العتبات النصية والمعمار الروائي والرؤية المستقبلية..قراءة في رواية (عشاق وفونوغراف وأزمنة) 2-2

Saturday 28th of January 2017 07:29:40 PM ,

ملحق اوراق ,

صادق الطريحي
أنشأت الروائية مجالاً مناسباً لعرض المخطوط، من حيث التجليد وحبر الكتابة ولون الورق ونوع الخط، ومن ثم تحقيقه أو اعادة كتابته، واختار جابر صبحي الكتبخاني ابنته (نهى جابر) لهذه المهمة، وهي ليست طارئة على هذه الوظيفة، فهي سليلة أسرة الكتبخاني التي آل إليها اللقب "من جد بعيد عاش في القرن السابع عشر وكان كتبياً مولعاً بالمخطوطات والكتب...

ولم يرث أيّ من أحفاده علمه وولعه ما خلا صبحي..." الرواية، ص 36.
جعلت كاتب المخطوط يغير من طريقة الكتابة "فاكتشفت أنه كان يتحدث عن نفسه مرة بضمير الغائب، يتحدث عن شخص يعايشه ويشهد تفاصيل حياته وحياة الأقربين وأحوال البلاد ولا يريد أن يظهر آنويته، ومرة يكتب بصوته هو..." الرواية ص154. وعن طريق هذا الايهام استطاعت الكاتبة شد القراء إلى رواية طويلة، وقللت من الرتابة في السرد.
وبوساطة اشتراك أكثر من كاتب في المخطوط (فؤاد صبحي، رأفت الخيامي، بنفشة خاتون) استطاعت الكاتبة أن تعطينا رواية أجيال تمتد لأكثر من مائة عام، ولكن من خلال زمن السرد الذي لم يستغرق سوى أشهر قليلة.
ويتجلى توظيف المخطوط لهذه الرواية من خلال وصف المكان، والمكان في هذه الرواية هو بغداد في عصرين مختلفين، بغداد في العهد العثماني إلى العام 1953 في العهد الملكي، وبغداد بعد العام 2007، بالمساكن العشوائية، وتبدلات السكان وتغير شكل المحلات والشوارع... لقد وصفت الرواية البيت البغدادي للأسر البغدادية المتنفذة، وبساتينها، ومحلات بغداد القديمة، فضلاً عن الملاهي، ودوائر الحكومة، وشق شارع الرشيد، وعربات الترامواي، ووسائل المواصلات، وبعض الأزقة... كما وانتقل بنا المخطوط إلى الإستانة بوصفها المؤثر الفعلي في بغداد، ثم إلى لندن وجامعاتها.
وعلى الرغم من أن المخطوط يعنى بمذكرات صبحي الكتبخاني الشخصية؛ إلا إنه ممتلئ بالرسائل التي تود الرواية بثها، ففيه رفض للعبودية والرق إبان الدولة العثمانية، وتشمل هذه العبودية الجميع وليس الرقيق الخادم فقط "أبكي تأسياً على روحي، أبكي على أمي وأخواتي وأخوتي والخدم والحراس والمربية المخلدة أم نعمان وعلى الناس القانعين بما وجدوا أنفسهم عليه من عبودية موروثة.." الرواية، ص 154.
وفيه إشارة إلى الفلكلور البغدادي من خلال تقديم النذور من قبل النساء المسلمات إلى الكنيسة طلباً للإنجاب أو الزواج " أتينا نتبارك بالسيدة العذراء ونطلب المراد من أم سيدنا عيسى" الرواية، ص 322.
وعن طريق المخطوط فضحت الرواية الطبقات السياسية والأرستقراطية منذ العهد العثماني حتى زمن الرواية؛ لأن نفوذها وأملاكها وأراضيها جاءت عن طريق هبات السلطة العثمانية والبريطانيين فيما بعد.
وعن طريق الحبكة الروائية ربطت الكاتبة فنياً بين المخطوط والرواية الأصلية؛ بحيث يكمل أحدهما الآخر درامياً. إذ تبدأ الحبكة في القطار الذاهب إلى زيورخ من باريس، إذ يسألها "رجل خمسيني نحيل وله ملامح ما بين القوقازية والهندية...
ـ هل أنت جايا؟؟
ـ عفوا؟؟
ـ أنت جايا القادمة من لندن؟
ـ لا.. لست جايا..
ـ آسف أنت تشبهين جايا ميراي تماماً.. أنا شاهروخ قريب والدتها." الرواية، ص46. وقد لا تترك هذه الحادثة أثراً درامياً لأن مثل هذا التوهم موجود بكثرة، ولكن التوتر الدرامي يحدث حين تخبر والدها بهذا الحوار، فيقول مرتبكاً:
ـ أيعقل هذا؟ مستحيل! لا لا.. جايا؟
ـ ماذا يا أبي؟
ـ سأحكي لك القصة في وقت آخر.." الرواية، ص95
ومما يزيد الحدث توتراً أن والد نهى يموت وهي لم تعرف بعد من هي جايا؛ لكن المخطوط يتكفل لنا بمعرفة من هي جايا.
وبجانب المخطوط استخدمت الكاتبة رسائل البريد الرقمي، كما تظهر من خلال الحاسوب، مما أضفى توثيقاً تأريخياً على الرواية، ولو قرأنا الرواية بعد ربع قرن مثلاً، عرفنا شكل الرسائل المتبادلة حينها!
ولقد تسلل إلى المخطوط أسلوب الكاتبة، ومعجمها السردي، كما في هذه العبارات: "أنما أنا أكتب عن الانسان وأوجاع روحه وأشواقه المكبوحة عن أحلامه وخطاياه وجنون القلب" الرواية، ص155. أو "فتحت نوافذ الغرف المطلة على البستان فانهمرت الأشذاء وأصوات بعض الطيور.." الرواية، ص284.
المعمار النصي للرواية:
الرواية بناء لغوي بالدرجة الأولى، والرواية الناجحة هي التي توظف هذا البناء في إنتاج دلالاتها، وتعطيها صفة التفرد والتميز عن الروايات الأخرى، مثلها مثل الهندسة المعمارية تماماً، فلا تفاصيل زائدة، وأيّ مكان أو استدارة في البناء يؤدي وظيفة جمالية ونفعية. ولعل المعجم السردي يشكل ملمحاً مناسباً للدراسة؛ لكنه يحتاج إلى مقالة خاصة، لذلك سيستعرض الكاتب بعض النسيج السردي الذي أضفى على الرواية هذا التفرد.
إن إحدى الثيمات الرئيسة للرواية هو الزواج من عرق أو دين آخر، كما رأينا زواج (وليد) من (سميراميس) أو زواج (جابر) جدّ نهى من زميلته الطالبة الهندية ثم انفصالهما المفاجئ، كما ستعرف (نهى) من خلال المخطوط. ومن الثيمات أيضاً، طبيعة الحياة اليومية في العراق الجديد، وأثر المفخخات وجرائم الخطف في الناس الأبرياء.
ولتعزيز هذه الثيمات في المعمار النصي، اختارت الكاتبة باريس كمحطة أولى للرواية، وباريس مثالاً للتنوع والتداخل الجنسي، وثمة إشارات كثيرة له في جمل مبثوثة في النص أو مشاهد يومية، مثل: "هسيس اللغات، فرقة موسيقية من الهنود الحمر، كلنا أبناء هذه الأرض، سفر ابنها الشاب موريس لرؤية والده الأفريقي، احتشدت نساء من مهاجرات شرق أوروبا في جهة القطار اليمنى..."
و(نهى) قرب سينما دانتون تشاهد شباب وفتيات من أعراق مختلفة بانتظار مشاهدة فيلم (مذاق الآخر) الذي يتناول معضلة الهوية وتداخل الثقافات.
واختارت ساحة دانتون في باريس كمكان للتداعي الحر في السرد، ومن المعروف أن دانتون هو أحد رجالات الثورة الفرنسية، وقد أعدمته الثورة نفسها، فهل أستطيع القول إن اختيار هذه الساحة يرمز إلى التخبط والعشوائية، وأكل بعضهم البعض في العراق الجديد!! دون أن يكتب السارد "فكرت نهى؛ وهكذا في بلادي قبض على السلطة من هم أشد نذالة وخسة وفساداً وكراهية للحياة والجمال" الرواية، ص 27.
ولتعزيز الانتقالات الزمانية فإن سلالم المترو الباريسي تتداعى بها إلى سلالم زقورة دوركوريكالزو في عقرقوف، وهي سلالم تؤدي إلى السماء، أما سلالم المترو فتؤدي لزحام المدينة!!
ولو نظرنا إلى الكتب المفضلة لدى نهى سنجد: كتاب الطّواسين، وفصوص الحكم، وترانيم العشق السومرية، وكتب طه باقر، وهادي العلوي، وأمين معلوف، و...، ومن الواضح أن المتصوفة يدعون إلى وحدة الأديان، وطه باقر نقل لنا أدب وادي الرافدين، وهادي العلوي من المتصوفة المحدثين، وعالج أمين معلوف مشكلة الهوية... وكل هذه الكتب تعزز رؤية الرواية، ولا تختلف الكتب في مكتبة (نادر) إلا بإضافة كتب الفيزياء والكون، ومنها جاءت بعض المقتبسات النصية.
وبثت الكاتبة في ثنايا السرد أبياتاً من الشعر العربي والأوربي، وترنيمات شعبية، وأغان لفيروز، وبعض الأبوذيات العراقية، وأسماء أو حضوراً لعازفين حقيقيين مثل جميل بشير، فضلاً عن مشاركة الأنسة غريترود بيل في جزء بسيط من الأحداث، أو معرفتنا أن الأب أنستاس الكرملي يدير جريدة العرب، مما خلق إيهاماً سردياً ومتعة في التخييل، فضلاً عن الصورة الجميلة للمجتمع العراقي إبان السلم.
ويخلص الباحث إلى أن هذه التفاصيل الصغيرة في المعمار النصي العام للرواية، لم توجد عبثاً، بل أدت وظيفتين: جمالية ونفعية (سردية) واضاءت لنا جوانب مهمة من دلالات الرواية ورؤيتها الخاصة.
رؤية الرواية ورسائلها:
ربما كان الفن السردي هو الأكثر انتشاراً في العالم، وهو الأكثر قدرةً على تصوير المصائر الانسانية المتشابكة، وخلق واقع موازٍ للواقع الحقيقي؛ بما يبثُ من رسائل، وبما يحمل من رؤية، ذات صدق فنيّ. وستحاول هذه الورقة إضاءة بعض هذه الرؤية.
قلت في بداية الورقة أن روايات لطفية الدليمي تعنى بعالم النساء، وغالباً ما تكون المرأة هي الشخصية الرئيسة في الرواية، بل هي الشخصية المؤثرة في مسار الرواية.
وهذه (نهى) يسميها والدها إينانا " كان أملي أن تكوني بمقام ملكة في بيت..." الرواية، ص92. لقد أرسل في طلبها من فرنسا كي يسلمها الإرث " في المكتبة، سوف يكون هديتي وإرثي الذي لن أسلمه لسواك.." الرواية، ص85
وكأنها هي الملكة المباركة القادرة على تحقيق الأمان، بعد أن قتل شقيقها فؤاد، وانشغال شقيقها وليد بزواجه، وعدم رغبته في الكتابة. وعلى الرغم من فشل زواجها الأول إلا أنها استطاعت التغلب على هذا الفشل.
وتتجلى قوة الأنثى في الرواية من خلال اعتراف (نادر) لنهى "قال لنهى من بين ما قاله لها: ـ أنت أشد مضاءً وعزيمة مني لأنك خضت معترك الحياة غرباً وشرقاً وحسمت أمر زواجك البائس بإرادة فعالة... أما أنا فلم أجرب المجازفات إلا كجندي مرغم... كنت أشفق من تغيير نمط حياتي لولا أنك بزغت كالشمس في أفقي المعتم وأيقظت بي شهوة الحياة ذاتها.." الرواية، ص412.
أما نهاية الرواية فقد كان بيد (نهى) واستجاب لها (نادر) بسرعة.
أما في الرواية المخطوطة فإن (صبحي الكتبخاني) هو الشخصية الرئيسة في الرواية، إنه يبحث عن الحقيقة والعدالة، ويذهب إلى الإستانة كي يتعلم رغم معارضة والده، وينتمي إلى جمعية الاتحاد والترقي، ثم يتركها لدعوتها للتتريك، ويتخذ قرارات جريئة، مثل سكنه في قصر آخر وزواجه من (بنفشة) وهي مغنية سابقة أصلها من قرية في سمرقند, ويبدو (صبحي الكتبخاني) هنا وكأنه يسمو فوق سيرة والده من خلال دفاعه عن خدم الأسرة ودعوته للتعليم، وإنشائه لمكتبة خاصة به، ومن خلال اطلاعنا على الكتاب المفضل لديه تبث الرواية رسالتها في الدعوة إلى السلام الدائم " ونعود بعدها إلى المكتبة ليطلعني على كتاب يراه مهماً ويعترف بأنه غير أفكاره وطور قدرته على الجدل والنقاش هو كتاب (مشروع السلام الدائم) للفيلسوف (إيمانويل كانت) الرواية، ص538. وهو ضد الحرب "تملكني الحزن على أحوال البشر الذين مسختهم الحروب والكراهية وأفقدتهم إنسانيتهم" الرواية، ص401. لكن مسيرة صبحي الكتبخاني تتوقف بعد الاختفاء الغامض لزوجته (بنفشة) وتصيبه الكآبة، ويرفض أن يتزوج مرة أخرى، وكأن (بنفشة) هي المحرك الرئيس لحياته!
وعلى وفق رؤية الرواية فإن الخلاص يكمن في الهجرة من العراق "الحمد لله لقد نجا واحد منا" الرواية، ص456.
وتحفل الرواية بنظرة موضوعية إلى الآخر " وفي لندن وبعد خبرة عام في الغربة إكتشفت بطلان فكرتي عن نفسي فأنا لا أعرف شيئاً قياساً إلى شباب هذه البلاد الغريبة المختلفة عما عشته وعرفته..." الرواية، ص546.
وأخيراً سيكون الخلاص الفردي هو الرؤية الأخيرة للرواية " لا تطرح المزيد من الأسئلة، العشق أولاً.." الرواية، ص580.
ويرى الباحث أن الرواية طرحت المزيد من الأسئلة؛ لأن الفن الخالص يستوجب المزيد من الأسئلة، وقدمت الرواية رؤاها، وإجاباتها من وحي هذا الفن الخالص، الذي هو الأول في الرواية.
وعلى الرغم من طول الرواية؛ إلاّ أن البناء الدرامي المتقن، وانعدام الترهل اللفظي، ولغة الرواية التي تحمل موجات موسيقية، ساعدت القارئ على مواصلة القراءة، كما أرى.