صفحة لامعة من تأريخنا الفكري.. مكتبة السلام مِنْ مكتبة صغيرة إلى(مكتبة وطنية)

Sunday 20th of May 2018 05:38:27 PM ,

ذاكرة عراقية ,

ثامر محمد حميد حسين
دعا بعض الوجهاء والأدباء والعلماء العراقيين في نهاية عام (1919)، أمثال يوسف غنيمة وعارف السويدي وكاظم الدجيلي، فضلاً عن المس بيل (Gertrude Bell) الى تكوين لجنة خاصة لجمع التبرعات من المال والكتب لتأسيس مكتبة عامة في بغداد، وفعلاً تألفت تلك اللجنة من كبار العلماء والأدباء العراقيين وأخذت على عاتقها جمع التبرعات من المال والكتب للمكتبة المزمع تأسيسها والتي جرى افتتاحها في(16 نيسان1920)

 إذ أسهم في افتتاحها كثير من الشخصيات العلمية والأدبية، وسميت بـمكتبة السلام تيمّناً ببغداد مدينة السلام، وضمت مجموعات أهديت للمكتبة مباشرة ومجموعات أخرى من مبالغ التبرعات التي جمعت لهذا الغرض وبلغ عدد الكتب عند الافتتاح (736) كتاباً، إذ أن نصف مجموع هذه الكتب تبرع بها الحاج عبد الرحمن الشيخلي بإيعاز من شيخه محمود شكري الآلوسي. وكان موقعها في ركن جانبي صغير في بناية كنيسة اللاتين في رأس القرية (في الشورجة)، وأشرف على إدارتها الأب انستاس ماري الكرملي وبلغت نفقات المكتبة عام (1922) مثلاً (6077) ربية ما يعادل (334) ديناراً و(235) فلساً انفق منها على شراء الكتب باللغة الانكليزية (235) ربية وبالعربية (540) ربية، واصدرت المكتبة مجلة فصلية خاصة بها باسم  الخزانة (The Library) التي رأى عددها الأول النور في نيسان (1923) واهتمت المجلة بعرض ونقد الكتب التي أهديت لها فضلاً عن تفاصيل عن ميزانيتها وأسماء الشخصيات التي تبرعت لها ومعلومات أخرى متعلقة بالمكتبة.
      تعد المكتبات العامة من الوسائل المهمة التي تساعد في نشر المعرفة بين صفوف المجتمع لأجل رفع المستوى الثقافي للناس وهي بالتالي (مؤسسات ثقافية يحفظ فيها تراث الإنسانية الثقافي وخبراتها لتكون في متناول المواطنين من جميع الطبقات والأجناس والأعمار والثقافات والمهن). كما وإن من أهداف المكتبة العامة هو حفظ التراث والنتاج الفكري الوطني والقومي للبلاد والعناية به لصالح الأجيال المقبلة، وإن المكتبة العامة انشئت لغرض توفير الكتب والمواد المكتبية الأخرى التي تزيد من ثقافة ومعلومات الشعب سواء كانت في جانب التعليم أو الحياة العامة، وإن مكاسب الدولة في ذلك ليس في الاموال وإنما في خلق جيل مثقف ومتعلم قادر على العمل في المجتمع بصورة فعالة، وتنبع اهمية المكتبة العامة من دورها المؤثر في الحياة وقدرتها على تطوير المجتمع في الميادين كافة بمعنى أن مقدار ما تقدمه من خدمات علمية ومعلوماتية وثقافية يساعد في رقي وتطور المجتمع، فللمكتبة العامة دور رئيس في كل جانب من جوانب الحياة العامة ففي مجال التعليم للمكتبة العامة دور وأهمية في المساعدة على التعليم بعدة طرق، فهي تنمّي القدرات الثقافية لروّادها من الطلاب في المدارس من جميع المراحل الدراسية وصولاً الى الجامعة وما بعدها من خلال تعاونها الوثيق مع المدرسة والطلاب وفتح أبوابها لهم في أيّ وقت كان وهي تعمل على القضاء على الأمية التي تشكّل خطراً كبيراً على بغداد خصوصاً والعراق عموماً. 
       وبعد أن انفرط عقد اللجنة، وقلَّ حماسها، وعجز القائمون على ادارة مكتبة السلام في الاستمرار بتقديم الخدمات للقراء، اقترحت اللجنة تقديمها الى وزارة المعارف بعد مفاوضتها على ذلك وسلمت محتوياتها البالغة (4283) كتاباً الى الوزارة المذكورة بتاريخ (22تموز1924) وسمّيت بالمكتبة العامة، ونقلت بعد ذلك الى جناح في المدرسة المأمونية بباب المعظم. واصبحت الوزارة هي المسؤولة عنها ادارياً ومالياً وفنياً وتديرها بموجب (تعليمات وزارية) تصدرها لهذا الغرض اذ لم يكن ثمة تشريع خاص بالمكتبات وبقيت تسير على هذا المنوال حتى اصدار نظام المكتبات العامة خلال العقود اللاحقة.
      وذكرت صحيفة العراق آنذاك أن من أسباب نقلها كي يسهل على الجمهور مطالعة هذه الكتب ويستفيد منها معلمو المدارس وستتم حلقة الاتصال بلجنة مشتركة تتألف من موظفي وزارة المعارف واعضاء مكتبة السلام. واصبحت المكتبة تستند إلى (تعليمات وزارية) تصدرها وزارة المعارف في انشاء وادارة الاعمال المكتبية الفنية والادارية، وأبرزها التعليمات التي صدرت في ما يخص مسؤوليات مأمور المكتبة العامة، وتنظيم شؤون المكتبة وحفظ الكتب الموجودة فيها، وتكليف الوزارة مديرية التدريس والتربية بالإشراف على ادارة المكتبات العامة وتوسيع الاستفادة منها. وتتعرض للتغييرات تبعاً لأهداف الوزارة بدون وجود اي اطار قانوني يحدد موقف وتبعية واسس الخدمة المكتبية العامة. وبلغت محتوياتها (4283) كتاباً منها (1427) باللغة العربية (2350) باللغة الانكليزية (341) باللغة الفرنسية و(165) باللغة التركية.
       اضيفت مجموعة مكتبة نظارة المعارف في عام(1929) الى مجموعات مكتبة السلام، فضلاً عن محتويات مكتبة جمعية الشبان المسيحيين بعد أن أمر الملك فيصل الاول أن تتوحد هذه المكتبات لتصبح المكتبة الرسمية للبلاد، كما نقلت محتوياتها البالغة (9298) كتاباً الى بناية في شارع الرشيد قرب باب الاغا وبقيت هناك لمدة عامين، والظاهر بأنه قد اعيد تنظيمها وترتيبها لتفتح أبوابها للجمهور من جديد ويرجع الفضل الى وزير المعارف محمد رضا الشبيبي (في تنظيمها وتنسيق فهارسها أسوة بدور الكتب الراقية في الشرق والغرب).
       بدأ اهتمام الجمهور البغدادي بها بعد افتتاح بناية مكتبة الاوقاف في باب المعظم، وهي بناية ضخمة ارتأى نقل المكتبة العامة إليها لتضم جناحها الأيسر وأصبح اسم البناية المكتبة العامة، وأخذ يتردد عليها كثير من طلبة الكليات والمدارس الثانوية القريبة منها، وبلغت مجموعاتها في عام (1931) (10005) عشرة آلاف وخمسة مجلدات من كتاب ومجلة وصحيفة، وظل نمو المكتبة العامة بطيئاً بسبب انشغال وزارة (المعارف) عنها وتخصيص مبالغ متواضعة لشراء الكتب.
      انتقلت المكتبة العامة الى دار في شارع الزهاوي خلال العقود اللاحقة بعد أن بلغت محتوياتها آنذاك(28.375) مجلداً، وظلت في مكانها حتى انتقلت الى البناية الحالية (بعد افتتاح شارع الجمهورية عام1957 تمت ازالة البناية لتوسيع ساحة باب المعظم، واجبرت المكتبتان على الانتقال، فانتقلت المكتبة العامة الى دار في شارع الزهاوي، وبلغت محتوياتها آنذاك28.375 مجلداً، وظلت في مكانها حتى انتقلت في عام 1977الى البناية الحالي).
      كانت المكتبة العامة مكاناً يقصده طلاب المدارس والمعاهد والكليات والباحثون عن العلم والثقافة لأنها الوسيلة المهمة التي تساعد على الارتقاء بمستوى الثقافة والمعرفة في المجتمع, فتهافت عليها طلاب دار المعلمين العالية وكلية الحقوق ومدرسة الهندسة والثانوية المركزية لكثرة المصادر المتنوعة التي ضمتها المكتبة، ومما شجع الناس على المطالعة أيضاً هو ازدياد عدد المطابع والكتب والدوريات.

عن رسالة (الحياة الثقافية في بغداد 1921 ــــ 1939)