رجاء النقاش ودوره في حركة الثقافة العربية المعاصرة

Tuesday 10th of March 2015 06:02:42 PM ,

منارات ,

ابراهيم خليل العلاف
باحث ومؤرخ
رحم الله الأستاذ رجاء النقاش، الذي رحل عن هذه الدنيا، يوم 8 شباط 2008، بعد صراع مرير مع مرض السرطان، فلقد خدم الرجل حركة الثقافة العربية المعاصرة، وبكل ألوانها وأنماطها، وتياراتها لكنه ظل محافظا على حسه الوطني، وتمسكه بشعوره القومي، وانتمائه الإنساني التقدمي.. لم يسقط القلم من يده لحظة واحدة.. بل ظل يواكب توجهات الثقافة،

وإبداعات المثقفين، ويخضعها للنقد بقصد إبراز خلاصتها، وتقديم الخلاصات للقراء العرب وهي تضم ما يساعدهم على فهم حقائق الإنسان، والمجتمع بكل يسر ووضوح، وقلما حظي كاتب، وناقد بكل هذا الاهتمام مثلما حظي النقاش، فالجميع من الشعراء،,الكتاب، والفنانين، والروائيين وضعوا له في عقولهم وقلوبهم مكانة طيبة يستحقها من دون أي شك.. ولعل صدق النقاش، وإخلاصه واحترامه لمهنته، وتقديسه لرسالته وراء ذلك.

ولد رجاء النقاش في محافظة الدقهلية بجمهورية مصر العربية في أيلول-سبتمبر سنة 1934 واسمه الكامل محمد رجاء عبد المؤمن النقاش وهو من عائلة عرفت باهتمامها بالأدب والثقافة. أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية، ودخل كلية الآداب بجامعة القاهرة وتخرج فيها بعد أن حصل على شهادة البكالوريوس في تخصص اللغة العربية وآدابها.. وقد انخرط بالعمل الصحفي، منذ بواكير حياته العملية، واتجه بشكل أساس إلى النقد الأدبي، حتى أن مجلات عديدة نشرت له، مقالاته الأولى أواخر الخمسينات من القرن الماضي وأوائل الستينات وتقف مجلة الآداب (البيروتية) في طليعة تلك المجلات..
عمل النقاش في (مجلة روز اليوسف)، المجلة العربية الساخرة، وتولى بين سنتي 1969، 1971 مسؤولية رئاسة تحرير المجلة ذات التاريخ العريق، ونقصد بها (مجلة الهلال) التي صدر عددها الأول سنة 1892، وكان له دور كبير في تطويرها وجعلها قادرة على رصد توجهات الحياة الثقافية في العالم، ومتغيراتها وتياراتها المختلفة. وبعدها انتقل ليعمل رئيسا لتحرير (مجلة الإذاعة والتلفزيون).. وقد سافر إلى دولة قطر وعين رئيسا لتحرير (مجلة الدوحة) التي صدرت (بين 1981 ولحين توقفها سنة 1986)..و بعد عودته إلى القاهرة شغل منصب رئيس تحرير (مجلة الكواكب) (الفنية). وقبيل وفاته كان كاتبا متفرغا في جريدة الأهرام.
النقاش، ومن خلال كتاباته ودوره في إدارة وتحرير العديد من المجلات، يعد بنظر النقاد، قيمة وقامة أدبية وفكرية سامقة.. وتزداد هذه القيمة ويرتفع بنيان هذه القامة عندما يكون صاحبها إنسانا خيرا ونبيلا ومعطاء والى شيء من هذا القبيل أشار الشاعر الفلسطيني محمود درويش في حفل تكريم النقاش الذي نظمته نقابة الصحفيين المصريين مطلع عام 2008 حينما قال أن النقاش قام بدور كبير على صعيد تطوير الحياة الثقافية العربية من خلال اهتمامه بالموهوبين و المبدعين من الشباب منطلقا من حس عربي. أما الشاعر حلمي سالم فقال أن النقاش أدار كل المنابر الثقافية التي تولاها بحماسة لكل جديد في الإبداع حتى أنها كانت تتميز بالجدة والحيوية مع المحافظة على الأصالة والهوية القومية، وقد وصف نقيب الصحفيين المصريين الأستاذ مكرم محمد احمد النقاش بأنه علم من أعلام الصحافة والنقد العربيين على مدى أكثر من نصف قرن، وأشاد الدكتور رفعت السعيد بمجهود النقاش الثقافي والفكري وقال بأنه: ((ناقد مستنير يدافع عن العقل)) لكنه لم يفرط برومانسيته.. انه"رجل والرجال ليسوا بشهادة الميلاد بل بشهادة المواقف"وقد ظل طوال حياته ومسيرته النقدية ((مدافعا عن قيم الجمال والاستنارة ضد كل هو ما هو قبيح ومتخلف)).
أصدر رجاء النقاش عددا كبيرا من الكتب، كما كتب مئات المقالات والدراسات في الصحف والمجلات المصرية والعربية. ومن كتبه المنشورة ((ثلاثون عاما مع الشعر والشعراء)) و ((محمود درويش..شاعر الأرض المحتلة)) و (تأملات في الإنسان)، و(أبو القاسم ألشابي..شاعر الحب والثورة) و (عباقرة ومجانين) و (شخصيات وتجارب) , و(نساء شكسبير) و (مطالعات وتأملات) و (عباس محمود العقاد بين اليمين واليسار) و (شعراء عالميون) , و(قصة روايتين) و (في حب نجيب محفوظ) و (ملكة تبحث عن عريس).
عد الشاعر محمود درويش، رجاء النقاش بأنه ذو دور فاعل في ((تطوير وعي المسؤولية وفي تعميق العلاقة بين حرية الشعر وشعر الحرية))، واستند في هذا التقييم على واقعة اهتمام النقاش بشعراء الأرض المحتلة / فلسطين ورفع العزلة عنهم، فمن خلال كتاباته لم يعد هؤلاء الشعراء ((معزولين عن محيطهم العربي)). وأضاف يقول: إن الشعراء الفلسطينيين وكل الموهوبين من الشباب مدينون للنقاش، لأنه لم يكف عن التبشير النبيل بمواهبهم وعن ((تحديث الحساسية الشعرية والدفاع عن الجديد الإبداعي في مناخ كان ممانعا للحداثة الشعرية، ومدينون لك لأنك ابن مصر البار وابن الثقافة العربية الذي لم تدفعه موجات النزعات الإقليمية الرائجة إلى الاعتذار عن عروبته الثقافية..))
لقد كان النقاش يرى ((أن الثقافة هي جامعة الدول العربية، وليس المبنى المقام على ضفة النيل الشرقية، لان الأدب هو القادر على جمع العالم العربي)).
تميز أسلوب النقاش، بأنه يستند إلى جهد متميز وتقصي الحقائق.. ولم يسع النقاش في كل كتاباته إلى فرض آرائه على القارئ وإنما كان يحرص على تقديم الحقائق والوقائع برشاقة ويسر تاركا للمتلقي أن يخلص منها إلى الرأي الذي يحبذه، لهذا فقد اتسمت كتاباته بالروح العلمية فضلا عن حرصه على تقديم المتعة للقارئ، وقد لجأ في كتاباته النقدية التي نشرها قبيل وفاته ببضع سنوات على إشراك قرائه في تفسير القصص والروايات التي يقدمها، وكان مصرا على تقديم تلك الآراء دون التعليق عليها، إذا اتفق أصحابها معه أو اختلفوا، فعلى سبيل المثال نشرت له جريدة الأهرام يوم 27 كانون الثاني / يناير 2002 مقالا نقديا بعنوان (رحلة مع الخوف)، والخوف هي القصة القصيرة التي كتبها نجيب محفوظ أوائل الستينات من القرن الماضي ونشرها فيما بعد في مجموعته (بيت سيء السمعة) سنة 1965 وتدور القصة حول (عثمان ألجلالي) وهو أنموذج للانفراد بالقوة ومما قاله إن الانفراد بالقوة خطر على الجميع حتى على صاحبه وذهب قراءه مذاهب شتى في تفسير هذه القصة، لكنه أكد أن من واجبه كمثقف، أن يحرص على قدر كاف مما اسماه (الديموقراطية الأدبية القائمة على التنوع في وجهات النظر وقال إن عمل النقاد هو أن يساعد القارئ على إدراك وجهة نظر الكاتب، وله، أي الناقد، إن يوافق الكاتب أو يختلف معه، ولكن ليس له الحق أن يفرض على الكاتب وجهة نظره كناقد)).
ومع أن النقاش كان يرى بان رجالات السياسة والفكر والأدب لهم مكانتهم إلا انه لم يتورع عن نقدهم إذا اقتضى الأمر فالعقاد مثلا في نظره ((احد الكبار الذين حملوا الأنوار إلى العقل العربي في القرن العشرين)) لكن نقد الأديب اللبناني مارون عبود لواحدة من قصائده يعد دقيقا، فالقصيدة ((هي فكرة جافة خالية من العاطفية وفيها صنعة ولكن ليس فيها فن، والصنعة هي التعبير عن المهارة.أما الفن فهو التعبير عن الشعور ونبضات القلب والتجربة الإنسانية)). وفي مقال له طريف عن الانتحار يتعرض لانتحار عبد المحسن السعد ون احد رؤساء الوزارات في العراق سنة 1929 ويقول أن فكرة الانتحار بين السياسيين ورجال الحكم والسلطان معروف منذ قديم الزمان،ويحدث الانتحار عندما يواجه هذا السياسي الهزيمة ويشعر انه غير قادر على تحقيق أهدافه، خاصة عندما تكون الظروف المحيطة به قاسية.. وقد عبر السعد ون عن هذه الحقيقة عندما كتب في وصيته ((سئمت هذه الحياة التي لم أجد فيها لذة وذوقا وشرفا، الأمة تنتظر الخدمة، الانكليز لا يوافقون.. ما أعظم هذه المصيبة انأ الفدائي الأشد إخلاصا لوطني فقد كابدت أنواع الاحتقار وتحملت المذلة في سبيل هذه البقعة المباركة من الأرض التي عاش فيها آبائي وأجدادي)). ويعلق النقاش على الوصية فيقول أن السياسة حقا غابة، والعواطف الطيبة المثالية فيها قد تهتك صاحبها وتقضي عليه!!.
كرم النقاش مرات عديدة، وحظي بالاحترام وتربت على مقالاته أجيال وأجيال، وقد نال جائزة الدولة التقديرية في الآداب بمصر سنة 2000. كما أصدرت مجلة الهلال عددا خاصا عنه، أسهم في تحريره عدد كبير من الأدباء والشعراء والمفكرين والمثقفين العرب،ورحم الله النقاش فقد كان ناقدا متميزا وصحفيا بارعا، وإنسانا طيبا، ومثقفا مؤمنا بفكرة التقدم والنهضة والتوحد العربي.