عندما حلّ الأمير عبد الإله في بغداد .. كيف عُيّن في وزارة الخارجية؟

Sunday 27th of May 2018 05:50:55 PM ,

ذاكرة عراقية ,

د. عبد الهادي الخماسي
بعد أن استقر الأمير عبد الإله الى جوار أسرته في بغداد)وصلها في الثامن من كانون الثاني عام 1926)، أمر الملك فيصل الأول بمواصلة تعليمه الذي كان قد بدأه من قبل في الحجاز وعمان، فاختير لهذا الغرض مجموعة من الأساتذة والعلماء الأكفاء أمثال العلامة يوسف العطاء، مفتي بغداد، الذي قام بتدريسه الفقه والتوجيه، والأستاذ نعمان الاعظمي، الذي اعطاه دروساً في اللغة العربية وآدابها والأستاذ ابراهيم الدباس،

 الذي تولى مهمة تعليمه اللغة الانكليزية،على صعيد آخر، كان الأمير عبد الإله يقضي قسطاً من أوقات فراغه في مقاطعة (البغيلة) الزراعية، الواقعة في النعمانية، في لواء الكوت التي كان عمه الملك فيصل الأول قد أهداها الى والده الملك علي وبالرغم من أن غالبية مساحتها كانت في البداية أراض صحراوية إلا أن عمليات الاستصلاح التي جرت عليها، حولتها الى أراضٍ خصبة. لذلك كان الامير عبد الإله وعائلته يمكثون هناك أياماً، بهدف تحسينها من جهة، ولقضاء بعض الوقت في اجواء مغايرة لأجواء المدينة، من جهة أخرى. امضى الأمير عبد الإله سنتين من عمره بعد قدومه الى بغداد بين الدراسة والتردد على المزرعة، وبعد أن قطع شوطاً من دراسته في بغداد استعد للسفر الى فلسطين بهدف اكمال تعليمه في الكلية العربية في القدس، عام 1928 وهي عبارة عن كلية دينية، وقد بلغ الخامسة عشرة من عمره، وكانت رغبة والده الملك علي الذي عرف بتدينه اذ (كان عالماً بالشريعة والدين، شديد الورع الى درجة الخيال) دافعاً وراء قرار الاسرة ارسال الأمير لإكمال دراسته في القدس وربما كان يهدف من وراء ذلك أن يقتدي الأمير بأثره في هذا المجال. ولكن يبدو أن اتجاهات وميول عبد الإله لم تتفق مع طبيعة تلك الدراسة التي اقتصرت على العلوم الدينية فقط، لهذا لم يمكث الأمير طويلاً في القدس، فسرعان ما حزم أمره وقرر الالتحاق (بكلية فكتوريا) بالاسكندرية، بهدف التوسع في دراسة اللغة الانكليزية وآدابها، وكذلك دراسة العلوم المعرفية، وكان ذلك في شهر اكتوبر/ تشرين الأول من عام 1928. وصل الأمير عبد الإله الى مصر عن طريق الأردن ــ فلسطين للالتحاق بكلية فكتوريا في الاسكندرية، وبهدف تهيئة الأجواء الملائمة لدراسته هناك، بعث رئيس الديوان الملكي، رستم حيدر، برسالة الى سكرتيره المعتمد السامي البريطاني في العراق، الكابتن هولت نقل فيها رغبة الملك علي في ارسال ولده الأمير عبد الإله الى الاسكندرية لإكمال تعليمه هناك. لا تتوفر لدينا معلومات تفصيلية عن حياة الأمير عبد الإله الدراسية الجديدة، ومستواه العلمي، وطبيعة علاقاته التي أقامها هناك سوى إشارات قليلة لا تكفي لرسم صورة واضحة عن طبيعة تلك الحقبة من حياته، فقد ذكر ناجي شوكت في مذكراته، أن الأمير عبد الإله عند التحاقه بكلية فكتوريا (كان مضرب المثل في الكسل وسوء الخلق، وكانت تقارير عمادة الكلية لا تبشر بخير، فأعيد الى العراق قبل أن يتم دراسته فيها) في حين يقول الدكتور سندرسن (إن الأمير عبد الإله واصل تعلمه في كلية فكتوريا بالاسكندرية، وامضى أيامه فيها هانئاً، ومع انه كان واسع الذكاء إلاّ انه لم يفكر في الحصول على شهادة من الجامعة).
أما بخصوص العلاقة بين الأمير عبد الإله وعمادة كلية فكتوريا، فقد أخبرنا عبدالرزاق الحسني، انه سمع من الطلاب العراقيين الذين كانوا يدرسون مع الأمير عبد الإله في كلية فكتوريا، إن عميد الكلية اذا غضب على عراقي في كليته قال له مؤنباً (ليزي عبد الإله Lazy Abdul Illah) في الوقت الذي يصف فيه العقيد دي جوري تلك العلاقة بقوله: (كان هذا العميد رجلاً يحبه جميع الفتيان ويحترمونه وظل يحتفظ بتأثيره فيهم حتى بعد أن غادروا وكبروا، لقد تركت الأحاديث الخاصة مع هذا العميد انطباعاً ثابتاً في نفس عبد الإله، هيأت له، اضافة الى خلفيته ذاتها، احساساً قوياً بالمسؤولية والفخر بالدور الذي تمارسه عائلته في العالم العربي. ومهما يكن من امر، فقد امضى الأمير عبد الإله ثلاث سنوات في الكلية، وتوثقت علاقاته مع عدد من طلابها، وقد ظل الأمير يتذكرهم حتى بعد تسلمه الوصاية ثم ابدى الأمير عبدالإله بعد ذلك رغبة في اكمال تحصيله في بريطانيا للتخصص في علمي السياسة والاقتصاد. غادر الأمير عبدالإله الى لندن، عن طريق مصر، في السادس والعشرين من اغسطس/ آب 1932 للالتحاق بكلية هارو، وكان والده يرغب في إلحاقه بجامعة اكسفورد أو كامبردج وفي لندن اختير بيت أحد المعلمين البريطانيين ليكون مقراً لسكناه إلاّ أن الأمير عبدالإله لم يمكث طويلاً لشعوره بصعوبة الدراسة، واشتداد حنينه الى الوطن فغادر بريطانيا، وقد علقت وثيقة بريطانية على ذلك قائلة: (كان من المشكوك فيه جداً أن لدى الأمير عبد الإله من التعليم ما يجعله قادراً على الاستفادة من دراسة جامعية). (تشريفاتي) في الخارجية ظل الأمير عبد الإله يتلقى رعاية خاصة لكونه أحد افراد العائلة المالكة، وتدفع له خزينة الملك الخاصة مخصصات شهرية، الى جانب ما كان يتلقاه من مساعدات شقيقته الملكة عالية، ولما اشتهر عنه من كياسة، قرر رئيس الوزراء ياسين الهاشمي تعيينه ملحقاً في وزارة الخارجية. باشر الأمير عبد الإله عمله الجديد في وزارة الخارجية، وقد سرد طالب مشتاق في مذكراته قصة تعيينه على الشكل الآتي: (في سنة 1935 زارني يوماً ياسين الهاشمي في مكتبي في وزارة الخارجية، وكان حينذاك رئيساً للوزارة، وقال لي اني ارغب في أن ينشأ الأمير عبد الإله موظفاً دبلوماسياً، فإن بعض مظاهره تدل على قابليته بهذا المسلك، وأرى من المفيد أن يعمل في وزارة الخارجية (ملحقاً فخرياً) بإشرافك مباشرة، وفي اليوم التالي هيأنا غرفة قريبة من غرفتي، فباشر الأمير في وظيفته الجديدة، ولقد قمت بمسؤولياتي نحوه خير قيام، على ما اعتقد، كنت اعطيه ملفات بعض القضايا وأطلب إليه ان يدرسها ويقدم لي تقريراً بخلاصتها، وأكلفه احياناً بتحضير مسودات اجوبة على بعض المخابرات الرئيسة التي تمر بالدائرة القنصلية، وقد هيأت له كتاباً في القانون الدولي، طالباً أن يطالعه في أوقات فراغه، وكان هو من جانبه يسعى الى تنفيذ ما يطلب اليه، ولم أرَ فيه طوال دوامه في وزارة الخارجية تكاسلاً أو تماهلاً في اداء واجباته). أما عبدالرزاق الحسني، فيؤكد أن ياسين الهاشمي لأجل أن يحسن وضع عبد الإله المالي أمر بتعيينه بوزارة الخارجية، براتب ضئيل جداً، ولكنه لم يلازم الوزارة، ولم يذهب اليها على الرغم من الراتب الذي كان يصرف له في نهاية كل شهر للغرض المذكور، في الوقت الذي يؤكد فيه السهروردي، إن صهره رشيد عالي الكيلاني، رئيس الديوان الملكي، هو الذي تبنى تعيينه كاتباً بوزارة الخارجية، في حين يرى عبد الرضا كاشف الغطاء، إن الأمير عبد الإله هو الذي طلب شخصياً من ابن عمه الملك غازي تعيينه ملحقاً فخرياً، في وزارة الخارجية. ومهما يكن من امر تعيينه، فقد استهل الأمير عبد الإله، عمله الجديد بوظيفة (التشريفاتي) في وزارة الخارجية ومن المؤكد أن وجوده في وزارة الخارجية قد وسّع معلوماته، وأكسبه خبرة دبلوماسية.

عن كتاب (الأمير عبد الإله 1939 ــ 1958)