العدد (3240) الخميس 18/12/2014 (بدر شاكر السياب)       السياب كما عرفته       بدر شاكر السياب ذكريات الشعر والألم       بدر السياب       الشاعر الكويتي علي السبتي.. يتحدث عن السياب ومرضه..       من الدفتر..       بدر شاكر السياب في أيامه الأخيرة       زيارة لبيت بدر شاكر السياب في البصرة       بدر شاكر السياب .. حفريات تاريخية في بواكير التكوين       وداعاً يا بدر..    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :12
من الضيوف : 12
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 5670206
عدد الزيارات اليوم : 3650
أكثر عدد زيارات كان : 22276
في تاريخ : 15 /08 /2014
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


نظرة تحليلية في أعمال خالد الجادر


منير العبيدي
في عام 1969  انتقلت كلية الآداب إلى بناية جديدة هي بناية كلية الاقتصاد والعلوم  السياسية سابقا في الوزيرية وشملت بناياتها الواسعة كلية التربية الملغاة  بعد التعديلات الحكومية على النظام الجامعي حينذاك، إلى هنا انتقل الدارسون  من بناية كلية الآداب القديمة التي كانت تقع في راغبة خاتون خلف المجمع  العلمي العراقي.


 بعد أيام من ذلك كان بوسع الطلاب هنا أن يقرئوا ملصقا إعلانيا يشير إلى افتتاح المرسم الحر في كلية الآداب تحت إشراف الدكتور خالد الجادر بعد عودته من المهجر.
قد لا يعني هذا الملصق شيئا بالنسبة للغالب من طلاب كلية الآداب أما بالنسبة لي ولبعضٍ آخر من زملائي فقد كان أفضل ما يمكن للمرء أن يقرأه في زحمة الملصقات السياسية الهابطة، فمجرد وجود مرسم في الكلية كان من الأمور التي كنا نحلم بها، فما بالك والمرسم بإشراف واحد من إعلام الفن التشكيلي والأكاديمي العراقي؟
أعرف خالد الجادر كإسم منذ الفترة التي أعقبت ثورة الرابع عشر من تموز وكنت مطلعا ومعجبا بالتخطيطات التي كانت تتصدر، على وجه الخصوص، صحيفة 14 تموز الأسبوعية الناطقة باسم الجمعيات الفلاحية. كان عمري في تلك الحقبة التي ازدهرت فيها حرية الصحافة بين 9 ـ 10 سنوات وكان أبي يجلب كل ما يمكنه من الصحف يوميا حتى باتت الصحف تشاركنا قوة يومنا حسب ما قالته أمي في يوم من تلك الأيام. في ذلك الحين شهدت الصحف العراقية، أسبوعية كانت أو يومية، ظهورا انفجاريا. بوسعي، أنا اليافع في ذلك الحين، أن أتذكر بعضها: اتحاد الشعب، البلاد، الحضارة، الإنسانية، 14 تموز، الأهالي، الحرية، الفجر الجديد، العهد الجديد، الجمهورية….
كان مرسم كلية الآداب يشغل مكانا واسعا في أحد مسلكين على يمين ويسار الداخل إلى الباحة الرئيسية للكلية وكان واسعا قد يقارب الخمسين مترا مربعا أو أكثر، ذا شبابيك واسعة تطل على حديقة الكلية موفورَ الإنارة، مجهزا تجهيزا ممتازا.
كان ثمة مرسمٌ ثانٍ في البناية القديمة لكلية التربية الملغاة تحت إشراف الفنانة نزيهة رشيد والفنان الراحل عزيز الحسك الذي التقيت به أول مرة هناك.
عزيز الحسك من إحدى عائلات بعقوبة المعروفة ولكنني لم ألتق به إلا في تلك الفترة. كان قد عاد توا من بولونيا حاصلا على شهادة تعادل الماجستير بامتياز وكانت تقنياته بالزيت تعكس مهارة كما سأكتشف بعد ذلك حين أصبحنا أصدقاء نكثر من اللقاء بعد عودتي للإقامة في بعقوبة في أواخر الثمانينات، أما شخصيته فكانت فريدة من كل الوجوه وخصوصا روح المرح. كان الراحل الحسك متحمسا جدا في تلك الفترة وكان يرى انه يستحق أن يكون مدرسا في أكاديمية الفنون الجميلة كما أفصح أكثر من مرة رغم اني على قناعة من إنه لا يمكن أن يستمر في أي عمل وظيفي، فقدم طلبا الى عميد الكلية قائلا أن الراتب الذي خصص له، وهو الساكن في بعقوبة على بعد 65 كيلومترا، لا يكفي وانه ليس بوسعه العمل أكثر من يومين في الأسبوع! لم يتوقف عزيز عند مجرد الاعتقاد بذلك بل قدم طلبا لعميد الكلية بذلك، أما العميد فلم يتردد وكتب على الطلب انه موافق على أن يعمل الحسك مرتين في الأسبوع فقط، عمل الحسك بضعة شهور بموجب القواعد الجديدة وما لبث أن ترك العمل الوظيفي مرة وللأبد!
أما الفنانة نزيهة رشيد فكانت فنانة رقيقة وواحدة من الملونات الرائعات بين رسامي العراق وخصوصا النساء وتذكرني أعمالها بالأعمال اللونية البارزة للفنان الألماني أوكست ماكه ()، لكنني لم اسمع منذ ذلك الحين الكثير عنها أو أشاهد نشاطا لها، وسمعت من البعض انها قد غادرت العراق مبكرا إلى دولة أوربية.

من الممكن أن أكون رساما!
حين زرت المرسم الحر الذي كان تحت إشراف خالد الجادر وألقيت التحية عليه في خريف العام 1969 كانت تلك أول مرة ألتقيه فيها، رويت له اني اعرف أعماله وخصوصا العديد من التخطيطات التي تتصدر الصفحة الأولى من صحيفة 14 تموز فقلل من شأنها قائلا انها تخطيطات سريعة.
سيكون بوسعي لاحقا أن اطلع على نوع آخر من التخطيطات لخالد الجادر ولكنني مع ذلك لا أجد إلا أن أعبر عن إعجابي بتخطيطاته المبسطة التي يستخدم فيها خطا واحدا فقط، على أنني سأعرض بتفصيل لاحق وجهة نظري بتخطيطات خالد الجادر.
قدمت نفسي رساما بعد أن كنت قد حصلت على العديد من المكافئات في الابتدائية والإعدادية فسألني أن اجلب له بعضا من أعمالي كي يراها. في يوم لاحق كنت أزوره ومعي بضعة لوحات كانت أحداها زيتية أعتز بها كثيرا تمثل حياة ساكنة بموضوع عراقيٍٍ أثير مرتبط بتقليد شاي العصر الذي كان يمثل طقسا عراقيا، لم يكن هذا الطقس يتعلق بمجرد شرب قدح من السائل الداكن والدافئ المحلى بالسكر ولكنه كان علاقة اجتماعية ودفء أسري يعكسان علاقات ذاك الزمان واسترخاء الأسرة العراقية حتى أن شاكر السماوي قد كتب في إحدى قصائده مادحا: ” يا شاي العصر وأطعم…. يا خبز بيت “.
كان المشهد يمثل إبريقا وغلاية وقدح شاي. كنت قد عملت كثيرا على إظهار إلتماعات مادة الألمنيوم للغلاية وإظهار الخزف المزين بالورود لإبريق الشاي كما عملت على محاكاة لون الشاي في القدح الصغير حتى الملعقة الصغيرة المذهبة المغمورة في الشاي وطيات الشرشف. كان الموضوع حميميا وجذابا لكل عراقي لا يلقي بالا، كما سأفهم لاحقا، للتقنيات وتحديثاتها فقد كانت اللوحة مرسومة كليا بروح أكاديمية كنت فيها مفتونا بالمحاكاة.
عدا هذه اللوحة كنت قد جلبت معي مشهدا يمثل نهر ديالى من منظور علوي، وعملا آخر هو لوحة بألوان التيمبرا (أو البوستر) لمنطقة تسمى المنتريس في (بهرز)، ضوء الشمس فيها يسقط من الأعلى مذهبا حافات جدران البيوت الطينية وسطوحها، الدخان بلونه الحليبي المزرق يتصاعد من التنانير حيث تعمل النسوة في تحضير الخبز، والنخيل يؤطر البيوت في يوم ربيعي طري مشمس، هذا الموتيف سأرسمه عدة مرات لاحقة باساليب مختلفة.
أستبعد الجادر لوحة الطبيعة الساكنة التي تمثل تحضير الشاي العراقي دون أن يلقي لها بالا، وانتقل إلى المشهد الذي يمثل نهر ديالى ونصحني أن اقلل من الالوان الحارة والتفاصيل في الجزء البعيد في اللوحة الذي يقارب الافق من اجل تعزيز البعد الثالث واعطاء المشاهد شعورا بالعمق، أما اللوحة الأخرى فرأي أن شجرة جافة غير ضرورية للمشهد، نصحني أن اعمل بهذه التعديلات فورا ثم أضاف:
ـ انت من الممكن أن تكون رساما!
هناك الكثير مما يجب تعلمه
و جدت بعد حين انني حقا في بداية الطريق وانني ارسم تماما بغريزتي وعواطفي وعيني فحين استمعت الى العديد من الأمور التي أصبحت بديهية الآن من تعليمات ونصائح من الدكتور خالد الجادر استعملت عقلي مع عيني في الرسم وأشركت تاريخ الفن في الحكم على ما هو مستهلك، مكرر وما هو اصيل ولكنني قبل ذلك تساءلت مع نفسي: لماذا لم يكن مدرسونا يعلموننا شيئا من هذا؟
في أقل من سنة كنت حصلت من الجادر على العدة الأساسية التي سأحتاجها في كامل حياتي اللاحقة كرسام، وأهم ما في ذلك أن الجادر كان مستعدا لإعطاء الكثير بدون أية حدود بما في ذلك السماح لبعض منا وأنا منهم بإكمال لوحات بدأ برسمها ولم تكتمل بعد ليعرف كيف نستطيع حل اشكاليات اللون والتكوين.
كان راغبا وقادرا على تزويد الدارس لديه بكمية هائلة من العدة المعرفية سواء في مجال التكوين (composition ) أو اللون أو كل ما هو ضروري للوصول إلى لوحة ناجحة. فقد كان يشرح لنا كيفية تجنب التكوين الرتيب (monotony ) وعلاقة التكوين بتكرار الأفقيات وكيف نستطيع أن نوازن ذلك بأشكال أو خطوط عمودية. لم يكن مهتما بتكوين الكتلة وشكلها فحسب بل كان مهتما بتكوين الفضاء الناشئ عنها ” كفضلة أو ناتج عرضي “، تعودنا منه أن نرى الفضاء كشكل ابداعي ينبغي الاهتمام به شكلا ولونا وإنه ليس ناتجا عرضيا على الاطلاق انما جزء فاعل في التكوين.
رسم مرة ثلاثة اشخاص فرأى أن اثنين منهم بطول واحدة فأنقص من طول احدهما فكوّنت الرؤوس بشكلها الجديد شكل مثلث فلم يرضَ بهذا الحل قائلا انه شكل المثلث لثلاثة اشخاص هو تكوين كلاسيكي مستهلك، فغيره مرة أخرى. كان يراعي التوازن الهندسي والتكويني في امتدادات الخطوط والكتل والألوان بأن يسمح لها أن تهرب إلى ما هو ابعد من حدودها، من ضروراتها أو تبريراتها الواقعية.
يرسم الجادر بطريقة دائرية مؤكدا على علاقة كل جزء من اللوحة بجزئها اللاحق وهو بذلك لا يلجأ إلى إكمال جزء منفصل انما يقوم بتأسيس كامل اللوحة بواسطة مساحات شفافة وبألوان ليست نهائية تحتاج الى المزيد من التفاصيل وبحركة دائرية نحو اليسار أو نحو اليمين، ثم يقوم بإكمال التنفيذ لاحقا بعد أن يطمئن للتكوين القائم على التوزيع العام للمساحات، لقد فهمت هذا الأسلوب مقارنة بأساليب سأتعرف عليها لاحقا تقوم برسم اللوحة عن طريق الزحف من جهة الى أخرى في تتابع لأجزاء منجزة تماما. الحالة الاخيرة هذه تعكس أن الفنان لا يساوره أي قلق وانه مستقر وأقرب إلى الناسخ منه إلى الرسام أما اسلوب الجادر فكان يعني أن لا شيء لوحده، لا لون ولا تكوين بذاته بإمكانه أن يكون كاملا دون علاقته بالاجزاء الاخرى وإن انجاز اقسام أخرى من اللوحة قد تملي على الرسام تعديلا جديدا. لم يكن الجادر يقينيا في العمل، لم يكن بدون قلق كما يحلل ا لبعض، أقصد القلق بمعناه الابداعي بل على ا لعكس كان ينظر إلى كلية اللوحة بروح الموسيقى وتتابعها وعلاقات عناصرها، الفرق أن الموسيقى ذات تتابع زمني واللوحة ذات تتابع مكاني كسطح.
يوزع الجادر ليس الالوان والكتل فقط بل يهتم بتوزيع كتلوي لما هو داكن وما هو مضيء، يقول أحيانا مؤشرا: أريد هنا شيئا داكنا. نراه احيانا يرسم في مشهد طبيعي واقعي وبسرعة كتله ذات حجم معين دون أن يحدد ما هي، وحين نسأل: ما هذه؟ يقول:
ـ يجب أن تكون شيئا ما، لا أدري ما هو، سأقرر ذلك لاحقا أو أبقيها هكذا ببساطة بدون أي تحديد ملموس.
إنه يزاوج بين ما هو واقعي وما هو تجريدي من أجل توازنات التكوين دون أن يكون مذعنا للواقع حرفيا انما يسعى في فنه إلى إعادة خلق واقع متوازن رغم انه من حيث المبدأ مستمد من واقع محدد وملموس.

التحضيرات التقنية
على خلاف ما هو معروف من أنانية وحب مَرَضي للذات بين القسم الغالب من الفنانين كان الجادر يعلم الدارسين لديه كل ما يمكن أن يستوعبوه. وعدا عن التعامل الجمعي الماهر فإن الجادر كان قادرا على التعامل الفردي مع الدارسين لديه تأسيسا على قدراتهم الفردية.
انصبت دروسه الاولى على التهيئة الاولية للمستلزمات المادية للعمل أولها كيف نستطيع بأنفسنا تهيئة باليت الرسم (الملونة) بقطع شكلها المرسوم على خشب المعاكس ثم إشباعها بزيت بذور الكتان بواسطة قطعة قطن وتركها تجف فتكون بذلك طبقة عازلة لا تمتص الالوان التي تخلط عليها ويصبح من السهل علينا تنظيفها وإزالة الألوان غير المرغوب فيها.
بعد انتهاء يوم العمل كان تنظيف الفرش من الواجبات اليومية فكنا نغسل الفرش بواسطة مسحوق الصابون والماء الحار حتى يعود للفرشاة لون الشعر الاصلي الذي يكون الابيض في الغالب، هذا عدا الاهتمام الخاص بفرش السيبل (sable) ذات الشعر الاحمر وكان يرشدنا إلى التقنيات التي نستعمل فيها هذا النوع من الفرشاة فهي غالية الثمن وسريعة التلف وتستعمل في عمليات الإنهاء (finishing)، كنا فيما سبق وخصوصا اثناء دروس الرسم في الإعدادية نترك الفرش مغموسة في النفط مما يقلل من عمرها ويشوه استقامة شعر الفرشاة ويجعلها غير ملائمة لتحقيق التقنيات التي صنعت من أجلها.
كانت خبرته في الألوان وتكوينها الكيمياوي لا تجارى، فكان يشرح لنا الرموز التي تحتويها انابيب الزيت ومدى جودتها وكان يحذر على سبيل المثال من اللون المسمى الفيرمليون الاحمر الذي يرى إنه يتحول إلى اللون الرمادي بعد مرور وقت قصير. وأولى اهتماما لتعليمنا أنواع المذيبات ونسبة زيت الكتان إلى مادة التربينتاين مع اضافة قطرات معدودة من مادة الوارنيش الطبيعي لإضفاء ألق على اللوحة يمنع تقادمها. وينصحنا بإستعمال الأقمشة المعمولة من المواد النباتية الطبيعية كالكتان في تحضير قماشة اللوحة.
وفي استعمال الباليت كانت له طريقة خاصة وغاية في الرشاقة في خلط الألوان. قال أكثر من مرة انه يستطيع أن يحكم على مهارة الفنان من خلال الباليت.

رسم البورتريه
طريقته التعليمية لرسم الوجوه (البورتريه) بالزيت تقوم على رسم الوجه بقلم الرصاص كاملا مع الظل ثم رشه بمادة التثبيت (fixative) كانت متوفرة في المرسم لكي تشكل طبقة شفافة عازلة تمنع اختلاط لون قلم الرصاص بالزيت مما يحد من بريق اللون ويكون رش المادة المثبتة بواسطة انبوب معدني صغير متصل بانبوب آخر مثله ومتعامد عليه يتم النفخ فيه. وحين نفذ المثبت في احدى المرات قال لأحد الزملاء أن يجلب مقدارا من الحليب من نادي الكلية، وقد استخدمنا الحليب كمثبت كما شرح لنا الجادر حيث يقوم بنفس المهمة. وفي نهاية السنة بعد التمكن من رسم البورتريه بهذه الطريقة نصحنا الجادر أن نرسم بالزيت مباشرة وبدون أي تخطيط.
كانت هناك مجموعة من الطلبة من الذين يمتلكون مواهب متفاوتة بدءوا يختلفون إلى المرسم الحر منهم عماد عبد السلام رؤوف، عبد الهادي العادلي، علا الطائي وآخرين لا اتذكر أسماءهم وقد انشغلنا بالرسم تحت إشراف الدكتور الجادر وتوجيهاته، كان الدكتور الجادر يدرك أن الوقت سيكون قصيرا إذ لم نكن متفرغين تماما وكان أغلبنا في السنة الدراسية الأخيرة لذلك كان ينصحنا بأن لا نقف مفكرين طويلا أمام اللوحة حين نرى انها غير مقنعة انما يطلب منا ان نباشر برسم لوحة اخرى لكي نطور اسلوبنا في اللوحة القادمة ومن ثم في نهاية العمل في المرسم الحر أي قبل فترة قصيرة من التحضير للمعرض الذي كان في نهاية السنة الدراسية نقوم بتقييم اللوحات التي أنجزناها والعمل فيها مجددا على ضوء ما تعلمناه وحققناه في اللوحة الأخيرة.
تم حينذاك الاعلان عن تأسيس جماعة الآداب بتشجيع من الدكتور الجادر الذي اختار الاسم بنفسه وأقيم المعرض بتشجيع ودفع كبيرين من عميد الكلية آنذاك الدكتور محمود غناوي الزهيري، وفي اليوم الذي سبق المعرض بقي الدكتور الزهيري والدكتور الجادر حتى وقت متأخر من الليل حتى انجزنا تعليق اللوحات وتهيئة المعرض للافتتاح في اليوم التالي، وكان الافتتاح في اليوم التالي في يوم الكلية حاشدا، وفي نهاية حفل افتتاح المعرض تم توزيع جوائز تقديرية على المشاركين في المعرض من قبل العميد الدكتور الزهيري وكانت عبارة عن مجموعة كتب قيمة منها جزءان من كتاب مقدمة في تاريخ الحضارات للدكتور طه باقر وأطلس الزخارف الاسلامية الذي يعد مرجعا مهما لفنون الزخرفة الإسلامية.
 ليس هناك أي شك في أن الجادر كان عَلَما من أعلام الثقافة العراقية لم يأخذ دوره الذي يتناسب مع ما يتمتع به من إمكانيات كما إنه لم يحظ بالاهتمام الذي يستحقه حتى الآن، وإذا ما تم التضييق على دوره والحد منه بسبب أنظمة القهر والطغيان التي سادت معظم التاريخ الحديث للعراق فإنه بقي مُتجاهَلا رغم ما يفترض وما يُدّعى من أن أزمنة القهر قد انصرمت وولت، فلم تقم حركة سياسية أو سلطة ما برد بعض الاعتبار له بشكل ما. كانت الهجرة القسرية هي أسلوبه في الاحتجاج فقد أشّرت توقيتاتها إلى الانعطافاتِ المأساوية في تاريخ العراق، فالهجرة الأولى كانت في أعقاب انقلاب الثامن من شباط الدموي الذي انتهى به الى معتقل خلف السدة وقد أدمي ضربا من قبل بعض أفراد الحرس القومي يشاركه الزنزانة نخبة من خيرة العقول العراقية، كانت هجرته القسرية الثانية في العام 1980 التي شهدت المزيد من تدهور الأوضاع في العراق والتي تُوّجت بالحرب العراقية الإيرانية التي كانت معلما في تاريخ الخراب العراقي. وقد روى الجادر لي حين كنا في المرسم الحر إنه غادر العراق في الخمسينات قبيل ثورة تموز لفترة قصيرة تهربا من رسم بورتريه للملك.
أما ما كتب عن ا لجادر فلم يكن سوى مجهود فردي نبيل يتضمن قسمٌ منه العرفان بالجميل والقسم الآخر كتب مدفوعا بالمسئولية الادبية امام ضرورة التوثيق لهذا العَلم الثقافي الذي لم يحظ بما يستحق من الاهتمام، إلا ان هذا الجهد هو للأسف جهد مشتت، على أن مهمة جمع المقالات التي كتبت عنه ربما ستكون عملا ممتازا قادرا على أن يحيط ببعضٍ مما في شخصية الجادر من فرادة وجدية وتكريس، فهو من النادرين الذين جمعوا بشكل وثيق ومترابط بين الثقافة بمعناها العام والشامل والفن والموقف في وحدة لا انفصام لعراها.
 لم يكن الجادر يجامل أو يهادن على موقفه  رغم أن من الثابت حسب أغلب الكتابات عنه (وهي نادرة في كل  الأحوال) إنه لم يعمل في أي حزب سياسي ولكنه لم يكن يوما بدون موقف واضح فدفع بذلك ثمنا ليس بالهين فقد أقصي بعد اعتقاله بعيد الثامن من شباط من عمادة أكاديمية الفنون الجميلة التي تسنّمها بعد ثورة 14 تموز والتي كما سمعت منه إنه كان أحد مؤسسيها، بعدها اكره على أن يقضي في الغربة بعيدا عن الوطن وقتا أكثر مما في وطنه أو انه شغل حين عودته للوطن مركزا دون ما يستحقه بكثير.
لا شك إننا طلابه في المرسم الحر في كلية الآداب كنا فرحين به وسعيدين بهذه الفرصة النادرة، وكان هو بنفس القدر فخورا بنا،  فقد عبر أكثر من مرة عن شعوره بالرضا قائلا إن المستوى الذي وصلنا إليه يساوي المستوى الذي وصل إليه زملاؤنا في أكاديمية الفنون الجميلة، لكني حين أمعن التفكير أجد أن ما يمكن اعتباره حظا سعيدا بالنسبة لنا نحن الدارسين على يده، ربما لم يكن كذلك بالنسبة له، فهو لم يشغل حينذاك المركز الذي يستحقه والذي يتناسب مع قدراته الفذة .
كان من ضمن ما روى في المرسم الحر في كلية الآداب حينذاك كيف انه اعتقل وضرب بعد انقلاب الثامن من شباط وكيف أن خزانة عمادة الكلية التي كانت تحتوي على العشرات من الكتب الفنية القيمة قد حطمت وكيف أن الكتب قد أحرقت وأشار إلى أنه اُودع السجن وكان معه في غرفة صغيرة أكثر من عشرة من خيرة أساتذة الجامعة كانوا يُضربون حتى يُدمون وكان معه في نفس غرفة المعتقل الراحل الدكتور عبد الجبار عبد الله والدكتور الراحل مهدي المخزومي وآخرون.
و مقارنة بفناني العراق الآخرين من الذين لا يتفوقون عليه فنيا وفكريا مثل جواد سليم وفائق حسن بل وحتى مقارنة بفنانين مثل الدروبي فإن الجادر لم يحظ باهتمام نقدي أو دراسة مكثفة، كما لم يُصر إلى تحليل جاد وموسع لأعماله الزيتية والتخطيطية.
حتى الآن لم تقم أية حكومة عراقية بإطلاق اسماء فناني العراق الكبار ومثقفيه على معالمها الحضارية أو شوارعها أو ساحاتها فلم نسمع أو نقرأ أن هذه الساحة أو ذاك الشارع يحمل إسم خالد الجادر أو جواد سليم.. الخ، فما الذي سوف يقوله بهذا الخصوص المتحمسون الذين يرون أن كل الشرور قد زالت بسقوط الديكتاتوريات وزوال الأنظمة العسكرية؟ هل إن اطلاق اسم احد من أعلام العراق الثقافية هو مهمة صعبة مرتبطة بما لا أدري من الصعوبات المالية والسياسية التي يجري تعدادها كلما جاء ذكر الاستحقاقات؟ وهل جرت مرة مناقشة هذه الفكرة في البرلمان العراقي؟ وهل أن حزبا ما يدعي الدفاع عن المثقفين ناهيك عن تمثيلهم قد قدم مبادرة بهذا الخصوص في الوقت الذي تحمل شوارع بغداد والمدن العراقية وساحاتها أسماء لا معنى لها فارغة من المعنى مثل “ النهضة “ و” الكفاح “ و” النضال “.. الخ أو أسماء شخصيات ثانوية لا دور تنويري لها البتة؟
يبدو من حيث الجوهر أن مواقف جميع الحكومات العراقية لم يتغير من الثقافة ورموزها.
 
 قدرة الجادر على تحليل العمل الفني
 الجادر: تخطيط رقم واحد   إذا ما كان بعض فناني العراق البارزين مثل فائق حسن يتمتعون بمهارة تقنية ولكن ليس لديهم ما يوازيها من  المعرفة النظرية والنقدية والتحليلية  فإن الجادر امتلك قدرة تحليلية ونقدية  استطاع، تأسيسا عليها، من أن يشير إلى طرق الخروج بالعمل الفني من اشكالياته ودفعه إلى الأمام. لعله من الأفضل مثلا رؤية فائق حسن يعمل والتعرف على اسرار تقينات الزيت من خلال مراقبته إثناء علمه لأنه لا يمتلك قدرة لغوية تمكنه من تحليل العمل كما انه لا يمتلك ثقافة عامة، إلا أن الجادر يمتلك كلا الخاصتين: القدرة على اعطاء مثال تطبيقي بمراقبة طريقته في العمل  أو الاستماع إلى طرحه اللغوي لمزايا عمل وعيوبه والتحليل الذي غالبا ما يلجأ اليه اثناء التقييم، هاتان المهارتان اللتان يتوفر عليهما الجادر تشتركان في تكوين وحدة تعليمية مجسمة قادرة على الإحاطة بأسرار العمل الفني.
 عدا ذلك فإن لدى الجادر معرفة بالعديد من اللغات مثل الانكليزية والفرنسية وسّعت أفقه المعرفي والنقدي وهو مطلع جيد على الموسيقى والبالية وقد رسم موتيفات عن الباليه تذكر بأعمال ديغا، ولعل زملائي في المرسم الحر يذكرون كيف إنه جلب إلى المرسم جهاز الغرامفون والعشرات من الاسطوانات وكان يرى إن الاستماع إلى الموسيقي يعمق اهتمام الفنان التشكيلي بعمله، وعلى يده تعرفنا، زملائي وأنا، على سمفونية ريميسكي كورساكوف شهرزاد التي كنا نكثر من الاستماع اليها اثناء العمل، وحين ابدينا اعجابنا بكمانها المنفرد ومحاكاتها للروح الشرقية رأى الجادر إنها سمفونية بسيطة واننا سنغير رأينا إلى ما هو اعمق بعد أن نتعرف على الموسيقى الكلاسيكية بشكل اوسع وخصوصا اعمال بتهوفن، تشايكوفسكي، موتزارت، باخ، فرانز ليست وآخرين وكانت توقعاته في محلها.
هذه المعرفة الواسعة منصهرة في وحدة فكرية جعلت الكثير من اعماله تغادر السطح إلى ما هو اعمق كما سنرى، كما تعكس لوحاته عمقا ثقافيا وروحيا. الوحدة الفكرية  هذه مبنية على تعدد أوجه ثقافة الجادر من جهة وقدرته، من جهة اخرى، على دمجها معا وتوظيفها في كل موحد يسم اعماله وقدرته النقدية وملامح شخصيته الجذابة على حد سواء.
لا أزال وبفضل النموذج الذي قدمه أمام ناظري حريصا في الدروس التي أقدمها للرسم بالالوان المائية والاكريلك على تخصيص نصف الساعة الأخير من كورس الرسم لتحليل اعمال الدارسين من الناحية اللونية والتكوينية مع إشارات إلى تاريخ تطور الأساليب الفنية حتى بات ذلك تقليدا يطالب به الدارسون أنفسهم.
فالعمل الفني يتطور حين ينصهر في  الفنان جانبان: المهارة والقدرة النقدية، وهذه الأخيرة قد لا تكون بالضرورة لدى الفنان مقالا مكتوبا او كلاما منطوقا ولكنها من الممكن، بل من الضروري، أن تكون فعلا نقديا يصار إلى تنفيذه على القماش او خامات العمل الفني الاخرى وآلية معتمدة للخروج بالعمل الفني من مرحلة سابقة تم تجاوزها إلى عمل آخر يحمل دائما ما هو جديد.
الجادر كان عدا ذلك مطلعا على تاريخ الفن بشكل كبير وشامل، ورغم إن شهادة الدكتوراه التي حصل عليها كانت عن تاريخ الفن الإسلامي إلا أن إطلاعه على تطور الفن التشكيلي العالمي والاوربي بشكل خاص كان واسعا ويمكّنه من تقديم سلاح نظري يدعم القدرة التشكيلية وقدرته التدريسية التطبيقي منها والعملي.
 
الأعمال الزيتية والتخطيطات
تخطيطات الجادر تمثل أعمالا فريدة من حيث الأسلوب. لم تكن تخطيطاته دائما تحضيرا للوحة زيتية أو عملٍ كبير بل كانت اعمالا فنية متكاملة قائمة بذاتها.
بشكل عام يمكن تقسيم تخطيطاته إلى نوعين:
الأول: الأعمال التي نفذت بالخط الخارجي والتي تكون خالية من التفاصيل والظلال. هذا الأسلوب من التخطيط معروف وسائد في فن التخطيط في القرن العشرين وخصوصا لدى بيكاسو وماتيس والذي يعتمد الخط الخارجي. يعكس هذا الفن مهارة فالعمل ينجز مرة واحدة ويتجنب الفنان إجراء أية تعديلات  عليه.
اما الاسلوب الثاني الذي يسم اغلب أعمال التخطيطات لدى الجادر فهو العمل بالحبر والذي يتضمن الكثير من التفاصيل والظل وانصاف الظلال (نصف تون).
حسب ما رواه الجادر فانه، لتحقيق بعض أعماله من هذا النوع، يستعمل قطعة خشب من صناديق التفاح المستورد (حينذاك من التفاح اللبناني الذي يوضع في صناديق صغيرة)، كان الخشب المقصود أبيض اسفنجيا يمتص الحبر جزئيا. يقوم الجادر بأخذ قطعة من هذا الخشب بحجم القلم تقريبا ثم يقطع الخشبة بشكل مائل مشابه لقصبة الخط العربي وحين يغمس الخشبة في الحبر يستعمل جزءها المدبب المشبع بالحبر السائل لملئ المناطق الداكنة طالما أن الحبر لا يزال كثيفا وثقيلا، ثم ما يلبث أن يستعمل جزء الخشبة العريض بعد ان لا يبقى الكثير من  الحبر السائل فيه وانما بقية من حبر شبه جاف وبواسطة سحبات خفيفة لتحقيق النصف تون خصوصا على الورق المحبب حيث يعلق الحبر شبه الجاف بالأجزاء البارزة من الورق المحبب فيما تبقى الأجزاء العميقة بيضاء كما نلاحظ في التخطيط رقم واحد.
و كما ذكرنا في ما تقدم من هذا الموضوع من أن الجادر يزاوج في بناءه للتكوين بين الاشكال المبررة واقعيا (الجدران، البيوت، الشبابيك، الأبواب..إلخ) وبين ما هو مبرر جماليا أو تجريديا فيعمد إلى رسم اشكال مجردة لا معني لها الا تشكيليا، حين يقول: يجب أن يكون هنا شكل ما لا ادري ما هو.
هذا العمل التخطيطي والكثير من الاعمال الزيتية تعكس هذا المثال، لاحظ
عزيزي القارئ الكتلة المقوسة الى اليمين،  بهذا يؤكد الجادر ما يعتمده فكريا في تطوير أسلوبه في أن الواقع هو
نقطة الانطلاق دون أن يكون على الرسام أن يكون
مذعنا لكل ما يقدمه الواقع له.

 أعماله الزيتية
 ينقل الأستاذ فراس عبد المجيد في موضوعٍ منشور عن الجادر قوله انه كان يرسم برومانتيكية، وقد مكنته باريس من الانتقال من الرومانتيكية إلى الواقعية، أما الفنان الراحل شاكر حسن آل سعيد فقد كتب عن لوحات الجادر بأنها تعبيرية.
لوحات الجادر وخصوصا التي تمثل القرى العراقية ببيوتها الطينية المتراصة إلى جانب بعضها البعض كانت في الغالب ذات سماء داكنة منذرة كما كتبت مرة في موضوع “ الملامح العامة للفن التشكيلي العراقي في عقدي الثمانينات والتسعينات “  تذكر المرء بأجواء القصيدة السيابية: “ أكاد اسمع العراق يذخر الرعود “ هذه اللوحات بقيت تحمل في طياتها ما يمكن اعتباره من بعض الوجوه جوا رومانسيا وما يمكن اعتباره تعبيريا ايضا بما يتطابق مع وجهة نظر آل سعيد، ولكن المدارس الفنية التقليدية والتي نشأت في القرون الثلاثة الاخيرة حتى اوائل القرن العشرين لم تعد قادرة على تغطية التشظي الذي باتت عليه أساليب الفنانين فردية وشخصية ينبغي أن تركز على الملامح الاسلوبية قبل كل شيء، بهذا يكون اسلوب الجادر وفنه كما هو فن الكثير من فناني النصف الثاني من القرن الماضي لا ينضوي تحت أي من المسميات التقليدية وإنما أسس أسلوبه الفردي.
بعض اعمال الجادر في التخطيط أو تلك المرسومة بالزيت هي أعمال ذات رسالة إنسانية تذكر بأعمال الفنان الفرنسي ميليه الذي تناول حياة الفلاحين وطريقة حياتهم وروابطهم الأسرية بنوع من التعاطف الانساني  كان سائدا في مجال الادب أيضا كما في الروايات التي كتبها جارلس ديكنز أو فكتور هوغو، واذا ما كان موضوع اللوحات ذات الهم الانساني مطروقا  فإن أسلوبها لدى الجادر معاصر تماما. يتعاطف الجادر مع ضحايا الظلم الاجتماعي ومنهم الفلاحون الذين عانوا من ظلم الاقطاع على وجه الخصوص، ربما بسبب ذلك كان يرسم الكثير من التخطيطات لصحيفة 14 تموز الناطقة باسم الجمعيات الفلاحية.
القرية العراقية   يعكس اهتمام الجادر بالقرية العراقية كموتيف اهتمامه بأن يعكس العلاقات الاجتماعية السائدة وتلاحم الأجساد البشرية والتعاطف والتضامن الدافئ الذي ربما يكون التعويض الوحيد عن الظلم الاجتماعي والاستغلال وغياب الرعاية المؤسساتية.
اذا ما حللنا عمله التخطيطي أدناه فسنجد انه يمثل ذروة تكوينية: ثلاثة أجساد صغيرة إلى اليمين ثم ثلاثة أجساد أخرى متدرجة الطول على يمين الأم (يسار المشاهد) وعلى خلاف هؤلاء الثلاثة الذين يبدو عليهم البؤس والمسكنة هناك جسد صغير لطفل صغير يبدو، على خلاف اخوته، عنيدا مشاكسا. الأم تحمل رضيعا، الشباك ودوره في إكمال التكوين. الأم هي المركز، يتحلق حولها الصغار في يوم بارد كما تتحلق أفراخ الدجاج حول الدجاجة الأم. ثمة ثمانية صغار! ولكن الام تبدو صبية يافعة، تحمل هذه الالتفاتة إشارة إلى العلاقات الاجتماعية في الريف والزواج المبكر. هنا يوجد تاريخ اجتماعي كامل، هنا يوجد دفئ انساني وشحنة عاطفية وحب للموضوع  بما لا يمكن للعين أن تغفله.
الجدران الطينية للقرى والمدن والأحياء القديمة التي تغيرت واكتسبت تضاريسها بفعل الزمن وتعاقب السنين وعوادي الطقس ما ترك آثارا عليها ربما يكون هو الذي أوحى للجادر  بنوع  من التكنيك سنجده في أعماله التخطيطية والزيتية على حد سواء، فكما ذكرنا من استعماله للنصف تون الذي يمثل نصف الظل أو الانعكاسات الثانوية للضوء على سطوح الجدران والتي نفذها بواسطة خشبة من صناديق التفاح فإنه لتحقيق نتائج مشابه بواسطة الزيت يلجأ أيضا إلى التكنيك الجاف بواسطة سحب فرشاة كبيرة محملة بلون زيتي كثيف (غير مخفف بواسطة المذيبات) على سطح خشن رسم بالزيت وترك حتى جف، سحبة الفرشاة الأخيرة التالية التي يتم تنفيذها برفق وبدون ضغط تسمح للون الجديد بأن يعلق بحبيبات اللون السابق المخالف (فاتح على داكن والعكس) دون أن يزيله. تشبه سحبة الفرشاة هذه مسار ضوء المذنب الذي يتلاشى في سماء داكنة مخلفا حبيبات من الضوء. كان الجادر يحب العمل بفرشاة كبيرة ويترك هامشا للعفوية ولكنها تلك التي يحققها بتكنيك مدروس.
 
اللقاء الأخير
بعد التخرج من كلية الآداب زرت الجادر مرتين كانت هي الأخيرة قبل أن يعود إلى التغرب واسمع بخبر رحيله بعد ذلك بسنوات وأحظر اربعينيته في أوائل العام 1989، كانت الاولى في المعرض الكبير الذي أقامه على القاعة الكبرى في المتحف الوطني للفن الحديث (كولبنكيان) في بغداد في شتاء 1971. كان المعرض شاملا ولم تكن جدران القاعة كافية فتم تقسيمها بحواجز (partitions) وعرض فيها عشرات اللوحات تمثل مراحل مختلفة من تطور فنه.
و كانت الزيارة ثانية في مرسم كلية الآداب الذي انتقل إلى مكان آخر من الكلية. كنت متخفيا لأسباب سياسية وكان هو يعرف بذلك وقد عرض علي تقديم المساعدة وموادا للرسم وطلب مني الاستمرار تحت كل الظروف، لم يكن الأمر سهلا فلم ارسم الا القليل من اللوحات ولم يكن من السهل علي وعليه أن أزوره بانتظام رغم أني كنت تواقا لذلك.
و في أواخر سنة 1988 سمعت بألم بخبر وفاته وحضرت أربعينيته، شاهدت هناك الدكتور مهدي المخزومي والشاعر رشدي العامل والدكتور وليد الجادر وقد رحل  جميع هؤلاء بعده بفترة قصيرة.
حضر اربعينية  الجادر نخبة من الفنانين والكتاب منهم محي الدين زنكنه، ضياء حسن ونوري الراوي الذي القى كلمة مؤثرة وآخرون. كانت الفنانة السيدة وداد الاورفلي التي كانت احدى طالباته تجلس إلى جانبي وتنتحب وتهمس “ قتله الظّلام “ أي الظلمة. أقامت الفنانة الاورفلي على القاعة التي تديرها في بغداد معرضا له ضم العديد من اعماله بعد أن أقام له اخيه الراحل وليد الجادر معرضا استعاديا كبيرا في احدى قاعات مركز صدام للفنون في بغداد. 
و أنا استعيد ذكراه اليوم اتذكر ما قاله الجواهري بحق زميله الدكتور عبد الجبار عبد الله:
أهز بك الجيل الذي لا تهزه   نوابغه حتى تزور المقابرا
تحية لذكراك العطر



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية