في رواية (ليس لدى الكولونيل من يكاتبه)..انتظاره رسالة تنبئه بزيادة راتبه أو فوز ديكه بالنزال

Saturday 31st of January 2015 06:04:42 PM ,

ملحق اوراق ,

بغداد/ عادل الصفار
حكاية رجل عسكري برتبة كولونيل، سرِّح من الخدمة العسكرية بعد ان كان مشاركا في الحرب الأهلية التي وضعت أوزارها ليجد نفسه يعيش براتب تقاعدي زهيد مع زوجته التي تعاني من مرض الربو في كوخٍ صغير. أحداث مؤلمة يطلعنا عليها غابرييل غارسيا ما كيز في رواية (ليس لدى الكولونيل من يكاتبه) والصادرة عن دار (المدى) للثقافة والنشر بترجمة صالح علماني، فمنذ ان انتهت تلك الحرب لم يفعل الكولونيل شيئاً سوى الانتظار،

وفي خضم أجواء الفاقة والعوز يحدوه الأمل بزيادة راتبه التقاعدي حتى تقدم فيه العمر واصبح عجوزاً يعتصره ألم الذكريات، والتي من أهمها ذكرى ابنه الوحيد الذي اغتالته السلطات الحاكمة في بلاده, لكنه لم يفقد الأمل.. يذهب كل يوم إلى مكتب البريد لعله يجد في انتظاره رسالة تنبئه بزيادة راتبه.. وهناك أمل آخر يعيش في انتظاره هو أن يكسب ديكه في المصارعة ويفوز بالجائزة الأولى وهي مبلغ كبير من المال.. عاش الحياة الصعبة المليئة بالألم والجوع برفقة ديكٍ وَرثه عن ابنه الميت أوجستن وأمرأته العجوز التي لا تقوى على مساعدته في ظروف الحياة الصعبة التي يمران بها.. ويظل الكولونيل المتقاعد مُلازماً لمكتب البريد يسأل كل يومٍ عن وصول طرد بخصوص معاشه التقاعدي، وعلى مدى خمسة عشر عاماً لم ينل الكولونيل ما يعينه على مرارة حياته الكئيبة.. واضافة الى ذلك كان لديه أمل آخر وهو ان يفوز ديكه في بطولة مصارعة الديوك الخاصة بقريته ليتمكن من بيعه بثمنٍ يكفي لأن يصرف على نفسه وزوجته لثلاث سنين قادمة بدلاً من انتظار زيادة معاشه من حكومته، هذا الديك الذي تغذّى من مُؤن العائلة واحتياجاتها في سبيل بقائه حياً، وكلّف هذا الأمر الكولونيل وزوجته آلام الجوع طِوال عدّة ليال في سبيل بقاء هذا الديك حياً.. لم تكن هنالك أحداث كثيرة في الرواية، وعدد الشخصيات كان محدوداً في إطار القرية وسُكانها البسطاء إذ استطاع ماركيز أن يأخذ بالقارئ إلى نمط الحياة المتواضعة، حيث الكنيسة التي تتوسط القرية والصناعات اليدوية التي يُمارسها أهلها ليكسبوا لُقمة عيشهم وقناعة تؤهلهم ليعيشوا حياة هادئة برغم صُعوبة ملامحها، والكولونيل ليس بأفضل حال منهم ان لم يكن أكثرهم فاقة، إذ نجده في هذا المقطع من الرواية يمسك بسكين، وراح يقّطع بعضاً من ثمار الفاكهة ليقدمها للديك، في حين لفحته موجة خفيفة من برد ديسمبر، فأدرك أن الشتاء قد حل. وقبل أن تستيقظ زوجته في الساعة التاسعة تقريباً، كان قد انتهى من ترتيب البيت وتنظيمه ومضى يتحدث مع الصبية الذين زحموا البيت.. الكولونيل شخص نزيه يمتلك احساساً عالياً بالكرامة والعدل, لكنه يعيش حياة محكومة بالعزلة والفقر الشديد في ماكوندو, يعاني حكاية ابنه الذي أعدم رمياً بالرصاص, في الوقت الذي ينتظر فيه منذ خمسة عشر عاماً فرجاً مادياً يبدو مستحيلاً بما يخص راتبه التقاعدي, وفي انتظار ذلك فهو يبيع أثاث بيته البائس, في الوقت الذي يحتفظ فيه بديك للمصارعة يستهلك غذاءً يومياً ليهيئه الى موسم صراع الديكة القادم في كانون الثاني, وما يمكن أن يعود به عليه في حالة فوزه من مردود مادي, وهذا الموسم الذي لايزال يفصله عنه زمن غير قصير, والذي قد تكون الخسارة نصيبه فيه, الأمر الذي يجعل زوجته دائمة الشكوى من سوء تدبير زوجها, في الوقت الذي تلاحقه فيه بضرورة بيع الديك الذي يبدو وكأن ماركيز قد اختاره رمزاً للوطنية والأصالة التي يتميز بها الكولونيل فهو يقول لزوجته: اذا ما ضمن لي الدكتور ان الربو سيفارقك اذا بعت الديك فاني سأبيعه في الحال، أما بغير ذلك فلن أبيعه.. وفي المساء يأخذ ديكه الى معلب تمارين المصارع ليختبر مدى قدرته على خوض النزال في العشرين من كانون الثاني عند الساعة الثالثة مساء.. وعندما عاد الى بيته ليلاً وجد زوجته على حافة نوبة جديدة، فيؤملها الكولونيل بموعد مصارعة الديكة وانه قريب وسوف يدفعون لهم عشرين بالمئة من قيمة المراهنات، فتقول له زوجته: هذا اذا كسب الديك ولكن ماذا لو خسر، افترض انه خسر. وحتى ذلك الحين ماذا سنأكل؟. عندها لم يجد الكولونيل الجواب المناسب ليقوله لها.


الكاتب في سطور

ولد غابرييل غارسيا ماركيز عام 1928 في أراكاتاكا شمال كولومبيا.. ودرس بمدرسة يسوعية في العاصمة بوغوتا.. ثم انتقل بعدها الى الجامعة.. عمل صحفياً وجاب كثيراً من بلدان العالم أهمها روما وباريس.. مع بداية ستينات القرن الماضي عاش الكاتب الكولمبي غابرييل غارسيا ماركيز في أسوأ حال، اضطرته ظروفه المعيشية القاسية الى بيع القناني الزجاجية الفارغة، وطعامه لا يتعدى حساء العظام مع رغيف الخبز.. في ذلك الزمن كتب روايته التي حصلت على جائزة نوبل عام 1982.