صفحة منسيّة من حياة ونضال صمويل بيكيت

Saturday 15th of July 2017 05:26:09 PM ,

ملحق اوراق ,

كتابة / جون ميشود
ترجمة / أحمد فاضل
في صيف عام 1942 فرّ صمويل بيكيت الكاتب الأيرلندي الشهير وزوجته سوزان ديكوفو دومينيل من شقتهما في مدينة باريس، التي تحتلها ألمانيا وبعد أكثر من شهرعلى تنقلهما في أماكن عديدة بما في ذلك النوم في الحدائق والاختباء خلف الاشجار خوفاً من الوقوع بيد الجنود النازيين الذين كانوا يجوبون الطرق بدورياتهم،

حطوا في منطقة غير مأهولة من مدينة روسيلون دى ابت، حيث باتت حياتهما مهددة في باريس بسبب أن كلاهما كانا عضوين ناشطين في خلية المقاومة المعروفة باسم غلوريا التي تعرضت للخطر من قبل النازيين الذين ألقى الغيستابو القبض على العديد من أعضائها ليودعوا السجن ومن بينهم صديق بيكيت ألفريد بيرون الذي استجوب وأرسل في نهاية المطاف إلى معسكر اعتقال موتهوسن في النمسا وتوفي بعد يومين من تحرير المخيم في عام 1945.
روسيلون في جنوب شرق فرنسا كانت مكاناً جيداً للاختباء كونها نائية ووعرة ولايمكن الوصول إليها حتى بالمركبات العسكرية الثقيلة، كما أنها كانت متسامحة نسبياً مع اللاجئين ومنهم بيكيت وسوزان ديكوفو دومينيل اللذان استأجرا جزءاً من أحد المنازل الواقعة على حافة المدينة وشرعا يحدوهما أمل في انتظار نهاية لهذه الحرب، فكان الانتظار طويلاً وصعب، بيكيت عاش أيامه عرضة للقلق وكان يعاني من انهيار عقلي في اللحظات التي تلت تلك السنوات الحرجة وبدا مختلفاً حتى في كتاباته بسبب شدة ما تعرض له، ومع أننا لا يسايرنا أدنى شك في أن صدمة اعتقالات أصدقائه وهروبه من باريس وانفصاله عن الحياة الفنية والفكرية فيها قد ضاعف من شعوره بالذنب وكذلك ابتعاده عن عائلته وخاصة أمه خلال فترة الحرب، كل ذلك كان له أثره البالغ عليه.
أمضى بيكيت وقته في لعب الشطرنج والذهاب لمسافات طويلة بالعمل في حقول المزارعين المجاورة مقابل حصوله وزوجته على الغذاء وفي وقت لاحق شارك في نشاط المقاومة على مستوى اقل من السابق وذلك بتخزين الذخائر في مكانه الذي استأجره واسترجاع اللوازم والأسلحة التي أسقطتها طائرات الحلفاء في الجبال القريبة، كما عمل على رواية”واط”التي كان قد بدأها في العام الماضي في باريس والتي قال عنها إنها شكلت له وسيلة”للبقاء عاقلاً”بعد كل الذي كان يعانيه ولم يصب بالجنون، وتصف ديردري بير في سيرتها الذاتية لبيكيت أن العمل على كتابة الرواية كان”العلاج اليومي”له.
كان بيكيت يعيش سنواته السادسة والثلاثين آنذاك وقد عرفته الأوساط الأدبية كأحد مساعدي جيمس جويس وتعاون مع بيرون على الترجمة الفرنسية لقسم من رواية”أنا ليفيا بلورابيل”وشمل إنتاجه الأدبي كتاباً عن بروست ومجموعة من القصص ورواية”ميرفي”التي حصلت على مراجعات نقدية جيدة ولكن بمبيعات متواضعة وبمجرد انتهاء الحرب سيبدأ بيكيت سنواته الأكثر إنتاجية وفنية من حياته المهنية وذلك بكتابة مسرحيته الشهيرة”في انتظار غودو"، وثلاثية من أشهر رواياته”مولوي"،”مالون يموت”و”اللا مسمى”، هذه الأعمال هي من بين التعبيرات الدائمة عن سخافة وتغلغل الحياة الحديثة التي برع في تجسيدها، ويمكن القول أن بذور تلك الأعمال المزهرة كانت محصلتها تجربته القاسية في الحرب.
ويبدو أن روايته”واط”وهي الثانية في اللغة الإنكليزية التي نشرتها موريس جيرودياس في أولمبيا بريس في عام 1953هي الأقل حظاً وأقل قراءة من بين أعماله الأخرى، هذه الرواية لم أكن قد أطلعت عليها حين كنت في باريس منذ أكثر من ربع قرن حين شهدت وفاة بيكيت في عام 1989 وفي ذلك العام فزع صديق لي وهو أيرلندي مغترب من أن يعلم أنني كنت على دراية فقط في عمله”في انتظار غودو”فأعارني نسخة من”ميرفي"، وبعد مدة من الزمن وضع بيدي”واط”التي أخبرني كم كان يفضلها ثم وجدت نفسي أعود إليها في الأشهر الأخيرة فهي نتاج عقل باهر وإنها تعطيك مثالاً حياً للقابلية العقلية الكبيرة التي كان يتمتع بها بيكيت في محاولة منه حساب الحقائق الغامضة والحقائق البديلة.
في أواخر صيف عام 1944 عندما دخلت قوات الحلفاء جنوب فرنسا تمّ حث جماعات المقاومة على استخدام الأسلحة والإمدادات التي أسقطت جواً للانخراط في أنشطة حرب العصابات ضد النازيين ومن بين الإجراءات الأخرى خطط أيميه بونوم زعيم المقاومة في روسيلون بنصب كمائن إعاقة ضد المركبات الألمانية على طول الطريق الواقع ضمن تلك الرقعة الفرنسية، حيث انضم بيكيت إلى الهجوم المخطط له، ولكن الألمان لم يظهروا أبداً هناك وبحلول أواخر عام 1944 أو أوائل عام 1945”تختلف الحسابات”تمكن بيكيت وزوجته من العودة إلى شقتهما في باريس لينهي روايته”واط”في 28 ديسمبر / كانون الأول، بيكيت في النهاية وضعني كقارئ نهم لأعماله أحاول دائماً غور رموزه الغامضة التي لا هوادة فيها ما يعيدني دائماً لقراءة أعماله التي وجدت نفسي معها باستجواب مع عقلي دائما.
* جون ميشود هو ناقد وروائي أمريكي المسؤول عن كتب الخيال في المكتبة الوطنية هناك.

عن / مجلة نيويوركر