الخانات التاريخية بين بغداد والحلة قبل ظهور وسائل النقل الحديثة

Sunday 4th of January 2015 06:08:37 PM ,

ذاكرة عراقية ,

■ علي كامل السرحان
كانت الحلة وكبقية مدن العراق الكبيرة تفتقر إلى محلات السكن الحديثة (الفنادق)، فيلجأ المسافرين والوافدين إلى العتبات المقدسة في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة للسكن في الخانات، وقد بني عدد منها على طول الطريق المؤدي إلى مدينة الحلة من مختلف الجهات. وتميزت الخانات من حيث الغرض من إنشائها إلى ثلاثة أنواع، فقسم منها أنشأه أناس أتقياء لتكون مكاناً لاستراحة زوار العتبات المقدسة،

وقسم ثان أنشأه أناس أثرياء بقصد الربح المادي، والقسم الثالث أنشأته السلطة أو الدولة لتكون محطات لسعاة البريد ومكاناً لاستراحة الوفود العسكرية والمدنية وثكنات لجيوشها.

أجمعت أغلب مصادر اللغة على ان لفظة (خان) فارسية معربة، وربما اشتقت من كلمة (خون) وتعني لقب السلطان عند الأتراك، وجمع كلمة (خان) (خانات) وهي محل نزول المسافرين ويسمى (الفندق)(1).
ورأى البعض الآخر من الباحثين أنها تحريف لكلمة (حانوت) الآرامية المشتقة من كلمة (حنه) العبرانية، ومن معانيها خيم وأقام ونزل وحل(2)، في حين رأى قسم ثالث من الباحثين أنها مرادفة لكلمة (قيروان سراي) التركية الأصل أو (كرفان سراي) وتعني النزل والفندق(3).
وكما تعددت الآراء بأصل الكلمة، تعددت أيضاً بمعناها، فهي تعني الحانوت، كما تدل على المتجر والمكان الخاص بالتجار أي محل إقامتهم وتجارتهم، وتعني أيضاً منزل المسافرين والقوافل(4)، وكلمة (خان) مرادفة لكلمة فندق أو الوكالة أو القيصرية أو الربع(5).
أصبحت الخانات ضرورية لمواصلة المسير والتنقل من مكان إلى آخر يوم كانت الحيوانات وسيلة المواصلات البرية الوحيدة أو بسبب سوء طرق المواصلات ومخاطرها، ولولاها لتعذر على المسافرين قطع المسافات النائية، لهذا نستطيع القول أن الخانات نشأت قديماً، ربما بقدم السفر والتجارة، إذ كان يراد منها تهيئة أماكن تضمن الراحة للإنسان والحيوان، والأمن، خاصة في الليل، لذا كان يكفي حفر بئر وإقامة سياج يحيط بقطعة من الأرض لنشوء خان في المدينة أو في الطرق الرئيسة بين المدن، يديره رجل واحد أو مع عائلته(6).
مع مرور الزمن تطورت الخانات، فالإسلام مثلاً لعب دوراً في تطور الخانات، لأن الحج أصبح واقعاً جديداً للسفر، ومن ثم أصبح البحث عن العلوم الدينية وزيارة العتبات المقدسة دافعاً آخر، كما أن توسع رقعة الدولة الإسلامية تطلب بناء خانات كمحطات استراحة لموظفي الدولة بتنقلاتهم ومسيراتهم، وبالذات الجنود والسعاة ورجال البريد(7).
وتطور الخانات شمل إدارتها وتعدد مرافقها، مثل المطبخ والمخزن والمسجد والحمام والمقهى والإسطبل وحظائر الماشية وحانوت أو أكثر لتوفير ما يحتاج إليه المسافر أو دابته(8).
وفي المدن الكبيرة تعددت الخانات، وخانات المدن أفضل بكثير من خانات الطريق، إذ تحتوي على غرف عديدة مزودة بمناضد للنوم، والجلوس والمدافئ، وكلما تطورت الخانات ازداد عدد العاملين فيها، فلكل مرفق من مرافق الخان رجل أو أكثر، حسب حجم هذا المرفق، كما ازداد عدد الحراس والمسؤولين عن الدواب، وكذلك ورشة لتصليح العربات والحدادة وما شمل ذلك من حاجات المسافرين ونزلاء الخان(9).
لذا كانت الكثير من الخانات نواة لنشوء القرى والمدن، فنجد قرى ومدن عراقية، وكذلك مناطق معينة معروفة بخاناتها مثل خان بني سعد وخان ضاري وخان آزاد(10) (اليوسفية)، وخان الحماد (الحيدرية)(11)، وفي الحلة(12)، هناك مدن عرفت بخاناتها أيضاً، مثل المحاويل(13)، والإسكندرية(14)، والمحمودية(15).
يتكون الخان عادة من بناء مربع أو مستطيل الشكل(16) يحتوي على كوى(17) غير نافذة في جميع جوانبه لتسهيل حاجات المسافرين، ويقوم داخل هذا المربع ممر مسقف يمر حول كل من الجوانب الأربعة(18)، كما يحوي الخان على سلسلة من الإسطبلات حول ساحة الخان الرباعية وحظائر للماشية(19)، كما توجد في كل خان غرفة أو غرفتان قرب البوابة(20)، وفي وسط الفناء توجد وطيدة(21) مرتفعة ينام عليها المسافرون صيفاً(22)، كما يوجد محراب للصلاة يرتفع في موقعه(23) وعدا ذلك فهناك أماكن فاخرة للطبخ(24) وكميات وفيرة من الماء الذي يستخرج عادة من بئر ملحقة بالخان(25)، كما يحتوي الخان على مدخل واحد ذو بوابة ضخمة تغلق في الليل خوفاً من اللصوص(26)، كما توجد على الدوام قرية صغيرة تترامى بالقرب من كل خان(27).
أما المواد المستعملة في بناء الخانات فهي الحجارة أو الطابوق مع اللبن وأغلبها قد جلب من خرائب مدينة بابل(28).
أما النمط المعماري في بناء الخانات فقد اختلف من مكان إلى آخر، فالخانات التي ترى على الطريق ما بين الموصل وبغداد تختلف عن الخانات ما بين بغداد والحلة، فقد بنى الأولى الحكومة العثمانية لتكون بمثابة محطات لسعاة البريد وللموفدين العسكريين من عاصمة الإمبراطورية ومدنها الكبرى في حين الخانات الموجودة على الطريق من بغداد إلى الحلة ذات أصل عربي أو أنها شيدت من قبل بعض الأتقياء الموسرين لاستراحة المسافرين الذين يقطعون هذا الطريق لزيارة الأماكن المقدسة، والناس المجتمعون في القرى الصغيرة حول هذه الخانات كلهم من أصل عربي ويتكلمون العربية(29).

أهمية الخانات
عند الحديث عن الأسواق، فلابد من التطرق إلى الخانات أيضاً باعتبار أن وظيفتها تكمل وظيفة الأسواق، لقد صمم كل جزء من ا لخان لكي يؤدي وظيفة معينة لها علاقة بتسهيل مهمة التجارة ومن يقوم بها، إذ تمارس عملية الخزن وتبادل البضائع وإيواء التجار المسافرين وحيواناتهم، وكل ما من شأنه أن يخدم هذه الأغراض(30).
وكانت الخانات تستخدم كمحطات استراحة من قبل المسافرين وقوافل التجارة(31) التي تروم التنقل عن طريق الفرات من بغداد إلى البصرة أو بالعكس، وكذلك قوافل الزوار التي تقصد الأماكن المقدسة في مدينتي النجف(32) وكربلاء(33).
كما أن للخانات أهمية حينما يتعذر على القوافل أن تحط رحالها في بقعة ما بالصحراء فإنها تخيم في خانات القوافل التي كانت في الغالب وقفاً خيرياً أوقفه أغنياء المسلمين، فالخان الكبير يتسع لما مجموعه أربعمائة شخص مع حاجاتهم، والخانات شأنها شأن الفنادق ذات مستويات مختلفة(34).
وفي بعض الحالات تعتبر الخانات هي أقدم من القرى والمدن التي قامت بالقرب منها، والدليل على ذلك هو قيام بالقرب من كل خان عدد من الأكواخ تطورت فيما بعد فأصبحت مدن مثل مهافيه(35) وبيرونوس(36) والإسكندرية وغيرها(37).
وكانت الخانات تقدم بعض الخدمات مثل الأطعمة والقهوة والأعلاف والماء ومبيت الجنائز وغيرها من الأمور الهامة(38).
أنواع الخانات:- تقسم الخانات إلى مجموعة أنواع هي:
1.خانات نزول المسافرين:-
وهي أشبه ما تكون عليه حالة الفنادق اليوم(39)، ولكنها تقدم ا لخدمات إلى الزوار والمسافرين مجاناً(40)، ويكلف بالقيام على إدارة أعمال الخدمات في الخان (صاحب الخان) أو أحد الموسرين في المدينة(41)، وكان الطلبة الوافدين إلى الحلة أو الزائرون للعتبات المقدسة في النجف الأشرف أو كربلاء المقدسة مروراً بالحلة ينزلون في تلك الخانات مدة تعليمهم(42).
2.خانات حفظ البضائع التجارية:-
لقد اهتم الملاكون والتجار والمزارعون بهذا النوع من الخانات لتسهيل مهام خزن بضائعهم، وتكون منتشرة في مختلف أنحاء المدينة(43).
3.خانات إيواء الحيوانات:-
وتهتم بإيواء الخيول والحمير والجمال وتقديم العلف المناسب لها، وتكون على الأغلب بالقرب من الأسواق في داخل المدن(44).
وقد تنوعت الخانات منذ إنشائها إلى ثلاثة أنواع، فقسم منها أنشأه أناس أتقياء لتكون مكاناً لاستراحة زوار العتبات المقدسة(45)، وقسم آخر أنشأه أناس أثرياء بقصد الربح المادي(46) والقسم الثالث أنشأته السلطة أو الدولة لتكون محطات لسعاة البريد ومكاناً لاستراحة الوفود العسكرية والمدنية وثكنات لجيوشها(47).

خانات طريق حلة – بغداد:-
تكمن أهمية خانات هذا الطريق بشكل خاص باعتباره طريق تجاري وطريق الحجاج أيضاً، حيث وجدت مجموعة كبيرة من الخانات المتصلة ما بين الحلة وبغداد، وكانت تبعد الواحدة عن الأخرى مسيرة ساعتين إلى أربع ساعات تقريباً(49)، وسوف نتطرق إلى هذه الخانات بحسب موقعها الجغرافي.
خان المحاويل:-
ويصف لنا الرحالة (بيدروتاكسير) خان المحاويل في أثناء عودته من كربلاء بإتجاه أطلال مدينة بابل فيقول: "... وقد بدت لنا الأرض الآن أكثر خصوبة والطقس أشد احتمالاً، والخانات أتم راحة ولاسيما ذلك القريب من أطلال بابل، والذي شيدته سيدة تركية تقربا بالله(50).أما الرحالة (ديللافاليه) فقد تحدث عن خان يقع بين مدينة المسيب ومدينة بابل في أثناء رحلته من بغداد إلى مدينة بابل الأثرية في يوم 23 تشرين الثاني 1616 م حيث قال: "غادرنا خان المسيب منذ الصباح الباكر وعند منتصف النهار رأينا من بعيد عن يسارنا بلدة فيها مسجد يقال له (أبو القاسم)(51)، فهو مدفون هناك ولذا يحظى المكان بإكرام المسلمين، ثم عرجنا على خان للنزول فيه ويقع قرب قلعة مهملة يسمى (خان البئر)(52).
ويذكر الرحالة (بارسنز) خان المحاويل فيقول: "إن قرية جميلة كانت تحيط بهذا الخان"(53).
أما الرحالة (جمس بكنغهام) فإنه ذكر خان المحاويل فقال: "في حوالي الساعة العاشرة بلغنا خان المحاويل، .. وجدنا هذا الخان مشابهاً لخان الإسكندرية في تصميمه العام وهو أكبر منه تقريباً، وهو قد شيد مثل ذلك الخان من آجر قديم جئ به من المناطق المجاورة وكان العمل جارياً في تصليح المنصات بآجر من الحجر الكبير أحمر اللون جئ به من القصر في بابل، وقد اشترى هذا الآجر بالنقود"(54).
وتحدث الرحالة (لجان) عن الخدمات المقدمة في خان المحاويل فقال: "كانت الساعة قد قاربت الثامنة عندما ظهر في الأفق نخيل خان المحاويل فسررت جداً لأمرين، أولهما وصولي إلى غاية رحلتي لأن منطقة بابل الأثرية تبدأ من هناك، والثانية إني سأتناول الغداء في الخان"(55).
وتطرق الرحالة (السير واليس بدج) في معرض رحلته إلى خان المحاويل فقال: "... وبلغنا خان المحاويل قبل أن يرخي الليل عن الدنيا سدوله، وبناية الخان هذا وسيعة سعة خان الإسكندرية، لكنها متداعية وبحاجة إلى ترميم وتدعيم، ومما لا ريب فيه أنها بنيت بطابوق جيء به من خرائب بابل"(56).
وذكر الرحالة(الواموسيل)في رحلته الى منطقة الفرات الأوسط شيء عن خان المحاويل فقال:"في يوم (1)آيار سنة 1912 الساعة43ر6 مساءً نصبنا الخيام وراء خان المحاويل، وكان في هذا الخان الكبير مركز للدرك(57)، وقد تجمع خلفه نحو ثلاثين كوخا"(58).
يعتبر خان المحاويل من أفضل الخانات الموجودة على طريق حلة – بغداد من حيث البناء وحسن العمارة وتقديم الخدمات، فضلاً عن ذلك يعتبر محطة الاستراحة الأولى لقوافل التجارة والمسافرين الخارجة من الحلة، والأخيرة لتلك القوافل القادمة من بغداد.
يبعد خان المحاويل عن الحلة مسير ثلاث ساعات ومسافة تقدر بأربعة فراسخ(59)،
خانا الناصرية والحصوة:-
وذكر الرحالة (السير واليس برج) في رحلته شيء من خانا الناصرية(60) والحصوة(61) فقال: "في الرابع والعشرين من شباط سنة 1888 م شددنا الرحال متجهين في سفرنا شمالاً ومررنا بخان الناصرية ثم سرعان ما عبرنا قناة وسيعة، وما أن تجاوزنا تلول طوبية اتجهنا نحو خان الحصوة فوصلناه عند الظهر، إن الأراضي المحيطة به مليئة بالأنقاض والحجارة الصغيرة، والخان هذا قذر عادة ولا يلفت النظر أبداً، لذا سرعان ما واصلنا سفرنا دراكاً"(62).
تعتبر هذه الخانات صغيرة ولا تلفت الأنظار بالنسبة للمسافرين أو للقوافل التجارية بسبب صغر حجمها ومتقاربة مع بعضها البعض هذا من جانب وقربها إلى خان المحاويل وخان الإسكندرية اللذان يعتبران من الخانات الرئيسة على طريق حلة – بغداد.
خان الإسكندرية:-
لقد ذكر الرحالة (بيترو ديللافاليه) في رحلته من الحلة إلى بغداد خان الإسكندرية فقال: "غادرت الحلة ضحى الخامس والعشرين من تشرين الثاني، وأمضينا الليل في خان البئر، ... وأمضينا الليلة الثانية في خان يقع قرب قلعة غير مأهولة يدعى خان النص، لأنه يقع في منتصف الطريق بين الحلة وبغداد"(63).
من عادة العرب أن يسموا المواقع أو الخانات بأسماء الآبار ومنابع المياه والآثار الموجودة بالقرب منها لأهميتها، ويقصد الرحالة (ديللافاليه) بخان البئر هو خان المحاويل، وخان النص هو خان الإسكندرية.
أما الرحالة (جمس بكنغهام) فكان معجباً بخان الإسكندرية من حيث البناء والطراز المعماري واختلافه عن باقي خانات العراق الأخرى، وخصوصاً على طريق بغداد – الموصل، فضلاً عن الخدمات التي يقدمها من أكل وشراب، فضلاً عن مرافق الخان الأخرى مثل المطبخ والإسطبلات ومكان للصلاة وحانوت وغيرها(64).
ويذكر الرحالة (المنشئ البغدادي) خان الإسكندرية في رحلته إلى العراق فقال: "من بغداد إلى الإسكندرية ثمانية فراسخ، ... وهناك خان كبير وبعض بيوت العرب يسكنونها ويزرعون في تلك الأنحاء"(65).
كما ذكر الرحالة (جون أشر) انطباعه عن خان الإسكندرية فقال: "في يوم 7 كانون الثاني 1865 م، ... وعند الغروب توجهنا إلى خان الإسكندرية الكبير، ونصبنا خيمتنا في صحنه لقضاء ليلتنا تلك فيه، وكان هذا الخان قد بناه على سبيل البر والخير (رئيس وزراء إيران)(66)، لزوار مشهد علي"(67).
في حين قضى الرحالة (لجان) ليلته في خان الإسكندرية إذ قال: "المناخ بارد جداً ولا يمكن النوم على السطوح، أخيراً وجدنا حنيات كبيرة عريضة يبلغ عمق الواحدة نحو مترين ونصف ضمن بناء الجدار في ظهر الإسطبل فاخترناها كموضع للمبيت، ... وعندما إستيقضنا صباح اليوم التالي لنستمر في السفر فنصل إلى الخان التالي قبل ازدياد الحر، رأيت في الحنية التالية وهي غير بعيدة عني أنها استضافت في الليلة السابقة جثة في طريقها إلى كربلاء"(68).
بينما قارنت السائحة الفرنسية (مدام ديولافوا) بين خان المحمودية وخان الإسكندرية فذكرت الآتي: "في 22 كانون الأول 1881 م أفقنا في الصباح الباكر على جلجلة أصوات القوافل التي خرجت من خان المحمودية...، وفي الأخير قرب الظهر بلغنا خان الإسكندرية التي كانت دون الخان السابقة بناءاً واستحكاماً وجمالاً، بيد أنها كانت ذات حركة دائبة وكان عدد الأشخاص يبدو فيها أكثر ممن هناك، ذلك لأن هذه المدينة تقع على تقاطع طريقين أحداهما تذهب إلى مدينة كربلاء والأخرى نحو الحلة"(69).
أما الرحالة (السير واليس برج) فذكر خان الإسكندرية خلال رحلته من بغداد إلى الحلة فقال: "إن خان الإسكندرية أخا الدهر، قديم، لكن هذا الذي كنا نطرق بابه ونروم ولوجه بني أبان القرن الثامن عشر، وكان يرمى من رواء بنائه تمكين الزوار الفرس من اتخاذه مسكناً ومبيتاً عندماً يتخذون سبيلهم إلى زيارة (مسجد علي) أو (مسجد الحسين) عبر الفرات، وما وراء الحلة"(70).
وتطرق الرحالة (بهادر) إلى أهمية خان الإسكندرية في رحلته إلى العراق، لأنه يقع على مفترق طرق أحدهما يذهب إلى كربلاء عن طريق مدينة المسيب والآخر يذهب مباشرة إلى بغداد(71).
ويعتبر خان الإسكندرية المحطة الثانية الرئيسة لاستراحة المسافرين والزوار على الطريق حلة– بغداد.
خان المحمودية:-
ذكر لنا الرحالة (جمس بكنغهام) عن خان المحمودية فقال: "ففي الخامس والعشرون من تموز سنة 1816 م، وفي حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل مررنا بخان ثالث يدعوه الأتراك (خان أورطه)(72)، وتسميه العرب (خان بير يونس)، فاسمه الأول مأخوذ من طراز بنائه المعماري، واسمه الثاني أخذ من اسم بئر قيل أن النبي يونس كان يستقي منه أثناء سفراته من نينوى وإليها، مررنا بهذا الخان من دون أن ندخله وبعده بنحو ساعة وجدنا طريقاً يتفرع نحو الغرب بينما الطريق المستقيم ما يزال مستمراً"(73).
ووصفت السائحة (مدام ديولافوا) في معرض رحلتها من بغداد إلى بابل خان المحمودية فقالت: "... ظهرت على الأفق بناية كبيرة من الآجر وهي خان كبير شيده الإيرانيون(74) بجهودهم وفلوسهم، فيه بضع حجر واسعة معدة لاستراحة زوار العتبات المقدسة من الشيعة، وهذا الخان يناظره خانات إيران التي شاهدتها لدرجة كبيرة إذ تحيط بصحنها الحجر من جميع الجوانب التي يتقدم كل منها إيوان(75) واسع، والمسافرون عادة عندما يكون الجو لطيفاً ينزلون في هذا الإيوان وعند برودة الطقس يأوون إلى الحجر ويجعلون دوابهم وحيواناتهم الأخرى في الإسطبل المقابل لهم لكي تكون على مرأى منهم على الدوام مخافة سرقتها"(76). وكتب الرحالة (السير واليس برج) في معرض رحلته شيء عن خان المحمودية فقال: "... ومن تل عجيلي اتجهنا نحو المضافة المشهورة التي يسميها الأتراك (أورطه خان) أي الخان المسقف أو المغطى، ويعتقد إنه يقع في منتصف المسافة بين بغداد والحلة تماماً، وليس هذا بصحيح على ما بلغني ببغداد، ويسميه العرب (خان بئر النص) أي خان البئر الكائنة في منتصف المسافة، وأبرز ما في الخان بئر ذات غور عميق ينزل إلى مائها على درجات"(77).
يعتبر خان المحمودية الخان الوحيد المسقوف (المغطى) على طريق حلة – بغداد، فضلاً عن أنه المحطة الرئيسة الثالثة لطريق القوافل التجارية الخارجة من الحلة، كما أنه ليس بخان منتصف الطريق، لأن المحمودية لا تقع في منتصف طريق حلة – بغداد.
خان آزاد:-
أصاب هذا الخان الدمار وصار مكمناً لقطاع الطرق من الأعراب وكان في السابق تنزله الرواحل والقوافل، فأمر الوزير عمر باشا(78) في سنة 1681 م بتعميره وتحصينه وتعيين خدام ومحافظين له لغرض راحة أبناء السبيل، ولم يتبق منه في هذه الأيام إلاّ بعض رسومه، ويقع على يمين الذاهب إلى المحمودية قبل عبور قنطرة اليوسفية، والآن تكونت بالقرب منه قرية جديدة في جانبي النهر فيها بعض الأبنية وتتصل بها بساتين(79).
وتحدث (كلوديوس ريج)(80) عن خان آزاد عندما رغب في زيارة أطلال مدينة بابل الأثرية في أوائل شهر كانون الأول سنة 1811 م حيث غادر مدينة بغداد الساعة الثامنة والنصف صباحاً، وبعد مدة قصيرة وصلنا إلى خان آزاد على طريق حلة – بغداد فقال: "هذه الخان ذات بناء مربع الشكل... تحوي على غرفة أو غرفتان قرب البوابة، وفي وسط الفناء توجد وطيدة مرتفعة ينام عليها المسافرون صيفاً، ... وهناك سلسلة من الإسطبلات حول ساحة الخان الرباعية، وفي أعلى البوابة توجد غرفتان مفتوحة، كما توجد على الدوام قرية صغيرة تترامى بالقرب من كل خان بيوتها طينية"(81).
وقد ذكرت السائحة (مدام ديولافوا) وصفاً عاماً لمكان خان آزاد حيث قالت: "... قد بلغنا عدداً من أكواخ الفقراء القذرة في جوارها خان يستقبل المسافرين للراحة والاستجمام! فهبطنا عنده وتركنا جيادنا وترجلنا ولفت نظرنا هناك دكان صغير وضع صاحبه بإزائه عدة سلال من التمر وعرضها للبيع كما رأينا على الجانب الآخر من الخان مقهى صغيراً..."(82).
وتحدث الرحالة (السير واليس بدج) في معرض رحلته إلى العراق شيء عن خان آزاد فقال: "وتوقف سيرنا عند خان آزاد الكائن على الجهة اليمنى، وطال ثواؤنا فيه أربعين دقيقة ثم فصلنا منه فعبرنا نهر ملكا".
إن خان آزاد يعتبر المحطة الرئيسة الرابعة والأخيرة لطريق القوافل التجارية الخارجة من الحلة، بينما العكس تعتبر المحطة الرئيسة الأولى للقوافل التجارية والمسافرين الخارجين من بغداد، حيث يأخذ المسافرون في هذا الخان قسطاً من الراحة فضلاً عن التزود بالطعام والماء لمتابعة سفرهم بعد ذلك.

عن (خانات الحلة في العهد العثماني راسة تاريخية ) ، مركز بابل للدراسات