رحلة القطار التي غيّرت وجه التاريخ لينين يعود الى روسيا

Tuesday 28th of February 2017 06:36:17 PM ,

منارات ,

ترجمة: احمد الزبيدي
في أوائل عام 1917، اندلعت ثورة في روسيا لتضع حداً لحكم عائلة رومانوف الاستبدادي الذي استمر قرابة ثلاثة قرون. وقد ضربت الفوضى أنحاء البلاد، التي كانت منهكة من الحرب العالمية الأولى الطاحنة مع ألمانيا وحلفائها، ولم يتمتع قادة البلاد الجدد بالكفاءة اللازمة. انتهز فلاديمير لينين تلك الظروف، فقرر العودة الى روسيا من المنفى ليمهد الطريق لثورة كبرى يتمكن فيها مع رفاقه في الحزب البلشفي من السيطرة على مقاليد الحكم في البلاد.

ولكن ظهرت مشكلة أمام لينين، ألا وهي كيفية دخول روسيا. اندلعت الثورة في روسيا، وكان لينين نافد الصبر ويتوق للعودة للانخراط فيها. ففكر في تزوير جواز سفر سويدي، لكنه كان يعاني من التحدث في السياسة أثناء نومه، لذا قامت زوجته بإثنائه عن الفكرة خشية أن يفتضح أمرهما.

المؤرخة البريطانية كاثرين ميريديل ألّفت كتابا حول تلك الفترة التاريخية المهمة من حياة روسيا بعنوان (القطار الذي حمل لينين الى روسيا). سرُّدت مغامرات لينين ببراعة متناهية. يتتبع كتاب ميريديل رحلة لينين من سويسرا إلى روسيا، التي امتدت على مدار ثمانية أيام و3200 كم.
كان لينين مناهضا للحرب مع ألمانيا، وحسب ما تعتقد مؤلفة الكتاب لذا ارتأت الاستخبارات الألمانية أن تتعاون مع لينين مما سيحقق هدفًا ستراتيجيا لها. فإذا ما أمكن تحييد روسيا، ستتفرغ ألمانيا لهزيمة كل من بريطانيا وفرنسا. اتفق كل من الألمان ولينين بعد مفاوضات لم تدم طويلاً. وأصر لينين على أن القطار يعتبر أرضا مستقلة، مثل السفارات، وألا يتم تفتيش ركابه.
في عيد الفصح الذي صادف يوم الاثنين التاسع من نيسان عام 1917، توجه جنود قوات الحلفاء الى الأعلى في اليوم الأول لمعركة أراس – (وقعت معركة أراس خلال الحرب العالمية الأولى من 9 أبريل/نيسان إلى 16 مايو/أيار من عام 1917، هاجمت خلالها القوات البريطانية مدعومة بفيالق من كندا ونيوزيلندا ونيوفاوند لاند وأستراليا عدوتها ألمانيا بالقرب من مدينة أراس غرب فرنسا)وهو الهجوم الذي اسفر عن ازهاق ارواح 160 الف بريطاني، كان من بينهم الشاعر ادوارد توماس. في نفس ذلك الصباح الثلجي، كان هناك شخصا روسيا أصلع قصير القامة ذو لحية في ذقنه،يستقل قطارا في زيوريخ في سويسرا برفقة زوجته و 30 من رفاقه،، حيث كان يعيش في المنفى. كان ذلك الشخص هو فلاديمير إيليتش لينين الذي كان على وشك ان يدخل التاريخ.
لم تكن عربة القطار التي حملت الثوري المخضرم ورفاقه عربة مسافرين عادية،كانت عربة من الدرجة الثالثة بمقاعدها الخشبية الصلبة تشق طريقها عبر ألمانيا التي كانت تكافح من أجل البقاء على قيد الحياة في الحرب العالمية الأولى. كان هناك خط مرسوم بالطباشير على ارضية العربة يفصل الروس عن المرافقين العسكريين الألمان، وذلك لان البلدين كانا في حالة حرب وكان القطار الذي يحمل لينين يمثل اخر مقامرة يائسة من قبل حكومة القيصر في برلين.
كانوا يراهنون على ان تهريب لينين الى مدينة سانت بطرسبرج التي كانت تموج بالثورة، ووجود هذا الزعيم البلشفي ذي الشخصية الجذابة من شأنه أن يُسبب ما يكفي من الفوضى التي ستعجل بهزيمة روسيا في الحرب. وهذا، بدوره، من شأنه أن يسمح للألمان أن يركزوا قواتهم على هزيمة البريطانيين والفرنسيين على الجبهة الغربية قبل الولايات المتحدة – وهي القوة العظمى التي دخلت الحرب في الشهر نفسه - أن تحقق النصر للحلفاء.
نجحت المقامرة الألمانية الى حدٍ فاق أقصى الطموحات – لكنها تحولت، في الواقع، إلى كابوس بالنسبة لهم، وبقية القوى الرأسمالية. وبالنسبة للينين، فقد نجح من خلال قوة الإقناع الكبيرة التي يمتلكها وإرادته العنيدة في إقناع رفاقه الأكثر ترددا أن بامكان الحزب البلشفي المنضبط والمنظم الاستيلاء على السلطة نفسها. وفي شهر اكتوبر/تشرين الأول نجحوا في أن يختطفوها من الأيدي المرتبكة لقادة الحكومة المؤقتة التي تشكّلت بعد ثورة شباط /فبراير، ونجح في تأسيس أول دولة اشتراكية في العالم.
اختارت كاثرين ميريديل مؤلفة الكتاب، وهي مؤرخة من ذوي الخبرة والحماس في تاريخ روسيا، لحظة محورية من رحلة لينين الملحمية والبطيئة لتصف كيف استطاع هذا الرجل ان يمهد الارضية المناسبة لقيام اول ثورة اشتراكية في العالم
و بقراءة روائية وخيال خصب – استطاعت الكاتبة حتى ان تصف لنا الى ماذا كان لينين ينظر عندما كان يحدق من نوافذ القطار - و تتتبع المؤلفة رحلته التي دامت لمدة أسبوع واخذته من ألمانيا، عبر السويد وفنلندا، إلى روسيا التي غاب عنها لما يقرب من 20 عاما. وفي نفس الوقت، كانت تنسج بمهارة قصة الثورة التي تندلع في سان بطرسبرج وخلفية المنفى الطويل الذي عاشه لينين، خصوصا الخلافات الإيديولوجية الشرسة بين المناشفة "المعتدلين "والبلاشفة "المتطرفين".
عندما اندلعت ثورة شباط - فبراير في روسيا، وجد لينين نفسه وقد تقطعت به السبل في سويسرا المحايدة غير قادر على النوم،. كان الطريق الوحيد إلى الوطن يمر عبر ألمانيا، وحتى يتمكن الزعيم البلشفي الذي عانى في المنفى من سلسلة من الإحباطات المؤلمة، من الوصول الى روسيا كان مضطرا ان يتفاوض مع الالمان على صفقة تمكنه هو ورفاقه من دخول روسيا. وقد استخدم أعدائه قصة تفاوضه مع العدو لتشويه سمعته باعتباره خائناً.
مؤلفة الكتاب تطلعنا على تفاصيل حياة لينين و أسلوب حياته في البيت، والقوة المطلقة لشخصيته الفولاذية.، النهايات المأساوية لمصائر العديد من أولئك الذين سافروا معه على متن القطار: فقد تعرضوا للتعذيب، اوأطلقت النار عليهم ومنهم من اعتقل، او كان مصيره المنفى، وبعضهم اختفى ببساطة في معسكرات العمل الستالينية.. في شباط فبراير، انتهت 300 سنة من حكم آل رومانوف المستبد في غضون أيام قليلة مذهلة، و لم يتم وضع احد في مكانهم. كانت روسيا، منهكة ويائسة من ثلاث سنوات من الحرب الكارثية مع ألمانيا وحلفائها، وتدار من قبل المعتدلين غير النشطين وحسني النية. عرف لينين بالضبط ما يريد، فقرر بذل جهد وطاقة غير عادية و بتصميم لا حد له لاجل تحقيق ثورة حقيقية.
ولكن عليه أولا الوصول إلى روسيا. وكان لينين الذي سيصبح في المستقبل زعيم الاتحاد السوفييتي قد امضى سنوات الحرب في سويسرا، وتقطعت به السُبل في جزيرة محايدة في بحر من المتحاربين. ومع ورود الانباء عن حدوث الاضطرابات في وطنه، أصبح يائسا على نحو متزايد. حتى انه فكر في محاولة الوصول إلى روسيا بجواز سفر مزور، كشخص سويدي أصم وأبكم. لكن زوجته ذكرته بأن محاولته هذه مصيرها الفشل بسبب عادته في الحديث باللغة الروسية عن السياسة، وبغضب، أثناء نومه.
كان هناك شخص استوني مزعج يدعى الكسندر كيسكولا هو أول من اقترح على المخابرات الألمانية أن عودة لينين الى وطنه يمكن ان تجعل منه هدفا ستراتيجيا حيويا.وان تعزيز المعسكر المناهض للحرب يزيد من احتمالات أن روسيا ستتوقف عن القتال، مما يمنح الوقت لألمانيا للتغلب على بريطانيا وفرنسا قبل دخول أمريكا الحرب. وكانت ألمانيا مقتنعة قريبا. واحتاج الاتفاق الى أسبوعين فقط من التفاوض:أصر لينين على أن يصمم القطار بكامله خارج الحدود. ويسير بدون توقف، وان ركابه (32 شخصا متنوعا) لا يُفتشون.
لم تكن رحلة ممتعة. وصادرت السلطات السويسرية مقتنياتهم عند المغادرة. وقد فرض لينين الذي كان مدمناً على العمل فرض على رفاقه انضباطا صارما، بما في ذلك جدول زمني للنوم. ترافق ذلك مع الجدل الكثير حول الأهمية النسبية للتدخين واستخدام المرحاض، الجزء الأصعب كان عبوره من السويد الى روسيا. تقدم المؤلفة حسابات متناقضة لما حدث على الحدود. لينين وحزبه أصروا على أنهم كانوا صحفيين عائدين الى ديارهم. اما الجاسوس البريطاني، الذي كان قد تم وضعه كضابط مسؤول عن تدقيق جوازات السفر، حاول بكل قوته تأخيرهم. لكن السلطات في بتروغراد (التي ستصبح فيما بعد لينينغراد، والآن عادت تسمى مرة أخرى سانت بطرسبورغ) كانت تعتقد أن روسيا بلد ديمقراطي لا ينبغي أن يُمنع مواطنوه من الدخول.
كان لينين غير عابئ بالاستقبال المبهرج وغير المتوقع الذي نظمه له زملاؤه البلاشفة في محطة قطار فنلندا بتروغراد، فقفز على سيارة مصفحة وألقى كلمة نارية مرتجلة. وكانت الرسالة الثورية تشع أملا ومغرية: السلام والخبز والسلطة للجماهير وليس لحكومة الأثرياء، وإعادة توزيع جذرية للثروة، وتحول في العلاقات الاجتماعية. كان امرا يمكن تحقيقه، مع ادراك الناس الأقل جوعا ويأساً، ان من خلال العنف الشديد، بما في ذلك القتل الجماعي، والتفكك الاقتصادي الهائل، وانقراض الحريات السياسية قد تم في نهاية المطاف خلق الامتيازات، لطبقة من البيروقراطية.تحقق للينين ما اراد وفي تشرين الاول 1917 استطاعت ثورة اكتوبر ان تقيم اول دولة اشتراكية في العالم.

عن: الايكونومست والغارديان