موزارت سينمائياً.. العبقرية ودراما الشخصيّة المركبة

Tuesday 17th of April 2018 06:08:36 PM ,

منارات ,

شـاكــر نـــوري
كاتب ومترجم
لم يكن من السهل أن يقدم أي مخرج على تصوير الموسيقار العبقري موزارت، الذي طبع الموسيقى العالمية بأسرها بطابعه الخاص. وظل خالداً في أنغام الموسيقى حتى وقتنا الحاضر، وسمفونياته لا تتقادم بالزمن بل تصبح أكثر عمقاً وإشراقاً. انطلاقا من مسرحية بيتر شافر، نرى صورة موزارت من خلال عيون رجل مجنون بالغيرة وهو انطونيو ساليري.

كان انطونيو ساليري (1750- 1825) يشغل منصب الموسيقار المفضل لدى امبراطور النمسا جوزيف الثاني. فهل كان ساليري حقاً الرجل الوحيد المعجب بموزارت؟ وهل كان يعي حالة عجزه عن الابداع لذا كان غاضباً إزاء القدرة السماوية التي أعطت موزارت كل هذه الموهبة والعبقرية؟ انطلاقاً من هذه التساؤلات، بنى المخرج التشيكي الأصل، والأميركي الجنسية، ميلوش فورمان فيلمه المعنون «اماديوس» الذي قد يصعق عدداً كبيراً من عشاق ومعجبي هذا الموسيقار الكبير.

فقد اظهر المخرج فورمان الجانب غير المرئي في شخصية موزارت أو الجوانب التي يود عشاق موسيقاه أن يتجاهلوها من خلال التطور الدرامي للفيلم، ولكي نفهم أهمية هذا الموسيقي وعبقريته، يجب أن نفهم الأعمال الموسقية التي يقدمها موزارت في حياته.

تداعيات فنية
وكانت الموسيقى آنذاك مرتبطة بالسلطة المتمثلة يومئذ بالإمبراطورية النمساوية التي احتضنت الموسيقى وشجعت روادها على المضي في مجال الابداع. ويستخدم المخرج التداعيات (الفلاش باك) التي يقوم بها خصم موزارت الفني ساليري. وهي تداعيات رجل يمتلك قدراً كبيراً من الاشكالية ذلك لانه يكن الكراهية والحب لموزارت في آن واحد، تستبد به الكراهية لأنه لا يمتلك موهبته،. ويخالجه الحب لأنه يمتلك هذه الموهبة الموسيقية التي يعترف بها كل الاعتراف. الحب والكراهية مزيجان عجيبان في هذا الفيلم نتلمسهما عبر جميع مشاهد الفيلم بدون استثناء، من خلال اللقطات الرائعة للفيلم وامتزاج سمفونيات موزارت الأروع التي تشكّل في اذهاننا عالماً جميلاً من التشكيل الصوري الموسيقي، بحيث ندرك بأن عالمي السينما والموسيقى لا يمكن فصلهما أبداً. في الحقيقة، أراد المخرج فورمان أن ينقل لنا السنوات العشر الأخيرة من حياة موزارت الصاخبة بأهم إبداعاته الموسيقية من 1781 (اختطاف السراي) حتى 1791 (الناي المسحور).

تعارض
كما يطرح المخرج التعارض الواضح بين الفنان المستقل (موزارت) والفنان المرتبط بالسلطة (ساليري). وهذه الفكرة في نظر المخرج لم تفقد نكهتها حتى الوقت الحاضر. أما تعاطف المخرج فلم يظهر إزاء احدهما الآخر، لأن نظرته لكليهما نظرة موضوعية انسانية، دون تحيّز. فالأحاسيس الكامنة في أعماق كل من شخصيتي موزارت وساليري ما هي إلاّ أحاسيس طبيعية.
وهي ليست بعيدة عن المخرج ذاته. فمنذ سنوات طويلة، يعيش المخرج فورمان منفاه في الولايات المتحدة، ولم يكن يتمكن من اقناع هوليود بإنتاج فيلمه لذا استعان بالمنتج المستقل (سول سانتيز) ليقوم بذلك، وهو المخرج ذاته الذي أنتج له فيلماً قبل الفيلم الشهير (طيران فوق عش الوقواق).
سرد الماضي
يمكن القول بأن فيلم «اماديوس» يختزل شبه اعتراف عن سرد الماضي. ولماذا نقول شبه؟ لأن اعتراف ساليري حول جبنه يتسم بطابع وثني عميق. ويسرده للحكاية يرسم ساليري صورته البشعة ملتذاً بذلك. وتتناقض صورة ساليري مع براءة وسذاجة موزارت وعبقريته. اذن (أماديوس) يعتبر قصة شخصين متناقضين. إن صورة ساليري ليس لها معنى إلا بموجب علاقته بموزارت. بينما صورة موزارت هي على العكس، تكفي لأن تبرر وجوده.
وقد يدهش البعض من الصورة المبتذلة البدائية والعصرية في الوقت نفسه، تلك التي منحها فورمان لموزارت جاعلاً منه بطلاً يجتاز عصره. كما يمنح المخرج موزارت صورة أخرى تكشف عن انسجامه مع عبقريته وأحياناً من عدم وعيه بهذه العبقرية. وهنا تكمن كل القوى الدرامية لهذا الفيلم حيث لا تنبع المنافسة إلاّ من ناحية واحدة وهي من قبل شخصية ساليري. وتصل هذه المنافسة أوجهاً لأنها لا تجد أية ردود أفعال.
على طول الفيلم لا نرى موزارت إلاّ من خلال نظرة ساليري بينما لا يرى موزارت منافسة في هذا الصدد لابد من الإشارة إلى أن موزارت لا يرى موسيقى يؤلفها غير أن هذه النظرة بقيت مزيفة كاذبة لأن موزارت لم يدرك نوايا عدوه حتى آخر حياته. وهذا المشهد يعتبر من اللحظات الدرامية المهمة في الفيلم لأن المخرج نجح من خلاله في تصوير عملية الإبداع بما يحتويه من مضمون تلقائي وسحري. لا يستطيع المتفرج عند مشاهدة هذه اللقطة أن يشعر بنوع من الشفقة تجاه ساليري بإعجابه المكشوف. إذ يعترف بمحدودية إبداعه.

مبررات
عند موت موزارت، يحرم ساليري من المبررات التي يعيش من أجلها. ويتركه في دناءته ومعاقبة ضميره وعزلة التفكير. وأبشع ما في الأمر، أن موزارت لم يمنح ساليري مشاعر الكراهية. ومن هنا تنطلق معاناة ساليري لأن هذه الكراهية قد تعني أن ساليري له وجود في حياة موزارت.
إذن بموت موزارت بريئاً. أما معاناة ساليري فتدوم أكثر من ثلاثين عاماً، كما نراه في تركيب الفيلم. لم يكن لهذا الفيلم هذا المستوى الحاد من الدرامية لولا إخراج فورمان؟ يعطي المخرج أهمية خاصة لكل شخصية من شخصيات الفيلم الرئيسة. موزارت، ساليري والإمبراطور.

حقائق سيكولوجية
مما لا شك فيه أن ثمة ضعفاً في الفيلم، حيث يهمل المخرج أهمية شخصية أب موزارت. وتكمن موهبة فورمان في قدرته على تصوير الشخصيات في أعمق الحقائق السيكولوجية ولذلك يمكننا مقارنته بفلليني.. الأكثر كلاسيكية.. يناهز المنهج بحس رفيع في تصوير اللقطات والمشاهد. كما اننا نجد ملامح الرسالة السياسية الخفية والبديهية في نفس الوقت. إن هذه الرسالة مرتبطة بطبيعة الشخصيات وسيكولوجياتها وحقائقها وتنويعاتها. بينما يمنح فيلليني لنفسه قدراً من الخيال اللامحدود. يبقى فورمان يعمل داخل حكاية ويحتمي بإطار السيناريو الكلاسيكي.
خصوصيات
فيلم موزارت هو ليس الأول من نوعه، فقد سبق فورمان مخرجون عديدون منهم جوزيف لوزي الذي أخرج «دون جيوفاني» وبولنسكي في مسرحية «موزارت». أما فورمان فقد اختار هذا الموضوع عن طريق الصدفة. فبعد مشاهدته لمسرحية المخرج بيتر شافر على أحد مسارح لندن.. شعر فورمان لأوّل مرة. بمدى عبقرية شخصية موزارت وبضرورة إعطاء هذه الشخصية صورة قريبة للحقيقة التاريخية.
يلتزم فورمان بفيلمه جانب الحياد إذ لا يعطي أي حكم أخلاقي على الشخصيات متجنباً بذلك العواطف ومتجهاً للتحليل الفكري ــ الموضوعي. انها في نظره حالات إنسانية تتمتع بخصوصية معينة. وبالرغم من أن معرفة فورمان بموزارت محدودة للغاية، لكنه وجد في شخصيته عناصر درامية وإنسانية جعلته ينجز الفيلم بشكل رائع.

حياة هامشية
إن المخرج يتقمص شخصيتين متناقضتين، موزارت وساليري، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لفنان كفورمان من الصعوبة البالغة أن نحكم على العواطف، بشكل عقلاني. كل منا يماثل نفسه بموزارت أو على الأقل بأحلامه، لكننا لا نكره ساليري بالرغم من طبيعته (اللاإنسانية) في نظر العقلانية. ساليري هو المعاناة والألم لأنه أدرك عجزه.
كما كان يمتلك ذكاءً حاداً في معرفة ذاته والواقع. غيرته كانت محاطة بهالة العظمة والقوة وليس الدناءة والضعف. والمخرج وكذلك المتفرج لا يدين ساليري ولا يحتقره. لذلك أراد أن يقدّم موزارت، في جانبه الآخر، حيث عاش حياة هامشية لا معقولة. حياة فنان بريء ساذج.

رسائل موزارت
ويكفي أن نقرأ رسائل موزارت كي نكتشف تناقضاته الداخلية، فالتناقضات جزء لا يتجزأ من شخصية أي فنان في العالم. وإذا كان المخرج المسرحي بيتر شافر قد اعتمد على رسائل موزارت ومسرحية بوشكين عنه، فإن فورمان اعتمد على مسرحية شافر كي يعطي رؤيته الجديدة عن هذه الشخصية الفذّة. إن فورمان منح نفسه حرية كاملة في رسم صورة موزارت.
وبما أن القصة بكاملها تروى على لسان رجل مجنون طاعن في السن، فإن كل التفسيرات ممكنة. لكن فورمان رغم حرية الإبداع، احترم الحقائق التاريخية. فهو لم يذهب إلى أبعد من منطق الشخصيات أو أوضاعها الحقيقية.
على سبيل المثال، إن ساليري لم يطلب أبداً من موزارت. والفيلم ليس سيرة ذاتية دقيقة لحياة موزارت، وإنما فيلم درامي تتشابك فيه خيوط قصة إنسانية.. قصة تألق موزارت وإخفاقه.. حياته.. وموته.. إن السيرة الذاتية الاعتيادية التي يعرفها جميع الناس لا تكون بالضرورة ممتعة في السينما.

ذكريات
إن عدم اختيار المخرج للنجوم المشهورين أنقذ الفيلم من السقوط في النمطية، ذلك لأن الجمهور غالباً ما يحتفظ بنوع من الذكريات إزاء الممثلين المشهورين. لذا فإن اختيار ممثلين غير مشهورين يجعلنا نقبل الشخصيات ببساطة، فالمخرج لم يظهر فقط الجوانب الهامشية، العابثة، السخيفة في شخصية موزارت بل في ذات الوقت الجوانب الساحرة والذكية والساخرة والعبقرية في شخصيته.
وهذه هي إشكالية الفيلم وبراءته، إن جمع كل التناقضات في شخصية موزارت منح الشخصية دفئاً إنسانياً قلما نجده في شخصية أدبية وفنية. كما وأن تجنب الأحكام الأخلاقية زاد من دفء هذه الشخصية وقربها إلى نفسية الجمهور السينمائي وذهنه.
وقد استغل فورمان ضحكة موزارت غير الاعتيادية، تلك الضحكة التي تمتد إلى طفولته وجعل منها مفتاحاً لشخصية موزارت وسحره وفكاهيته. لقد صور فورمان فيلمه الجديد (اماديوس) في تشكيسلوفاكيا، بعد قطيعة دامت ما يقرب العشرين عاماً.
عاد إلى بلده الأصلي لأسباب عديدة منها أن براغ حافظت على بقايا المعمار النمساوي، كما وأن مصاريف الإنتاج هي أرخص بكثير مما هي عليه في الولايات المتحدة، وكذلك حنين الرجوع إلى الجذور والأصل. إن براغ لم تصلها آثار الحداثة.. فينا تغيرت منذ ذلك العهد.
عاش موزارت 25 عاماً أنجز خلالها 267 قطعة موسيقية ظلت خالدة على مر العصور. من بين هذه القطع الموسيقية نعثر على روح موزارت التي حافظ عليها المخرج فورمان بل أعطاها بعداً جديداً..بعداً متخيلاً، مؤكداً بأن الفنان لا يستطيع أن يصبح أداة للسلطة.

اختيار الممثل
ليس من السهولة اختيار الممثل توم هيولس ــ الذي لعب دور موزارت ــ فقد قابل فورمان ما يقارب 1000 شخصية بالنسبة لفيلمه، ومن بعد ثم فحص 200 شخص ثم اختار منهم 70، حيث كان المخرج يريد أن يرى الجمهور شخصية موزارت لأول مرة على الشاشة.
وقد نجح في ذلك نجاحاً فائقاً، إذ أدت الشخصية دورها الدرامي التمثيلي المطلوب، حيث رسخ فورمان في أذهاننا ثلاث شخصيات لا يمكن نسيانها مدى العمر موزارت، ساليري، والإمبراطور.
عن الاتحاد الاماراتية