مِنْ بغداد إلى طاق كسرى سنة 1909 مشاهدات وانطباعات

Sunday 20th of May 2018 05:35:14 PM ,

ذاكرة عراقية ,

 ابراهيم حلمي العمر
في اليوم التاسع والعشرين من شهر المحرم لهذه السنة، امتطينا ظهر إحدى البواخر العثمانية فأقلعت بنا من بغداد في اليوم الثاني قاصدة البصرة الفيحاء، وهذه الباخرة حسنة جداً توفرت فيها أسباب الراحة للركاب والسيّاح وهي بنظامها وترتيبها أشبه بنظام البواخر الكبرى التي تخر في انهار الغرب وبحاره.

 مما جعلنا نطري مدحت باشا وهو في رمسه على ما أتاه من ضروب الإصلاح واحدث من المشاريع العمرانية في هذا القطر ومن جملتها إنشاؤه هذه الشركة التي أحدثت ذلك الانقلاب الاقتصادي والتجاري في مرافق القطر العراقي فقربت المسافة بين بغداد والبصرة بل بين أوربا والعراق. وقد أزيلت بواسطتها كل المشاكل والعوارض التي تقف سداً حائلاً في نمو التجارة الوطنية وانتشارها.

وكانت وسائط النقل والمواصلات بين الزوراء والفيحاء في حكم العدم قبل أيام ذلك الوزير وجل ما كان هو السفن الشراعية تقطع المسافة ما بين تينك الحاضرتين في ثلاثين يوماً أو أكثر تبعاً لحالة الجو وهبوب الهواء في حين تقطع السفن التجارية ذلك الطريق وطوله نحو 520 ميلاً في ثلاثة أيام إذا كان الموسم في الربيع والشتاء وخمسة أيام إذا كان صيفاً أو خريفاً دع عنك الراحة التي يجدها المسافر في ذهابه وإيابه هذا عدا ما في ذلك من الأمن على الأرواح والأموال.
جلسنا ومن كان معنا من ركاب الدرجة الأولى فوق سطح الباخرة لتتمتع الأنظار بما كان عن اليمين والشمال من المشاهد الطبيعية التي تأخذ بمجامع القلوب وتسحر الألباب، وكانت باخرتنا تسير الهوينا بالرغم من أن شحنتها نحو 250 طناً وإنها سريعة الجري إذ تقطع في الساعة 12 ميلاً بحرياً. ومنشأ ذلك ضعف جريان دجلة، ولا تدري هل هذا الضعف الذي انحل جسم الأمة وأنهك قواها قد سرى إلى أشجارها وأنهارها حتى كاد يقف دجلة عن السير، أو أن دجلة أحسن بعجز الأمة وحكومة البلاد عن الإصلاح وإعمار الأراضي الطيبة وتوزيع مياهه فيها على ما يتطلبه الفن الحديث فأصابه فتور وكان منه ما كان أو انه غضب فنجل بمائة النمير - ويحق له البخل - على قوم لا يستحقون هذه النعم التي توفرت لهم أو أنه ادخر ما عنده إلى الوقت الذي يدب فيه دبيب الحياة في جسم الأمة العربية فتنشط من عقالها إلى شق الأنهار وحفر الجداول وتقسيم مياه دجلة عليها؟؟ لست أدري، وغاية ما في الباب أن دجلة ضعيفة جربته ويعللون لذلك أن وقت الفيض لم يحن بعد لأنه يبتدئ من آذار وينتهي بانتهاء شهر أيار على الحساب الغربي إلاّ أن هناك مؤثرات أوجبت هذه البطاءة في سير دجلة وهو ذهاب المياه في الاهوار ضياعاً من دون أن تنتفع منها التربة، وقد صادف في طريقنا ظهور جزر كثيرة في وسط دجلة فكان ربان الباخرة وهو من أبناء يعرب المقتدرين يتقي الأخطار بفطنته ودرايته فسار بها على مقتضى الحكمة والخبرة خشية الارتطام بإحدى الجزر والجنوح إلى الشاطئ وهذا العارض الطبيعي قد يسر لنا مشاهدة ما أمامنا من الرياض والغياض والحقول وقد كنا نسمع عن كثب أنين النواعير وخرير المياه وحفيف الأشجار وتغريد الأطيار وصغار الخراف وخوار العجول.
واصلت الباخرة بنا السير وهي تشق عباب دجلة الجميل فما وقعت أنظارنا إلاّ على أرض ضاحكة مستبشرة قد كستها الطبيعة حلى خضراء تبهج الناظرين وكنا نرى أشجار النخيل الباسقة ممتدة على ضفتي النهر وبينها القصور الشاهقة والمباني السامقة وكانت تحجبها عنها نور الشمس أحياناً لارتفاعها وذهابها صعداً في الهواء وممرنا بنهر ديالة المشهور في كتب العرب باسم نهر تأمرا، ومنبع هذا النهر من غربي اسداباد في ديار العجم عند الدرجة 30 والدقيقة 40 عرضاً شمالياً وطوله 350 متراً ومصبه في ساحل دجلة الأيسر على بعد بضعة فراسخ من بغداد وهو يمر بخرسان العراق وتتفرع منه بضعة أنهر كنهر الخالص وبلدروز وغيرهما، وكان لهذا النهر شأن خطير في حضارة القطر العراقي، ويجري فيه من المياه ما يناهز 300 متر مكعب في الثانية أيام الفيض و50 متراً مكعباً زمن هبوط المياه بيد إنها لا توجد في كل الشهور ويبتدئ موسم فيضه من شهر تشرين الثاني، وينتهي في تموز على الحساب الرومي، وموقف هذا النهر يساعد في إسقاء 200 ألف هكتار من أخصب البقاع وأكثرها استعداداً لزراعة قصب السكر والقطن على اختلاف أنواعه.
وعلى طول زهاء عشر ساعات امتدت على ضفتي دجلة قصور قوراء توفرت فيها أسباب الرفاهية والنعيم قد شيّدها أعيان الوزراء وموسروها على الطراز الأوروبي ولم يذخروا واسعاً في إعداد كل أدوات الزينة من الأثاث والرياش الفاخرة مما لا يقل عما في قصور الملوك وعظماء المتمولين في البلاد الأخرى وفيها يقطن الأعيان فصلي الربيع والصيف لقضاء الشهوات والتنعم بلذيذ العيش الذي هو بعرفهم عبارة عن اللهو والقصف والملبس الجميل والمأكل الفاخر وأكثر ما شاهدناه من آثار العمران لأغنياء الإسرائيليين والمسيحيين وما بقي وهو شيء قليل بيد المسلمين. ومع هذا فإنك تجد الفرق ظاهراً بين المعيشتين فترى النظام والترتيب وحسن الذوق يغلب على قصور غير المسلمين وبعكسه تجد في دور أغنيائنا على أن ما ينفقه المسلم في سبيل انه وراحته يبلغ أضعاف أضعاف ما ينفقه المسيحي والإسرائيلي، وما ذلك إلاّ من معرفة هؤلاء طرق الاقتصاد وتفننهم بالإدارة المنزلية وعدم إلمامنا بالمسائل الاقتصادية وإهمالنا أمر العناية والتحقيق في إدارة بيوتنا وتنظيم شؤون أسرنا.
وما اقبلنا على طاق كسرى إلاّ واستقبلنا فلاة مقفرة قاحلة فكنا نمر الساعة والساعتين فلا تقع الأنظار إلاّ على خرائب طامسة وإطلال دراسة أكل الدهر عليها وشرب ولكن ما فيها من نفيس الآثار كالتلال والروابي التي انبثت فيها التصاوير والرسوم ينطق بلسان فصيح بما كان لهذه المواطن من عظيم الشأن ورفيع المقام في قديم الزمان، ولما لاحت لنا عن كثب بقايا طاق كسرى انوشروان فخر الدولة الساسانية وإطلال إيوانه المشهور سكبت منا العبرات وتصاعدت من أنفاسنا الزفرات إلى السماء حزناً على ما كانت عليه هذه الديار من الحضارة والعمران فتقلبت عليها الأزمان ونزلها من لا يصلح ولا تصلح له، وأنشدنا قول الشاعر العربي:
امست خلاء وأمسى أهلها ارتحلوا...
اخنى عليها الذي اخنى على لبد
والإيوان في موضع يبعد عن بغداد ست ساعات من طريق البر وعشر ساعات من جهة النهر بينه وبين ساحل دجلة الأيسر مسافة 15 دقيقة وهو بناء ضخم هائل يبلغ طوله نحو 42 متراً في عرض 25 متراً وارتفاعه يناهز 30 متراً وعرض الباقي من العقد إلى أعلاه وثخنه 8 طبقات أو متران ونصف المتر وهو قومي الشكل ويبلغ مقدار قوسه 14 متراً وعرض حائط الإيوان الذي عليه طرف العقد زهاء خمسة أمتار وعرض الباب الذي يكون مقابلاً لك إذا وقفت في وجه الإيوان ووجهك إلى الجنوب الغربي متران و20 سنتيمتراً وارتقاء خمسة أمتار وهو معقود مقوس.
وفي جانبي الجدار الذي فيه الباب المذكور من أعلاه روزنتان نافذتان إلى الوجه الآخر من الجدار يبلغ ارتفاع كل منهما مترين في عرض متر وارتفاع الجدار المار الذكر يناهز 18 متراً وفي حائط الإيوان الشرقي مما يلي وجهه باب طوله سبعة أمتار ونصف المتر وفي عرض متر و 87 سنتيمتراً وقد شقّ عقده إلى أعلى الإيوان، ويزعم أهل العراق أن الشق قد حدث وهلة يوم ولادة النبي"صلى الله عليه وسلم"، فتطير من ذلك كسرى ورسخ في ذهنه أن انقضاء حكم الفرس وزوال ملكهم قريب الوقوع، وفي شرقي الجدار المذكور جدار آخر قائم قد سقط أعلاه وتداعت بعض أركانه من طرفه الشرقي ولم يبق منه إلاّ ما يناهز طوله نحو 31 متراً في عرض سبعة أمتار في ارتفاع قرابة 30 متراً وفي وجهه الذي هو تجاه الشمال الشرقي آثار نقوش ومشاك وأعمال هندسية في البناء بديعة الشكل حسنة الوضع وفي أعلاه تجاه الجنوب الغربي أثر عقد يدلنا على إنه كان هناك إيوانان هناك إيوان آخر صغير غير هذا الكبير وقد هدم، وطوله من الأرض إلى اثر العقد قرابة 8 أمتار، وفي وسط الجدار المذكور باب معقود طوله 7 أمتار في عرض 4 أمتار و20 سنتيمتراً وفي ارتفاع متر و80 سنتيمتراً وبناء الإيوان بالجص والطاباق.

م. المقتبس (القاهرة 1910)