عبد الله العروي … إكليل الصناعة الثقيلة في الفكر العربي

Tuesday 9th of May 2017 06:47:49 PM ,

منارات ,

عبد الله العروي مواليد مدينة أزمور، سنة 1933م، تلقى تعليمه الثانوي بثانوية مولاي يوسف بالرباط وتعليمه العالي بجامعة السوربون، حصل على شهادة العلوم السياسية بمعهد الدراسات السياسية بباريس سنة 1956م وعلى شهادة الدراسات العليا في التاريخ سنة 1958م ثم شهادة التبريز في الإسلاميات سنة 1963م. وفي سنة 1976م سيحصل على دكتوراه الدولة في موضوع الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية: 1830م – 1912م.

ورغم كل هذا سترفضه الجامعة المغربية في البداية، ليلتحق بها مدرسا لعلم التاريخ فيما بعد ويقضي بها حياته العلمية.
غير العروي المواقع كثيرا لكنه لم يغير المواقف. انخرط في المجال السياسي الحزبي (الاتحاد الاشتراكي) مثل جيله، وغادره نحو مناصب سياسية سامية، ورحل إلى بلدان أوربية كوسيط فاعل أكثر من أجهزة وزارة الخارجية الرسمية، ليركن أخيرا في محرابه الجامعي والفكري.
سنة 1967م ستكون فارقة في مسار عبد الله العروي. إنها نكبة العرب وصدور كتاب”الإيديولوجيا العربية المعاصرة”في طبعته الفرنسية وبتقديم لماكسيم رودنسون. إنه مبتدأ الصناعة الفكرية الثقيلة في حقل الفكر العربي عامة. والذي سيليه مؤلف”العرب والفكر التاريخي”فـ”أزمة المثقفين العرب".
مؤلفات ثلاثة سترمي ولأول مرة بشكل عميق بالفكر العربي في مسارات غير متوقعة وجريئة. إعادة قراءة للفكر الغربي لمفكري النهضة العربية والسلفية المغربية، وقلب لإشكالاتها، من الماركسية الموضوعية إلى الماركسية التاريخية، ومن النبش في التراث والبحث فيه عما يلائم العصر إلى ضرورة القطع معه من حيث هو أساليب ومناهج للبحث الفكري، ومن التقليد إلى اختيار الحداثة، ومن التردد بين الأصيل والمعاصر إلى اختيار الانخراط في منطق أوروبا الغربية من القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر، ومن تجزيء اختيار الدولة الحديثة إلى ضرورة اختيارها في كليتها وبكل مستلزماتها العقلانية والديمقراطية والمؤسساتية والفكرية.
سيصدر عبد الله العروي أطروحته حول الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية، والتي لا يمكن لأي باحث أن يتغافلها. وبما أن سوسيولوجيا المجتمع المغربي محكوم عليها بأن تكون سوسيولوجيا تاريخية، فإن العبور عبر المؤرخ لا يمكن تلافيه. (محمد قبلي في الوسيط وعبد الله العروي في القرن التاسع عشر).
بين المؤرخ المحلل للمعطيات والوقائع والمواقف والمفكر المؤسس والفاحص للمفاهيم (الإيديولوجيا، الحرية، الدولة، العقل) والمثقف الفاعل والمتدخل في قضايا الأدب والاجتماع والسياسة والفكر ظل العروي ومازال صاحب نفس الاختيار الفلسفي (الحداثة بدل التقليد) والنظري (التاريخانية بوصفها: ثبوتا في قوانين التطور التاريخي ووحدة في اتجاهه من الماضي نحو المستقبل وإمكانية لاقتباس ثقافة وفكر الآخر بحكم وحدة الجنس البشري و فعالية المثقف والسياسي في إمكان إنجاز الطفرة واقتصاد الزمن) والمنهجي (العقلانية العلمية المعتمدة على التجربة والاستقراء) والفكري (تعرية عوائق التحديث المجتمعي و السياسي).
اختيار الحداثة من طرف العروي لا تجزيء فيه، ولا تعايش بين ما ينتمي إلى أسسها الفلسفية والقيمية وما ينتمي ما يغايرها. إنها تشبع بمقولات الفكر الغربي الحديث الأساسية: عقلانية وتقدم ونقد ومسؤولية الإنسان عن نفسه، وتعرية في الآن نفسه لكل ما يعيق إنجازها. تعرية ونقد للأطروحة التي تعتبر أن الحداثة متجاوزة بحكم أن الغرب ذاته قفز إلى ما بعدها. يقول العروي:”المجتمعات العربية لا يمكنها القفز فوق مرحلة الحداثة. إنها قدر لا فكاك منه. وهي تفنيد للظن الذي يحسب أن التطبيق الشكلي والانتقائي للأسس السياسية والقيمية للحداثة كاف للعبور إلى عوالمها".
إنه الخطأ الأكبر، حسب العروي، فالتحول إلى الحداثة يتطلب حضورها في العمق، أي على مستوى تفكير المجتمع والدولة. مجتمع يبتعد في تعليمه وقيمه وسلوكاته عن المعتقدات الغيبية والتقليدية، ويقطع من منح الأولوية للاسم على الفعل لغة وسلوكا. مجتمع يرفع كل ما يعيق تحرير الفرد من مختلف التبعيات السياسية والاجتماعية والعشائرية والفكرية، وكل ما يعيق حرياته المدنية والسياسية في الواقع، وما يحول بينه وبين التفكير الحر والعقلاني العلمي. ثم دولة حديثة، لا مجال فيها لتحقيق تحولات جزيئية (ديمقراطية، ليبرالية، مدني…) إلا بعد إقامتها وإرسائها كدولة حديثة.
اختيار الحداثة والقطع مع التقليد هو اختيار الطريق الذي ليس من دونه بد: الطريق الذي سارت فيه المجتمعات الإنسانية. سيتعرض هذا الاختيار، حسب العروي، لمقاومات كثيرة، لكن من دونه سنظل نقول كل شيء إلا ما يهم حاضرنا و مستقبلنا.