الأسس المعرفية عند جون لوك ونظرية المجتمع المدني

Tuesday 27th of December 2016 05:30:15 PM ,

منارات ,

محمد يونس
من طبيعة القوانين العضوية السعي الدائم لموازنة استجابة المجتمع لها، وطبيعتها خارج سياق المعنوي والقيم الروحية، ومن تلك الموازنة واهتماماتها المؤثرة على الانتماء الاجتماعي. ومن هذه التفاعلات الاجتماعية وكمتطلب حضاري وجد المجتمع المدني، الذي له تأثيره المبالغ على حيز السلطة وفاعليتها في الاداء كحكومة تكرس في طبيعتها الايديولوجية مفهوم الدولة.

ومع بدء النهضات السياسية ذات الطابع الفكري والمعرفي، وتأثر نشاط الفرد والجماعة بتلك الافكار والطروحات التي يغلب عليها مبدأ قيم التحضر والاهتمام الانساني، بدت ملامح نظرية تبدو بتباين لمفهوم المجتمع المدني، وقد تظهر لهذا المفهوم جل الطاقات الكبرى في الغرب التي سعت الى ايجاد قوة اجتماعية تؤثر على طبيعة الكنيسة السائدة في ذلك الظرف الزمني، واعطاء الجماهير دوراً ريادياً منظماً في بناء الحياة، عبر التعاون الاجتماعي وقبول النقد واحترام الاراء.
ان تنظيرات مهمة طرحها هيجل اوماركس وروسو ولوك وهويز، لابد ان تؤثر في القناعات الاجتماعية ورغم السياق التاريخي المربك في جانب تفهم تلك القناعات، وجد بسبب الحاجة الملحة اعتقاد ورغبة ملحة، اساسها طبيعة الطروحات في اطارها الاجتماعي، ونوعية خطاب تلك الطروحات الذي يراعي الى حد ما الجانب الانساني وتنميته في نفس المجتمع. وقابليته في تذليل صفة العلاقة بين الفرد والدولة. فكان المجتمع المدني في الفكر الرأسمالي اشبه بخلاصة انسانية في عدة مجالات، ففي الاقتصاد كمجال حيوي كان الاعتماد فيه على حرية السوق، وكذلك استمد المجال السياسي السلطة من ارادة الشعب. وهذه المجالات يتأكد فيها المجتمع المدني والمواطنة يحددها القانون الذي يتأكد وضعياً في ذلك المجتمع.
ان ملامح المجتمع المدني وفي شتى الاطر الاجتماعية تتبدل في جوهرها بتبدل الظروف وعلى الاخص في حالة ضمانها الموازنة الموضوعية بين الدولة والفرد، نظراً لما تتضمنه تلك الموازنة من اهمية. والتبدل ايضا تاثر بالطروحات المزامنة والتي تنحصر في حيز تاريخي يكون سلوك القانون في ظرفها يقابله اشمئزاز على اقل تقدير من المنظومة الاجتماعية.
ان لم يكن ما يسمى عصيان من قبل الدولة، وهو ربما في مرجعيته حق شرعي. لذلك كانت تتوثق العلائق بين الشعب من خلال حسه باهمية مطلبه وبين الافكار الكبرى، التي اعادت صياغة اليوتبيا، باعتبارها اساس فكرة المجتمع المدني، ونقطة تفكيره وتأمله.
لقد تركت تعريفات جون لوك ورسائله كبرامج حيوية معرفياً،وكخلاصة مدركة لحيثيات المجتمع المدني وبث قيم مهمة في كيانة،فنجد ان طروحات جول لوك قد ركزت على معايير مهمة،وذات طابع اخلاقي، من اجل ديمومة التعاقد بين الفرد والمجتمع،ومن اجل ان يتاكد الانتقال من المجتمع الطبيعي الى المجتمع المدني بضمانات واسس ووسائط منطقية وماقوله (وهكذا فحيث يؤلف عدد من الناس جماعة واحدة ويتخلى كل منهم عن سلطة تنفيذ السنة الطبيعية التي تخصه ويتنازل عنها للمجتمع،ينشأ عندنا حينذاك فقط مجتمع مدني او سياسي الا كي يتاكد المجتمع عبر اعادة صياغة الذوات بالتخلي عن الصفات المؤثرة في بنية المجتمع المدني،وطبيعة الفكرة هنا لدى كول هي تحديد الملامح الاخلاقية للمجتمع المدني من جانب،ومن جانب اخر الغاء عناصر الصراع او الانتماء في ذات الوقت،حيث يكون الفرد اولياً بلا ملامح ايدلوجية،وعلى الاخص تلك التي تميز جوانب خالية من ارادة الانسان وقد سعى جون لوك لتاكيد معاني مهمة لجعل الفلسفة الفردية محدودة الملامح وكذلك نشاط الدولة وسعة سلطتها كي يكون المجتمع بامان بين الفرد والدولة،ومن ذلك المعيار تبدو اهمية المجتمع المدني، وملاءمته للمجتمعات المتحضرة اجتماعياً وسياسياً،والتي لاتعيش تبدلات في البنيتين الاجتماعية والسياسية،وركزت فكرة جون لوك على التنظيم الطوعي،حيث يكون مالكاً لزمام حريته،ويملاً بذلك التنظيم مناطق الفراغ في المجال العام للاسرة والدولة.
ان تبلور الافكار يشكل اهمية قصوى في بناء المجتمع المدني،وهذا ينصب على فكرة لوك واهدافها،وتقييمها لفلسفة الذات وحيثياتها وقابلياتها الفطرية في انشاء مجتمع مدني وربما راعى جون لوك الفكرة الافلاطونية في كون الفرد له حاجات ذاتية، وهناك طابع فطري لاشباع تلك الحاجات ولعدم استطاعة الفرد ذلك، نشأ المجتمع المدني استجابة لتأمين حاجات الفرد وفق معيار انها جزء من حاجات الاخرين ايضاً وهنا وجد الوازع والعلة الموضوعية من خلال المشتركات الاجتماعية في تلبية الحاجة انبثقت الحاجة الملحة لمجتمع مدني،وهذا طبعاً ليس تفسيرا مطلقا،فلابد هناك من دوام انسانية واجتماعية اخرى فرضت نفسها على الافراد.
انا جون لوك يطرح خيارات اخلاقية مهمة، ويؤكد اهمية تلك الخيارات،فبدت طروحاته من جانب ما وكانها دينية،فيما هي طروحات عضوية،ترتكز على معيار مهم في التفسير الانساني للظواهر،وتنظيم للفطرة الانسانية والدوافع السلوكية ايضاً،وهو بالتالي تنظيم للعلائق الاجتماعية وان كان في حيز معين.
ان المجتمع المدني هو الخلاصة الحيوية التي يراها لوك نسقاً تتيح له الصيرورة انفصالاً للمراقبة او التمكن من الخيرات والمنافع دون وساطة الحكومة،وهذه افضل صورة حيوية يمكن ان يرتقي لها الفرد.