العدد (3104) الثلاثاء 17/06/2014       بورصة الاذاعة       فرانكلين روزفلت       كبف نجوت من حبل المشنقة       كلاريتاتشي .. عشيقة موسوليني!       على هامش اجتماعات الزعفران       طلق زوجتك       اولاد بابا شارو اصبحوا كبارا       اعترافات زكي طليعات       العدد (3103) الاثنين 16/06/2014    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :13
من الضيوف : 13
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 4797865
عدد الزيارات اليوم : 4741
أكثر عدد زيارات كان : 20719
في تاريخ : 14 /12 /2011
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق اوراق


"طاقية تيمور".. عندما تغدو الكتابة لليافعين فناً رفيعاً


سناء  يعقوب  * - زيورخ
تنجم  صعوبة الكتابة للأطفال بشكل عام ولليافعين بشكل خاص من الموازنة بين محصلة  فنية تعتمد الإثارة والتشويق وبين بعد إنساني، تربوي مفترض. أغلب التجارب  العربية في هذا المجال يطغي عليها الارتجال والصراخ والتوجه الإيديولوجي  الثقيل (سياسي، ديني، قومي، بكائي،...)، حتى ليصعب العثور على مادة أدبية  في هذا الإطار تتجه أولا وقبل كل شيء إلى تطعيم بصر وبصرية اليافعين بروح  فنية مؤثرة.


دار"نون"في الإمارات العربية المتحدة ودار المتوسط في إيطاليا أصدرتا مطبوعهما الأول لليافعين من غير دعاية إعلامية وقد جاءت النتيجة مدهشة للغاية."طاقية تيمور"هي رواية مليئة بالعبر يمكن أن يقرأها الأولاد بلذة حقّة ويجد فيها الكبار مادة مشوقة، غنية بالأحداث.
مؤلفها  سعيد.ج. فرحان هو كاتب عراقي مقلّ وجاد، يعتبره أقرانه أحد أفضل كتاب القصة في سبعينات القرن الماضي. نشر هذا القاص العديد من الكتب المتميزة للأطفال في بغداد السبعينات، عندما كانت بغداد مدينة إشعاع ثقافي. قصته"الحارس الطيب"طبعت أكثر من مرة ويمكن قراءتها حتى الآن في مواقع كتب الأطفال. غادر فرحان بلاده منذ أكثر من ثلاثين واستقر في باريس ومن ثم لوزان في سويسرا، حيث يعمل في التدريس. وقد اختار الكتابة بالفرنسية منذ سنوات ولكن المشهد الدموي لبلاده جعله يعود للكتابة بالعربية. الأفق المسدود لبلاده هو الذي دفعه للكتابة للأولاد، فهم يشكلون حسب تعبيره الحزين:"الأمل الوحيد في نفق العراق المظلم!". وقد أتفق الكاتب مع داري النشر المذكورتين على نشر كتاباته تباعا.
يتناول فرحان في روايته الأولى"طاقية تيمور"موضوعة حساسة وصعبة التناول: الاستبداد. ولكنه يقدمها بشكل بعيد عن المألوف. تدور أحداث الرواية في ولاية صغيرة اسمها"سدخان"في بلد من بلدان آسيا الوسطى.  الصبي اليتيم"تيمور"الذي فقد والده في أحدى الحروب، يحصل على هدية من أمه العاملة في معمل للخياطة، وهي طاقية مدوّرة، منسوجة بعشرات الألوان. ليس هنالك شيء استثنائي في هذا الأمر فالتلاميذ الذي اجتازوا المرحلة الابتدائية في الدراسة وتأهلوا لدخول الثانوية، حصلوا هم أيضا على هدايا من قبل ذويهم أكثر ترفا من هدية تيمور. غير أن هدية تيمور سرعان ما تكشف عن خاصية عجيبة. ما أن يضعها الصبي على رأسه حتى يرتسم على صفحة للسماء شكل مدور يشبه إلى حدّ بعيد شكل الطاقية. دائرة ملونة بعشرات الألوان تتسع وتضيء سطوح البيوت وشوارع المدينة. يتعجب زملاء تيمور من قدرة الطاقية على توليد هذه الظاهرة اللونية ويأخذون بالضغط على أهلهم لمقايضتها بهدايا أكثر قيمة. وهكذا يتقاطر الزبائن على زقاق الحي الفقير للحصول على الطاقية. بعضهم يعرض ماشية وأطعمة وآخرون يعرضون نقودا وهدايا قيّمة، لكن تيمور وأمه يرفضان جميع العروض بإصرار. فالطاقيّة تعود لأبيه وقد كان يضعها على رأسه حين يعود من العمل وهي الأثر الوحيد الذي يذكرّه بوالده الفقيد. ولكن ظهور القرص المدّور في سماء المدينة أخذ يثير الشبهات. وفي بلد صغير مثل"سدخان"تبدأ الإشاعات بالانتشار شيئا فشيئا حتى يصل الخير إلى قصر حاكم الولاية الذي يرغب فورا باقتناء الطاقية لأبنه الوحيد المدلل. يرسل حرسه للحصول على الطاقية ولكنهم يقابلون رفضا مهذبا. وهنا تبدأ متاعب هذه العائلة ومعها الحي الفقير والمدينة بأكملها.
 الأحداث التي تتوالى تأخذ بالقارئ شيئا فشيئا حتى الصفحة الأخيرة من الرواية، حتى لتصبح متعة القراءة جزءا من مسار الرواية وهو رهان جاهد الكاتب بالحفاظ عليه بكثير من الذكاء.
تبدأ الرواية بإيقاع هادئ وبسيط وتأخذ الحبكة بالتوسع لتأخذ أبعادا سحرية. لكن هذا البعد السحري سرعان ما يصبح مشهدا طبيعيا يألفه سكان الولاية كما يتباه حاكم الولاية وكأنه قدر لا يمكن الفكاك منه. لغة فرحان التي تشوبها أحيانا تعابير غرائبية، هي دون شك أثر اللغة الفرنسية،  تزيد من اغتراب مسار الرواية وكأننا نشهد أحداث بلد بعيد جدا ولكنه قريب في الوقت ذاته لألفته.
 ليس في الرواية من صياح ولا مباشرة ثقيلة ترافق عادة ثيمة من هذا النوع. مهارة الكاتب وقدرته على أحياء التفاصيل والابتعاد عن المألوف والسائد، تجعل القارئ يضيع بين صفحاتها من غير دليل. قارئ الرواية يمكنه أن يخرج بعد قراءتها بانطباعات متفاوتة، فالبعض قد يجد فيها رواية عن سحرية الأشياء الموروثة التي يرثها الآباء للأبناء. وقد يعثر البعض الآخر فيها على مفهوم الخلاص من هيمنة سلطان جائر. وقد يتعرف قارئ آخر على معنى العدالة، السماوية والأرضية، تلك التي يسنّها البشر وتلك التي سَنّها سيف القدر. كل هذه الانطباعات تجد تطبيقا لها في هذه الرواية المشّوقة، التي تنتهي ببصيص أمل صغير غائم الملامح.

* جزء من  أطروحة دكتوراه عن الأدب الملتزم بين ماكس فريش وفردريش دورينمات



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية