حديث عاصف مع اول وزير معارف في الدولة العراقية.. الشهرستاني من حكم الاعدام الى منصب الوزير

Sunday 28th of August 2016 05:36:26 PM ,

ذاكرة عراقية ,

لقاء اجراه سنة 1957 منير رزوق
في بيت متواضع بسيط في العيواضية قابلت أول وزير للمعارف في العراق. قادني خادمه الإيراني إلى غرفة الاستقبال وقال لي ((بفرمو آغا)) أي تفضل سيدي وبعد قليل دخل الغرفة رجل مهيب الطلعة قوي البنيان، معتدل القامة في وقار، أول ما يلفت نظرك منه لحيته الخالصة البياض ونظارته الخالصة السواد.

وجلس بعد أن صافحني والتف بعباءته السوداء، ثم شرع يتحدث.. وخلال ساعتين كان دفتري يضم بين دفتيه قصة حياة هبة الدين الشهرستاني الحسيني.

قلت له: أريد منك أن تقص عليَّ تاريخ حياتك فأبدى ممانعة أول الأمر.
قال: ليس من عادتي أن أتحدث عن نفسي. فقلت له: ((حسبك أن تذكر وقائع حياتك))

السيد
ان أهل بيته يسمونه السيد فحسب، ذلك انه من نسل الرسول. ولد في سامراء عام 1301 هجرية (1883 ميلادية) أي انه الآن في السادسة والسبعين من عمره المديد وكان والده عالماً زاهراً اسمه السيد حسين بن المحسن. أما لقب الشهرستاني فيقول عنه انه جاءه من الأمهات اذ كانت أمه أختا ًلأكبر رئيس في كربلاء في أواخر القرن التاسع عشر ينتمي لآل الشهرستاني.
اما لقبه الأصيل، لقب والده فهو الحسيني، نسبة إلى الإمام الحسين (ع).
يقول السيد: ((كانت ولادتي سنة ولادة المغفور له جلالة الملك فيصل الأول، فنحن أقران في العمر، اما سيرتي فكلها نهضات، نهضت وانا لم ابلغ العشرين سنة من عمري بعد. وقضيت 57 سنة كلها في النهضات)).
اما هذه ((النهضات)) فسنفصلها لك بعد حين.
لقد تلقى السيد ثقافته الاولية في سامراء ثم تلقى الدروس المتوسطة في كربلاء، اما الدروس العالية فتلقاها في النجف مركز التحصيل العلمي والديني آنذاك في العراق.

مع محمد عبده
وفي مستهل القرن العشرين (1320 هـ - 1902م) كان السيد في العشرين من عمره وعن حركة الإصلاح الديني التي قام بها الشيخ محمد عبده في مصر. يقول السيد ((واتصلت بالحركة الجديدة. كنت أقرأ الكتب والمجلات الجديدة. وكان لي شغف بكل جديد ولذلك انكببت ادرس ما كنا نسميه ((علم الهيئة القديمة)) على ايدي شيوخ النجف وكربلاء. ومن هنا قرأت الفيزياء والكيمياء والرياضيات. وكنت ادعو الى الاخذ بالعلوم الحديثة وبدأ النجفيون يعارضونني لكنني استطعت أن اجتذب إليَّ حزباً من الشباب النجفي كان منهم الشيخ محمد رضا الشبيبي والشيخ علي الشرقي والسيد حسين كمال الدين القاضي الجعفري السابق، وكان منهم عدد من شباب آل كاشف الغطاء. وكان ((حزبنا)) يدعو إلى نشر العلوم الجديدة والتجديد وفي تلك الفترة ألفت كتاب ((الهيئة والإسلام)). وفيه قارنت بين دين الإسلام وعلوم ((الهيئة الجديدة)) مأخوذة من القرآن والحديث النبوي. وقد ترجم كتابي إلى الفارسية والتركية والانكليزية والهندية فيما أعلم.

النهوض
وهنا سألته: هل كانت لكم مراسلات مع كتاب النهضة الحديثة في مصر؟
فقال: كاتبت الشيخ محمد عبده والسيد رشيد رضا صاحب المنار والشيخ عبدالعزيز جاويش والشيخ طنطاوي جوهري واصحاب مجلتي الهلال والمقتطف. وقد كنت احتفظ بكثير من الرسائل أما الآن فلم يبق لديَّ منها الا رسالة واحدة من الشيخ محمد عبده.
ويصف السيد اشتغاله في حركة التجديد الديني في النجف بأنه كان ((النهوض الأول)) في حياته.

ثريا بك
رجل هذا شأنه كان لابد أن يلتفت الى الحركات التقدمية في استانبول. ومن هنا كان اتصاله بجمعية الاتحاد والترقي وبجمعية السعادة. ولهذا كان من دعاة ((الحرية العثمانية)) في ذلك الحين – أي من دعاة الدستور. وكان على اتصال بالمندوب المتجول لجمعية الاتحاد والترقي واسمه ثريا بك. وكان هذا قد زار النجف. ويقول السيد ان ثريا كان صديقه. وبعد عام واحد من اعلان الدستور العثماني اصدر السيد مجلة ((العلم)) وهي أول مجلة صدرت باللغة العربية في العراق وكان ذلك عام 1327 هجرية (1909م). ولم تكن هناك مطبعة في النجف فكان السيد يطبعها في بغداد في مطبعة الآداب. وقد أستمر صدور المجلة سنتين.

سياحة
ثم خطر للسيد ان يقوم بجولة، فسافر الى موانئ الخليج فجنوبي إيران فالهند التي بقى فيها سنتين ثم عاد الى الحجاز وسوريا.. كان يود الذهاب الى اليابان لأنه تلقى دعوة من بعض انصاره هناك. ولكن البعض اخبروه، سراً وهو في الهند، ان حرباً عالمية ستقع فعدل عن الفكرة وكان رجوعه الى النجف في اواخر عام 1333 هجرية (1914م).

مع الأتراك
وقامت الحرب العالمية فوقف السيد الى جانب الأتراك ينصرهم ويدعو الى الجهاد معهم ويجمع المتطوعين. وذهب هو مع عشائر الفرات الى الشعيبة. وظل مع الاتراك يتراجع معهم حتى سقوط بغداد. وكان حاضراً معركة الكوت التي أسر فيها الجنرال تاونسند مع 12 ألف جندي بريطاني.
وبعد سقوط بغداد أنسحب السيد إلى الكاظمية.
ولكن أنى للسيد ان يستريح؟ لقد انتهت معركة وبدأت أخرى. لقد بدأت الثورة العراقية. بدأت المطالبة بالحكومة الدستورية، وبدأت المطالبة بان يكون الملك فيصل على عرش العراق. ويقول السيد انه كان يراسل الملك فيصل عندما كان في سوريا.
وانتقل السيد الشهرستاني من الكاظمية إلى كربلاء، مركز الثورة.
وانتهت ثورة شوال 1338 هجرية كما يسميها السيد أو ثورة 1919-1920 كما نسميها نحن. انتهت بالنجاح وقرر الانكليز أن يؤلفوا حكومة وطنية في العراق. وانزوى السيد في كربلاء في قرية اسمها ((الحر)).

الاعتقال
وذات ليلة قصدت القرية بضع سيارات مدرعة وعشرة خيالة وعربتان. وشاع اتجاهها نحو القرية بسرعة البرق وقال السيد لعائلته:
((القوم لا يريدون غيري)) وفعلاً جاءه ((القوم)) وقالوا له: إن الميجر بولى – حاكم كربلاء – يحب أن يأخذ رأيك في بعض الأمور. وذهب السيد معهم وليس معه إلا شيء واحد... القرآن. ويقول الشيخ أن رجلاً من أهالي كربلاء يدعى الشيخ فخري هو الذي دل عليه الانكليز.
ونقل السيد سجيناً إلى مستشفى كربلاء ثم إلى الهند في المعسكر الهندي ثم إلى الحلة حيث دخل سجناً ما يزال يستعيد بالله منه وهناك وجد رفاق الثورة وكانوا أربعين رجلاً. وأمام الديوان الحربي العرفي (المجلس العرفي العسكري) حكم على عدد كبير من رجال الثورة بالاعدام وكان السيد منهم. وذهب القرار الى بغداد.

حكم بالإعدام
ويروي السيد ان احد ابناء المحكومين بالاعدام ذهب لمقابلة سير برسي كوكس المندوب السامي البريطاني ليرجوه عدم المصادقة على الحكم. وهناك قالت له مس بيل ((لا تخف. ان أباك لن يشنق. اثنان فقط ذنبهما كبير. وسيشنقان)).
أما هذا الاثنان فهما هبة الدين الشهرستاني وحسن الدد
لكن لندن لم توافق على قرار الاعدام. واصدر الملك جورج الخامس عفواً عن الثائرين جميعاً. وكانت السياسة البريطانية، سياسة التهدئة، تقضي بعدم القيام بأي عمل استفزازي حتى لا تتجدد الثورة.
ويروي السيد الشهرستاني قصته في السجن: ((لقد قضينا 9 أشهر في الحبس، وفي غرفة المصلبة (المشنقة) على ان الانكليز كانوا يحترموننا فلم يغيروا ألبستنا العادية. وعندما صدر الحكم علينا بالإعدام تغيرت ألوان رفاقي. كانوا في هم عظيم. اما انا فلم اهتم. أخذت عباءتي وصعدت سلم المشنقة وجلست على فسحة صغيرة ينتهي عندها السلم تحت المشنقة مباشرة. ولكنهم نادوا علي بان انزل لأشرب الشاي. فقلت لهم ابعثوا لي بالشاي هنا. فعجبوا مني. ولكنني بهذه الكلمة كنت بعثت في نفوسهم شيئاً من الاستهانة.
فما لبثوا ان صعدوا جميعاً السلم وجلسوا معي يشربون الشاي تحت المصلبة. لقد قلت لهم: لماذا اصفرت وجوهكم؟ إننا شهداء. فما لبثت نفوسهم ان اطمأنت حتى صارت المصلبة ملعبة)).

من اجل الشريف
وخرج السيد من السجن ليواجه جهاداً، أو نهوضاً آخر، كما يسميه. كان عليه أن يخوض المعركة مع الخائضين من اجل الشريف فيصل بين الحسين. كان هناك استفتاء قرر الانكليز إجراءه في العراق لتقرير نوع الحكم.
ويقول السيد: عندما جاء الأمير فيصل إلى كربلاء جاء منْ يقول لي إن الأمير يطلبك فذهبت اليه وصافحني وعرفته بالعلماء في الصحن الشريف. وألقيت بين يديه خطاباً فرد عليه. ثم انصرف وانصرفنا. وبعد قليل جاءني حميد خان متصرف كربلاء آنئذ (الشعب – ان المرحوم حميد خان هو والد قرينة الدكتور ضياء جعفر).
(أبن خال اغا خان زعيم الطائفة الإسماعيلية الذي توفى قبل مدة قصيرة) وقال لي ان الشريف لا يتغذى الا وانت معه. فذهبت وهناك تبادلنا الحديث ثم تواعدنا على الاجتماع في بغداد.
وذهبت إلى بغداد وكان المرحوم فهمي المدرس يومئذ مدير شؤون الامير وهو نازل في قصر شعشوع.
وهناك عرض علي ان اكون رئيساً للوزراء عند تشكيل الحكومة، فاعتذرت، ثم عرض علي وزارة المعارف فاعتذرت ولكنه هددني بان يشكوني يوم القيامة لدى جده وجدي فقبلت.
وصارت البيعة 96 بالمائة من سكان العراق بايعوا الامير فيصل ملكاً على كتاب الله وسنة نبيه والعدل والمصلحة الإسلامية. وبعد التتويج جاءني – وأنا في كربلاء – الأمر بتعييني وزيراً للمعارف في أول حكومة عراقية.

96 مدرسة
كانت في العراق 96 مدرسة كما يذكر السيد الشهرستاني. بضمنها كلية الحقوق. وفي ظرف سنة، أي عندما خرج السيد من الوزارة وصل الرقم الى 200.
وهنا سألته: ((هل كانت مدرسة للبنات؟)).
قال: ((مدرسة واحدة فقط. ولكنها كبيرة وطالباتها كثيرات. وكانت تستأجر بيت والد الاستاذ محمود صبحي الدفتري بالرصافة)). واذكر أنني كنت في مكتبي بالوزارة حين دخل علي والد الاستاذ محمود صبحي وقال لي انه جاء لتوه بالقطار من استانبول فوجد داره وقد استأجرها الانكليز وجعلوها مدرسة للبنات, وانا ارجو منك اما ان تعيد لي بيتي أو تسمح لي بالنزول ضيفاً عليك في بيتك انا وعائلتي.
فبعثت في طلب مديرة المدرسة، وكانت تركية على ما اذكر واتفقت معها على تخلية الدار في ظرف 3 ايام.

خلاف مع المستشار
وكانت قصة المدرسة سبباً لخلاف بيني وبين مستشار الوزارة مستر فاريل. فقد جاءني غاضباً وسألني كيف أوافق على نقل المدرسة معِ، فقلت ان الدار استؤجرت في غياب صاحبها ومن حقه ان يستعيدها. وكان ذلك هو الخلاف الأول بيننا.
ثم اختلفنا على مسألة اللافتات والعبارات المعلقة على ابواب غرف الوزارة فقد كانت بالانكليزية فطلبت كتابتها بالعربية وكلفت المرحوم الشاعر معروف الرصافي بان يتولى امرها ويشرف على ترجمتها بنفسه.
ثم لاحظت ان مدير الرسائل يسيطر على كل كتاب يرد الى الوزارة او يصدر منها حتى رسائلي. فاستدعيته وطلبت اليه ان يترك رسائلي الرسمية وشأنها. ولكنه قال لي انه لا يلقي الاوامر من الوزير بل من المستشار الذي عينه. وكان مرجع الخلاف مجلس الوزراء فحررت كتاباً بالموضوع الى المجلس وحرر المستشار كتاباً اخر. ولكن كتابي لم يصل المجلس ابداً. وعلمت ان مستر تومسون احتجزه، وسمح بكتاب المستشار.
وقد انتهى الخلاف بتدخل سير برسي كوكس نفسه. وكان سياسياً قديراً. وقد بحثنا الامر معاً وتقرر اقصاء مستر فاريل ومستر تومسون من الوزارة وتعيين مستشار جديد. (وكان مستر فاريل اول واخر مستشار يعزل لخلافه مع وزير عراقي).
ثم جاءت المعاهدة العراقية البريطانية الاولى فاختلفت مع زملائي الوزراء على مادة واحدة فيها وانتهى الخلاف بخروجي من الوزارة. وقد عين الحاج عبدالحسين وزيراً مكاني وصدقت الوزارة المعاهدة.
وبعد خروجي من الوزارة عينت كاول رئيس لمجلس التمييز الشرعي الجعفري في بغداد. وفي ذلك الوقت فقدت بصري في قصة لا مجال بذكرها وقد بقيت 12 سنة في منصبي حتى انتخبت نائباً في بغداد زمن الوزارة الايوبية الاولى (وزارة فخامة على جودت رئيس الوزراء الحالي). ولكن المجلس حل بعد زمن ومنذ ذلك اليوم أي قبل حوالي 25 سنة حتى اليوم وانا جليس بيتي.

س و ج
مع الشهرستاني
• كم كتاب ألفتم؟
- 300 منها 30 مطبوعة و30 جاهزة للطبع والبقية تحتاج الى تكملة. وفي نيتي ان اكتب مذكراتي.
• ما هي هواياتكم؟
- الكتب والأصحاب.
• كم كتاباً جمعتم؟
- عشرة آلاف. منها ألف مخطوطة.
• ما هو اعز كتاب لديكم؟
- مخطوط لنهج البلاغة كتب قبل وفاة مؤلفه الشريف الرضي. اي قبل آلف سنة.
• هل تؤيدون منح المرأة حقوقها السياسية؟
- الطبيعة ما ساوت بين المرأة والرجل فكيف يساوي بينهما القانون؟
• كيف ترون العراق اليوم؟
- في الظواهر والماديات أرقى بكثير من أيامنا. ولكن الأخلاق.. بكل صراحة اقول انها كانت أحسن حتى في أيام الاحتلال الانكليزي. هناك مسبح يشترك فيه الفتيان والفتيات فبأي وجه ومن وجوه الشريعة يجوز ذلك؟

م. الاسبوع ملحق جريدة الشعب 1957