كيف عرف العراقيون المشافي الرسمية في العهد العثماني؟

Sunday 29th of March 2015 05:41:49 PM ,

ذاكرة عراقية ,


وفي سنة 1288هـ/1871م صدر (نظام الإدارة الصحية العمومية)   ، وهو أول نظام يتعلق بالصحة العامة ، حيث ألزمت المادة الأولى منه بلديات الولايات العثمانية بتعيين طبيب ومعاون له في حين حددت المادة الخامسة واجبات هذا الملاك الطبي بمعاينة مرضى البلدة مجاناً، على أن تتكفل البلدية بدفع رواتبهم من ميزانيتها .


واولى هذا النظام جانبا من اهتمامه لنظام الكرنتينة (الحجر الصحي) ، فعلى سبيل المثال ألزمت المادة السابعة منه مأموري دوائر الكرنتينة بوجوب إبلاغ الجهات الرسمية في حالة ظهور وباء ما .
وقبل التطرق إلى جهود السلطات العثمانية في إقامة المؤسسات الصحية في الولايات العراقية ، لابد من إعطاء لمحة سريعة عن الواقع الصحي المتردي  الذي عاشته الولايات العراقية ، حيث أدت  البيئة دوراً كبيراً في التأثير في المستوى الصحي فكلما كانت المدينة نظيفة قل انتشار الأمراض ، لكن الحقيقة شيء والواقع الفعلي شيء آخر ، إذ إتسمت الغالبية العظمى من المدن العراقية بقلة نظافتها ، ناهيك عن كثرة البرك  والمستنقعات التي لم تبذل السلطات العثمانية أية جهود  ملموسة في ردمها .
علاوة على إفتقار المدينة العراقية  إلى نظام لإسالة المياه ، إذ كانت مياه الشرب تنقل على ظهور الحيوانات من الأنهار ومصادر المياه القريبة ، ومن الآبار الملوثة  داخل البيوت .
كما كان لافتقار الولايات العراقية لنظام تصريف المياه اثر كبير في انتشار الجراثيم والامراض الزهرية ، إذ ان تخزين المياه القذرة مدة طويلة ، وعدم اهتمام الاهالي بتنظيفها بصورة مستمرة مرة كل شهر في الاقل ، أو استخدام المواد المطهرة سببت الروائح الكريهة التي افسد هواء الدور ، وفي بعض الاحيان تتسرب إلى مياه النهر مختلطة مع مياه الشرب ، ناقلة جميع الامراض السارية ، ولم يقتصر الامر على البيوت  فقط بل تعداها إلى الاماكن العامة كالخانات والحمامات ، فضلاً عن المدابغ  المنتشرة قرب الانهار حيث كانت ترمي فضلاتها فيها فكانت سبباً اضافياً في انتشار الكثير من الامراض ، ومنها التهاب المعدة والامعاء  والديزانتري وغيرها من الامراض ، كما شكل وجود الحيوانات الداجنة
وما شاكلها في البيوت سببا اضافيا لانتشار كثير من الجراثيم والمكروبات  التي تسبب الامراض . ومما زاد في انتشار الامراض كثرة المقاهي والمطاعم القذرة والمفتقدة إلى ابسط الشروط الصحية .
وقلما وجدنا من الولاة من يهتم بنظافة المدن والاطعمة والمأكولات وتعد مبادرة والي بغداد احمد توفيق باشا سنة 1277هـ/1860م احدى المبادرات الفريدة من نوعها ، عندما أمر  القصابين واصحاب المأكولات بوضع ستر من الخام على موادهم للمحافظة عليها من الغبار والذباب.
ومن العوامل الاخرى التي  أسهمت في تدهور الحالة الصحية  تدني المستوى التعليمي ، وانعدام الوعي الصحي لدى الغالبية العظمى من السكان ، واذا كان ثمة من يراجع الطبيب فان ذلك لا يكون قبل استفحال المرض ، وبالتالي لا يتمكن الطبيب من شفائه لفوات الاوان.
ومن العوامل الاخرى  التي ساعدت على تفتيش الامراض السارية والوبائية  وقوع العراق في مفترق الطرق فضلاً عن قربه  من الهند مما جعله عرضه للامراض الوافدة التي كانت تنقل بواسطة القوافل التجارية وقوافل الزوار الاجانب . علاوة على جثث الموتى  التي يتم نقلها من ايران وغيرها من البلاد الاسلامية لتدفن في النجف الاشرف وكثيرا ما كانت هذه الجنائز تبقى فترة من الزمن في إنتظار إنجاز المعاملات الرسمية لتأمين مرورها ، مما ترتب عليه الكثير من المحازير الخطيرة.
لم تكن في العراق وحتى ستينات القرن التاسع عشر مستشفيات باستثناء  المستشفى الوحيد في ولاية الموصل ، الذي يرقى تاريخ افتتاحه  إلى سنة 1260هـ/1844م اما الاطباء فيندر ان يكون هناك اكثر من طبيب في مركز كل ولاية . لذلك اقتصرت ممارسة المهنة على بعض المشعوذين والدجالين وبعض المتطببين الذين لم تتجاوز معرفتهم الحقائق التي تلقوها شفاها ، إذ توسع بعضهم في معلوماته من خلال قراءته بعض الكتب القديمة  ، اما بالنسبة للقرى والارياف فقد مارس المهنة اشخاص توارثوها عن آبائهم واجدادهم .
يعود الفضل إلى والي الموصل محمد اينجة بيرقدار (1835-1843 م) في انشاء اول مستشفى رسمي في العراق وهو مستشفى "القشلة العسكرية" ، حيث كان الغرض الرئيسي من إنشائه تأمين الخدمة الصحية للفرقة من الجيش العثماني الموجودة في الموصل ، وكان يدير المستشفى المذكور سنة 1310هـ/1892م عدد من اطباء الالوية وهم المقدم ديمتراكي ، والرائد عيسى والجراح اسماعيل افندي ، يساعدهم إثنان من الصيادلة ، ثم انضم للعمل معهم كل من الاطباء البنباش (المقدم) حسن بدري ومحمد أمين وبسبب ظروف الحرب العالمية الاولى والحاجة الماسة إلى مثل هذه الخدمات ، فقد ازدادت أهمية هذا المستشفى ابان تلك المرحلة .
اما اول مستشفى عام في العراق فقد أنشاءه في  بغداد الوالي مدحت باشا (1869-1872م) الذي ادرك منذ الوهلة الاولى يتدهور الاوضاع الصحية ، فاحدث نقلة نوعية في الميدان الطبي حيث بدأت الحملة الاولى ضد التخلف والشعوذة  والامراض المنتشرة بين الجميع آنذاك . ولما كانت خزينة الولاية لا تكفي لبناء المشروع المذكور ناشد مدحت باشا الاهالي بالتبرع لبناء المستشفى فانهالت عليه تبرعات الاغنياء والوجهاء… عند ذلك تم تشييد هذا المستشفى الذي جرى افتتاحه سنة 1289هـ/1872م وسمي بـ "مستشفى الغرباء" .
إحتوى هذا المستشفى على 50 سريراً ، وضم عدداً من الاقسام منها قسم الامراض الباطنية وقسم الجراحة ، وقسم الامراض الزهرية ، فضلا عن جناح خاص للمساجين والمعتوهين والعواهر. فيما الحقت بالمستشفى شعبة بسيطة للاسعاف وكان العلاج في المستشفى مجانا . اما ادارة المستشفى فقد اسندت إلى دائرة البلدية الاولى . ويبدو ان هذا المستشفى لم يلق اقبالاً عند افتتاحه بسبب تفضيل الناس لاساليب العلاج التقليدية القديمة . كما تم تخصيص هذا المستشفى للغرباء لذلك كان معظم الملتجئين اليه من الفقراء والمتسولين، إذ وجد بعضهم فيه المكان المناسب ليقضوا فيه بقية حياتهم .
واجهت المستشفى منذ بداية تأسيسها وحتى نهاية العهد العثماني ، صعوبات عديدة لعل في مقدمتها إفتقارها إلى الموارد الكافية لتأمين استمرارية عملها ، وأمام هذه المشكلة لجأت ادارة المستشفى إلى مناشدة الاهالي لبذل المساعدات المادية .
اما المشكلة الثانية التي واجهت عمل المستشفى فكانت الافتقار إلى الملاكات الطبية والادارية الكفوءة ، التي كانت احد اسباب اغلاق المستشفى لاكثر من مرة . حتى قيام والي بغداد قدري باشا 1295هـ/1878م ، باعادة ترميم المستشفى وتأمين لوازمه من الادوية والمعدات الطبية ، الا ان الاهتمام لم يستمر طويلا ، إذ سرعان ما تعرض للاهمال ، لاسيما بعد نقل الوالي قدري باشا ، ثم انتهى امر المستشفى نهائيا سنة 1309هـ/1891م ، عندما نقلت محتوياته إلى المستشفى الذي انشأه نامق باشا –الذي سيأتي الحديث عنه لاحقا- في حين تم نقل عائدية بناية المستشفى إلى دائرة المعارف حيث اصبحت بناية للمدرسة الاعدادية الملكية .
يعود الفضل إلى نامق باشا الصغير (1899-1902م) في انشاء ثاني مستشفى في بغداد في جانب الرصافة. حيث جرى افتتاحه في 15 ذي الحجة 1318هـ/ 5 نيسان 1901م واشتمل على عدة اقسام (باطنية ، جراحية ، عيون ، نسائية) ، وردهات خاصة للعمليات ، وقسم خاص للمجانين فضلاً عن صيدلية ملحقة به ومسجد ومطبخ وحديقة .
لقي المستشفى المذكور اهتماماً كبيراً من الوالي نامق  باشا الذي كان يطمح إلى جعله افضل من غيره ، لذا جلب له الادوية والمطهرات والآلات الجراحية من اوربا . اما عن الهيئة الادارية للمستشفى فتألفت من مدير ووكيله وعاملين أخرين لمختلف الشؤون الادارية فضلاً عن مجموعة من الاطباء لمختلف الاختصاصات الموجودة في المستشفى امثال الدكتور نظام الدين للامراض الباطنية ، والجراح ذهني بك للامراض الجلدية ، وطبيب العيون سامي سليمان .وبغية ديمومة العمل في هذا المستشفى ، تم تشكيل لجنة مركزية اوكل  اليها مهمة الاشراف على ادارة المستشفى ، ضمت في عضويتها طبيب دائرة البلدية الاولى ، ومعاون والي البصرة ، وعدد اخر من الاعضاء .
وابان ولاية نجم الدين ملا (1908-1909م) تم استرداد بناية مستشفى الغرباء الذي شيده مدحت باشا من دائرة المعارف، حيث نقلت اليه محتويات المستشفى الذي كان نامق باشا قد أنشأه، وقام هذا الوالي باعادة اعمار المستشفى عن طريق تبرعات الاهالي ، وباسهام خاص منه ايضاً فيما تولت دائرة البلدية الثالثة مهمة الاشراف عليه ، الا ان المستشفى سرعان ما اخذ يتدهور بسبب افتقاره إلى الملاكات اللازمة إلى ان تولى الدكتور محمد كاني ادارة المستشفى سنة 1327هـ/ 1909م الذي كانت له اسهاماته في الارتقاء بواقع المستشفى من خلال توسيعه لقاعاتها ، والاعتناء بتنظيفها ، والتوسع في خدماتها العلاجية . فعلى سبيل المثال ارتفعت اعداد العمليات الجراحية التي اجراها اطباء المستشفى المذكور ، إذ قام الدكتور كاني وحده باجراء ما لا يقل عن 60 عملية جراحية خلال شهر ايلول سنة 1331هـ/1913م .ولاول مرة في تاريخ العراق الحديث اسندت وظائف التمريض إلى بعض الراهبات الفرنسيات حيث كان ذلك احد أسباب زيادة إقبال النساء على مراجعة المستشفى المذكور.
وقد استمر هذا المستشفى في تقديم خدماته العلاجية حتى الاحتلال البريطاني لبغداد سنة 1335هـ/1917م ، حيث قام العثمانيون باخلائه ونقلوا كافة محتوياته وسجلاته واتلفوا بعضها ، اما الانكليز فقاموا بتحويله إلى مستشفى للامراض العقلية . ويذكر وليس بدج الذي زار بغداد سنة 1306هـ/1888م وجود مستشفى اهلي عائد إلى احد الاشخاص البغداديين كان يعالج الناس مجانا .
وفي سنة 1313هـ/1895م صدر الامر من نظارة الداخلية العثمانية (وزارة الداخلية) لانشاء مستشفى اخر  في ولاية بغداد حيث جرى إفتتاحه سنة 1315هـ/1897م سمي بـ "مستشفى المجيدية" ، جرى تخصيصه لمنتسبي الجيش العثماني في العراق ، وكان يديره الاطباء العسكريون الملتحقون بالقطعات العسكرية العثمانية في العراق .
وقد جرت محاولات عديدة لتحسين المستشفى وتوسيعه منها المحاولة التي قام بها قائد الفيلق السادس (صدقي باشا) سنة 1325 هـ/ 1907م . أستمر المستشفى في تقديم خدماته العلاجية حتى الاحتلال البريطاني لبغداد عندما اتخذته القيادة العسكرية للجيش البريطاني مقرا لمستشفاها العسكري تحت اسم المستشفى العسكري البريطاني الثابت رقم (23) .
وفي سنة 1328هـ/1910م جرى افتتاح مستشفى اهلي في بغداد شيدها احد اثرياء اليهود ويدعى مستشفى (مير الياهو الياس) حيث عُدٌت من افخم المستشفيات وأكبرها  آنذاك.
وهناك مستشفى (دار المعلمين) التي فتحت ابوابها للمراجعين في نيسان 1330هـ/ 1912م ، ومستشفى (السبع ابكار) التي أخذت تستقبل جرحى الحرب العالمية الاولى بشكل يومي .
اما بالنسبة لولاية البصرة فقد إفتقرت هذه الولاية وحتى العقد التاسع من القرن التاسع عشر إلى مثل هذه الخدمات ، ويبدو انه بناء على تعليمات وردت من استانبول ، إجتمع أعيان البصرة وكبار العسكريين والموظفين ، وتقرر جمع التبرعات لاقامة مستشفى تضم عشرين سريرا ودار للعجزة تكفي لايواء (20) عاجزا . وخلال مدة ثلاثة اشهر ، جرى افتتاح المستشفى التي سميت بـ (مستشفى الغرباء) (غرباخسته خانه سي) ، وذلك في 28 آب 1308هـ/1890م في محلة عزالدين  حيث بدأت بتقديم خدماتها للمراجعين من المرضى .
فضلاً عن ذلك ، كانت هناك مستشفى البحرية العسكري الواقعة على الضفة الشرقية لشط العرب في منطقة الصالحية ، التي اتخذت ايضاً مركزا للحجر الصحي .
اما فيما يخص ولاية الموصل ففضلاً عن المستشفى العسكري ، اشارت سالنامة ولاية الموصل لسنة 1312هـ/1894م إلى وجود مستشفى اخرى في قضاء دهوك . فيما أشارت سالنامة الموصل لسنة 1325هـ/1907م إلى وجود مستشفى عسكري في كركوك . ومستشفى مدني في السليمانية. وفي سنة 1331هـ/1912م تبرعت بلدية الموصل بانشاء مستشفى الغرباء في المدينة ، حيث عين فيها عدد من الاطباء العراقيين منهم الدكتور داؤد الجلبي ، والدكتور فتح الله غنيمة ، والدكتور عبد الكريم قليان .
ومن المهام التي اضطلعت بها هذه المستشفيات ايضا اجراء التلقيحات ضد الامراض المعدية إذ احتوت بعضها على شعب خاصة أوكل اليها القيام بهذه المهمة حيث عرفت هذه الشعب بشعب التلقيح "تلقيح خانة شعبة سي" وكمثال على ذلك شعبة التلقيحات التابعة لمستشفى الغرباء في البصرة ، وتألف ملاكها الوظيفي من مدير ، ووكيل مستحضر ، وكاتب وعدد من موظفي الخدمة . ثم اسندت هذه المهمة فيما بعد إلى دوائر الصحة التي دأبت على تنظيم حملات التلقيح ضد امراض الجدري والتيفوئيد … وغيرها من الامراض . وعلى وجه الخصوص للموظفين وطلب المدارس الابتدائية والرشدية .ولم تقتصر حملات التلقيح ضد الامراض المعدية على مراكز الولايات بل تعدتها إلى العديد من الاقضية ، منها الديوانية ، سامراء ، مندلي ، كوت الامارة وغيرها من الاقضية الاخرى .
اما بالنسبة للصيدليات ، فقد ذكرت المصادر وجود عدد من الصيدليات توزعت على الشكل الآتي :
6 صيدليات في ولاية بغداد . وصيدلية رسمية واحدة في البصرة هي (صيدلية البلدية) فضلاً عن عدد من الصيدليات الاهلية وهي صيدلية كريكور ، وعزيز افندي وسميح شالوم . ففضلاً عن  (6) صيدليات أهلية في ولاية الموصل وهي صيدلية يوسف سنبل في سوق الشعارين ، وصيدلية عبد الله الحكيم في شهرسوق ،وصيدلية سليمان رمو في محلة الجولاق ، وصيدلية يوسف زبوني في سوق باب السراي ، وصيدلية نجيب قندلا مقابل السجن القديم . فيما اشارت سالنامة ولاية الموصل لسنة1325 هـ/ 1907 م إلى وجود صيدليتين في كركوك.
وفي سنة 1323هـ/1905م تشكلت أول ادارة صحية في العراق في ولاية بغداد ، حيث تألفت من مفتش صحي يعاونه طبيب البلدية ، وكاتب واحد. ومنذ هذا التاريخ انفصلت هذه الدائرة عن البلدية واصبحت دائرة مستقلة ، اعقبها تشكيل دوائر مماثلة في كل من البصرة ،والموصل واما مديرية صحة ولاية الموصل فتكونت وحسب ما ورد في سالنامة 1330هـ/1912م من المدير محمد نوري أفندي ، والكاتب صادق أفندي ، وكاتب الوفيات (توفيقخانه كاتبي) محمود أفندي ، وسرغارديان  وهو رضا بك ، والطبيب حنا خياط ، وأطباء مناوبين ، ومضمد واحد ، وموظف خدمة .
كانت هناك دوائر صحية في عدد من الاقضية ، فعلى سبيل المثال لا الحصر ذكرت سالنامة ولاية بغداد لسنة 1326هـ/1908م ان دائرة صحة كربلاء ضمت ملاكاً وظيفياً تألف من مأمورين وموظفين أثنين . فيما تكونت دائرة صحة خانقين من طبيب وثلاثة اعضاء، ومعاين للجثث الواردة من ايران فضلاً عن عدد من الموظفين . كما اشارت السالنامات العثمانية إلى وجود هيئات صحية في عدد من الولايات العراقية ومنها ولاية بغداد التي تكون ملاكها الوظيفي من وكيل مفتش الصحة ، وعدد من الاطباء بضمنهم طبيب بيطري ، ومأمور اعاشة وقابلة . في حين تكونت الهيئة الصحية لولاية الموصل من مفتش للصحة وطبيب البلدية ، وطبيب بيطري ، ومأمور الاشغال والقابلة . اما عن الدور الذي اسند إلى هذه الهيئات فيبدو انها مارست نوعا من التفتيش الدوري للادارات الصحية الفرعية .
وتقتضي الضرورة هنا الاشارة إلى ان هناك اطرافاً اخرى اسهمت في تقديم الخدمات الصحية في العراق إلى جانب السلطات العثمانية ، ولاسيما الارساليات التبشيرية فقد كانت الخدمات الطبية في طليعة الخدمات التي قدمتها الارساليات التبشيرية التي وفدت الىالعراق ، إذ ادرك اعضاء هذه الارساليات … ان تحقيق مثل هذه الخدمات كفيل بتأمين الاحتكاك المباشربالناس ، وبالتالي تأمين الوصول إلى الغايات التبشيرية لان الناس كانوا يومذاك ، بأمس الحاجة إلى مثل هذه الخدمات ، والى ذلك يشير احد اعضاء هذه البعثات بقوله "ان الطبيب المؤهل والجراح الممتاز يملكان ترخيصا يفتح امامهما الابواب المغلقة" .
وفي سنة 1284هـ/1867م مر بالموصل البارون ليجون Lijeune ممثل الامبراطور نابليون الثالث قادماً من بلاد فارس  وفي اثناء رحلته اصيب بمرض ادى إلى وفاته بعد حين علىأثر ذلك قامت والدته سنة 1291هـ/1874م بالتبرع بمقدار كبير من المال لانشاء مستشفى في الموصل سمي باسم "مستشفى ليجون" الذي جرى افتتاحه سنة 1293هـ/1876م . وامام افتقار ولاية الموصل إلى مثل هذه الخدمات ، لقي المستشفى اقبالا متزايدا من المراجعين إذ بلغ عدد المراجعين سنة1294 هـ/1877م (30) الف مراجع ، ليرتفع العدد لسنة1306 هـ/ 1888م إلى (38.200) مريضاً ، وفي سنة 1308هـ/1890م بلغ عددهم 52.000 مريضاً . كما احتوى المستشفى ايضا على ردهة للمعوزين والمرضى الغرباء. كما قامت الارسالية نفسها بافتتاح عيادة طبية لمعالجة امراض العيون  فضلا عن دار للمسنين .
وفي سنة 1318هـ/1900م قامت جمعية التبشير الكنسية الانكليزية Church Missionary Society   بافتتاح مستشفى خاص بها في بغداد . حيث تألف في بداية افتتاحه من عيادة خارجية ،واربعة اسرة تم تخصيصها للمرضى الذين هم بحاجة إلى اجراء عمليات جراحية وبمرور الوقت احرز هذا المستشفى تقدماً ملحوظاً في الخدمات العلاجية التي قدمها ، على الرغم من محاولات السلطات العثمانية  اغلاق المستشفى المذكور ، إذ ارتفع عدد اسرة المستشفى حتى وصلت إلى 32 سريرا . في الوقت الذي تألفت الهيئة المشرفة على ادارة المستشفى سنة 1322هـ/1904م من طبيبين تابعين للجمعية وصيدلي فضلا عن خادمين وسيدة تم تدريبهم على اعمال التمريض. وأمام النجاح الذي حققه هذا المستشفى، باشرت الارسالية التبشيرية المذكورة بتشييد مستشفى جديد في محلة السعدون ، الا ان هذا المستشفى سرعان ما توقف العمل به وبشكل نهائي بسبب اندلاع الحرب العالمية الاولى. وفي سنة 1333هـ/1914م قامت الارسالية ذاتها بافتتاح اول صيدلية انكليزية في بغداد.
اما بالنسبة لولاية الموصل ، فقد امتد اليها نشاط هذه الارسالية سنة 1319 هـ / 1901 م عندما تم افتتاح احدى المستشفيات التي أسندت ادارتها الى الدكتور ستن H. M Sutton أعقبه الدكتور كريفث A. H. Criffth الذي جرى في عهده توسيع المستشفى ، اذ وصل مجموع الاسرة الى (24) سريراً ، كما انضم للعمل في هذا المستشفى عدد من الاطباء العراقيين منهم الدكتور فتح الله ساعاتي ، والدكتور أبلحد عبد النور ، ويبدو ان الاقبال على
هذا المستشفى كان ضئيلاً الى الحد الذي اضطر القائمين على ادارته الى إغلاقه سنة 1333 هـ / 1914 م .
وفي ولاية البصرة ، كان للارسالية العربية Arabian Mission  وهي إرسالية تبشيرية أ مريكية ظهرت جهودها في هذا المضمار ابتداءا من سنة1310 هـ/ 1892 م ، من خلال الخدمات العلاجية التي قدمها الدكتور ريكز C.E.Riggs  ، حيث بلغ مجموع المرضى المستفيدين من هذه الخدمات ، خلال الشهر الاول من افتتاحها (550) مريضاً. ثم اخذت اعداد المراجعين بالازدياد خاصة بعد قيام أطباء الارسالية المذكورة باجراء العمليات الجراحية . وفي نهاية سنة 1322هـ / 1904 م إفتتحت الارسالية المذكورة عيادة نسائية ، كما تم توسيع مجال الخدمة الطبية لتشمل القبائل القاطنة في شمال وشرقي البصرة .
وقام المبشرون الكرمليين بافتتاح صيدلية ببغداد ، فضلاً عن تقديم الدواء قدمت الصيدلية المذكورة خدمات علاجية من خلال انتدابها لعدد من الاطباء الماهرين للعمل منهم الدكتور ارام أفندي اخصائي الجراحة والعيون. كما انشأ الكرمليون داراً للايتام واخرى للمكفوفين والعجزة. ومنذ العقد الاول من القرن التاسع عشر قامت شركة الهند الشرقية الانكليزية بادخال التطعيم الى العراق من خلال إيفاد الاطباء العاملين في هذه الشركة الى بغداد والبصرة ، في حين قدم مستوصف المقيمية البريطانية العاملة في بغداد خدماته العلاجية الى المرضى  تلك الخدمات التي استمرت حتى قيام الحرب العالمية الاولى اذ وصل عدد المرضى المراجعين لهذا المستوصف خلال شهر تشرين الثاني سنة 1331 هـ / 1913 م (1062) مريضاً. ليرتفع العدد الى (2252) مراجعا في شباط 1332 هـ / 1914 م.
وقد حظى اسلوب تعامل المبشرين ، وأطباء القناصل في ميدان الخدمة الطبية باحترام الناس ، وجلب أنظارهم خاصة المثقفين منهم الى قيم الحضارة الاوربية ، ونبه أذهانهم الى واقع شعبهم المأساوي في ظل الحكم العثماني . غير ان الجهود الطبية للارساليات التبشيرية واطباء القنصليات لم تكن ذات أهداف إنسانية بحتة فهي أتخذت من الخدمة الطبية وسيلة لجذب الناس اليها. والتمهيد لنفوذهم السياسي ولجمع المعلومات عن السكان وميولهم ولاعطاء إنطباعات ايجابية عن حبهم للانسانية .

دوائر الحجر الصحي
تشكلت ادارة المجلس الصحي الاعلى في عهد السلطان محمود الثاني عندما قرر الاخير اللجوء الى مساعدة ممثلي الصحة العالميين لمنع انتشار الامراض الوبائية ، خاصة بعد انتشار مرض الطاعون الذي إجتاح العاصمة استانبول سنة 1253 هـ/ 1837م  وقد تألفت ادارة المجلس المذكور من ثمانية اعضاء ممثلين للدولة العثمانية ، ومندوبي قناصل روسيا وفرنسا وألمانيا والنمسا والمجر وبريطانيا وبلجيكا واسبانيا وهولندا واليونان والسويد والنرويج وايران.
وفي سنة 1256 هـ/ 1840 م صدر نظام الكرنتينة Quarantine  أو ما يعرف بالحجرالصحيتلاها اصدار أنظمة وتعليمات فرعية لهذا النظام حتى اصدار نظام الادارة العمومية ، الذي اولى جانباً من إهتمامه لموضوع الحجر الصحي إذ الزمت إحدى مواد هذا النظام مأموري الكرنتينة بضرورة إخطار الجهات الرسمية في حالة ظهور وباء ما.
شهدت الولايات العراقية خاصة ولاية بغداد ، إفتتاح العديد من دوائر الحجر الصحي، التي كانت تمارس اعمالها بصورة منتظمة في منتصف القرن التاسع عشر. وقد عنى الوالي مدحت باشا في اثناء ولايته بافتتاح عدد من دوائر الحجر الصحي في مناطق السليمانية وراوندوز وخانقين ومندلي وفي مدن العتبات المقدسة وبعض المدن الكائنة في الطرق الموصلة اليها لكثرة الزوار الايرانيين الذين يفدون لزيارتها ، كما منع الايرانيين من الحج عن طريق العراق الى الديار المقدسة ما لم يتزودوا بشهادة السلامة الصحية من دوائر الحجر الصحي الموجودة على الحدود.
ثم توالى انشاء عدد من دوائر الحجر الصحي واما ولاية البصرة مثلا ، فضلاً عن مركز الحجر الصحي الرئيس الذي اقيم فيها جرى إفتتاح عدد من دوائر الحجر الصحي.

عن رسالة (الخدمات الاجتماعية في العهد العثماني)