقدر ما يسأل عن نسبها وأخلاقها،ومن ثم هناك العديد من الشباب ذوي الدخل المتوسط لا نقول ذوي الدخول العالية قد فضلوا أن تجلس زوجاتهم بالبيت لرعايةالأولاد. والملاحظة الأخرى التي كنت أتمنى أن لا يركز عليها الباحث عند تناوله موضوع الزواج والدين عند الكاولية بتأكيده على عقد المومن “ السيد “وذهابهم لزيارة الأمة،فأعتقد بأن هذا التركيز يسيء إلى عقيدة الشيعة وكنت أتمنى أن يضيف كلمة الشيخ ويقول  بأن عقد القران يكون عند الشيخ أو السيد لا لإيمان منهم بل مجاراة لأهل المنطقة، وانهم يزورون الائمة مجاراة أو تقرباً لأهل هذه المنطقة أو تلك.

   في الختام لابد لنا من القول بأن الكتاب شكل علامة فارقة في الأبحاث الاجتماعية والعلمية التي حرصت دار المدى منذ تأسيسها على نشرها وجعلها بين يدي القارئ المتخصص وغير المتخصص.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية