أوّل إنجازات ثورة 14 تموز 1958 قانون الإصلاح الزراعي.. كيف صدر؟ وكيف تأسّست أولى الجمعيات الفلاحيّة

Monday 16th of July 2018 06:35:57 PM ,

ذاكرة عراقية ,

د. غصون مزهر المحمداوي
لقد أثبتت الأيام التي تلت ثورة 14 تموز 1958 مدى التأييد الشعبي الذي لاقته الثورة منذ إذاعة البيان الأول للثورة صبيحة يوم 14 تموز، الأمر الذي يظهر الكره الشديد الذي يكنّه الشعب للنظام الملكي وأزلامه، غير أن الضباط  الأحرار في الأيام الأولى للثورة حاولوا التصرف بحذر تُجاه ركيزة النظام  الملكي الإقطاعيين الكبار،

 لذا كان البيان الأول للثورة خالياً من أي إشارة إلى الإقطاع والموقف منه، مما فوّت الفرصة على الإقطاعيين لاستغلال أي موقف ضد الثورة في الأيام الأولى لكي يستطيع الثوار تثبيت أركان الجمهورية بشكل هادئ من دون أي عقبات. ثم بدأت الإجراءات الثورية وكانت أولى هذه الإجراءات إعلان نص الدستور المؤقت في 27 تموز 1958، حيث نصّت المادة الرابعـة عشرة فيه على ما يلي: - الملكية الزراعية تحدّد وتنظم بقانون.

-1  تبقى حقوق الملكية الزراعية مصونة بموجب القوانين المرعية إلى حين استصدار التشريعات واتخاذ التدابير الضرورية لتنفيذها.
وفي اليوم التالي 28 تموز 1958، نشر قرار مجلس الوزراء بإلغاء نظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية وتعديلاته وذيوله وذلك استناداً إلى ما نصّت عليه المادة (9) من الدستور، والتي جاء فيها"إن المواطنين سواسية إمام القانون في الحقوق والواجبات العامة".
وفي بداية آب 1958، أصدر وزير الزراعة"هديب الحاج حمود"بياناً قضى إعطاء الفلاح نصف الحاصل باستثناء الحالات التي يستحق الفلاح فيها أكثر من ذلك حسب التعامل المحلي، وفي 11 آب 1958 ألقى وزير الزراعة كلمة من دار الإذاعة شدّد فيها على تطبيق مبدأ المناصفة في الحاصل بين الملاك والفلاح وفقاً لما جاء في مرسوم قسمة الحاصلات بين الملاك والفلاح رقم (1) لسنة 1954.
لهذا لم يكن غريباً عندما خطت الحكومة الخطوة الرئيسة لإعداد قانون الإصلاح الزراعي وذلك بإصدار وزير الزراعة أمراً وزارياً في الثاني من آب 1958 بتأليف لجنة لوضع قانون الإصلاح الزراعي، تألفت هذه اللجنة من وزير الزراعة هديب الحاج حمود رئيساً وطلعت الشيباني وعبد الرزاق الظاهر وعبد الصاحب العلوان وعبد الرزاق زبير ومسعود محمد وجوهر درزه ئي وخالد تحسين علي وباقر كاشف الغطاء وحسن الكناني وقرتي دوغرامجي ويوسف الحاج الياس وأنور الجاف أعضاء، ولطفي جودت الدليمي سكرتيراً للجنة، كما أضيف لهم ممثلون عن الوزارات المختلفة.
وكان أعضاء لجنة إعداد قانون الإصلاح الزراعي وقادة الثورة الضباط الأحرار مدفوعين برغبة حقيقية لإعداد قانون يحقق الأهداف الأساسية للثورة وأماني الشعب بالإصلاح الزراعي ضمن ثلاث نواحٍ وهي (الناحية  الاجتماعية) حيث يستهدف الإصلاح الزراعي إزالة حالة اللامساواة الواضحة في توزيع الأرض والثروة بين الفئات الاجتماعية الريفية وإلغاء السخرة، وتصفية العلاقات الاحتكارية، والتخلص من الظلم الاجتماعي وسوء توزيع الدخل بسبب سوء توزيع الملكية الزراعية والقضاء على النظم القبلية والأعراف والارتباطات العشائرية، وهذا يعني تكريس العدالة الاجتماعية، أما الناحية الثانية (الاقتصادية) حيث يهدف الإصلاح الزراعي إلى إضعاف تعلق فئة كبار المالكين الثرية بالأرض الزراعية والملكية العقارية المتمركزة والى توجيه الجزء الأكبر من دخولهم - والذي يخصص عادةً لامتلاك المزيد من الأرض - إلى القطاعات الإنتاجية القومية الأخرى، وهذا يعني العمل على كبح جماح تراكم رأس المال في شكل ملكية عقارية، وتحسين دخول الفلاحين المنتجين برفع قدرتهم الشرائية وزيادة ميلهم الإدخاري الذي يسهم بشكل أو بآخر في تطوير الإنتاج الزراعي وتطوير القطاعات الاقتصادية الأخرى، أما الناحية الثالثة فهي (السياسة) فإن الإصلاح الزراعي يسعى إلى تجريد الإقطاع من نفوذه الواسع والحد من سلطته، وذلك بتقليص إمكاناته المادية التي تكونت بنهج طفيلي وإلى القضاء على الصراعات الطبقية الناجمة عن العلاقات الاستغلالية التي تدعم أنظمة الحكم الاستعمارية، ويعمل الإصلاح الزراعي على تعميق الطابع المتطور للاقتصاد القومي، فيحول دون ارتباطه بالسياسات الاقتصادية الاستعمارية، ومن جهة أخرى، فإنه يساعد في تعبئة الفلاحين جماهيرياً وتنظيم قواهم سياسياً ضمن جمعيات أو نقابات أو تنظيمات ديمقراطية أخرى.
وقد أسفرت أعمال هذه اللجنة عن إعلان قانون الإصلاح الزراعي رقم (30) الذي اصبح نافذ المفعول ابتداءً من 30 أيلول 1958، حيث أذاع الزعيم عبد الكريم قاسم بياناً أعلن ولادة قانون الإصلاح الزراعي جاء فيه"إن الثورة المجيدة التي انبثقت من إرادة الشعب يوم 14 تموز إنما هي ثورة سياسية واجتماعية معاً، ومن أهدافها تحقيق الإصلاح الاجتماعي وضمان العدالة بين أبناء الشعب كافة وتحريرهم من عوامل الفقر وأسباب الخوف وتخليصهم من الجهل والمرض..، وبعـد الدراسة وجدنا إن الإصلاح الزراعي هو القاعدة الأساسية التي يقوم عليها الإصلاح الاجتماعي فقد تبيّن لنا إن جانباً من الأرض الزراعية إنما يعود إلى عدد كبيـر من أفراد الطبقة الوسطى ولذلك ستبقى هذه الأرض لأصحابها مادامت ضمن الحد الأعلى للملكية الزراعية، أما الملكيات الضخمة أو ما يسمّى بالإقطاعيات الكبيـرة، فستحدد بالحد الأعلى نفسه، على أن تستولي الحكومة على ما يزيد عن الحد المذكور بتعويض عادل، وستوزع الأراضي المستولى عليها والأرض الأميريـة الصرفة على الفلاحيـن                                         
ليصبحـوا مالكين للأرض في نطاق الحـد الأدنى".
لقد حدد القانون في مادته الأولى الملكية الزراعية حيث نصّ على"لا يجوز إن تزيد مساحة الأراضي الزراعية التي تكون مملوكة لشخص أو ممنوحة له باللزمة عن (1000 دونم) من الأراضي التي تسقى سيحاً أو (2000 دونم) من الأراضي التي تسقى ديماً وعند الجمع بين النوعين يكون الدونم الواحد من النوع الأول مقابلاً لدونمين من النوع الثاني، وكان الدافع لجعل الحد الأعلى يحدد بألف وألفي دونم هو إن الطبقة المتوسطة من المزارعين التي ينبغي الإبقاء عليها هي تلك الطبقة من المزارعين الذين إذا هم استغلوا ألف دونم من الأراضي المسقية وألفين دونم من الأراضي المطرية فإنها تؤمّن لهم دخلاً جيداً.

تأسيس الجمعيات الفلاحية في ضوء قانون الإصلاح الزراعي :

يمكن تعريف الجمعية الفلاحية بأنها منظمة مهنية تؤسس من الفلاحين الأُجراء أصلاً للدفاع عن مصالحهم المهنية ولحمايتهم في مجال العمل الزراعي تجاه الملّاكين بالدرجة الأولى، ولرعايتهم الاجتماعية والاقتصادية تجاه الحكومة والهيأة الاجتماعية بالدرجة الثانية.
كانت الحركة التعاونية في العراق محصورة في المدن الرئيسة لدى طبقة ذوي الدخل المحدود من الموظفين والعمال لتوفير الحاجات اليومية ولم تتوجه الحركة التعاونية إلى الريف العراقي بسبب النظام شبه الإقطاعي، فهذا النظام جعل من الفلاح شخصاً جاهلاً ومقيّداً ومستعبداً فكرياً واقتصادياً ومجرداً من روح الإقدام والاضطلاع بالمسؤولية، وفي ظل هذه الظروف لا يمكن أن تنتشر الحركة التعاونية لاسيّما إذا قلنا إن التعاون نظام ديمقراطي وأن الديمقراطية والإقطاع على طرفي نقيض.
أول جمعية تعاونية نشأت فـي الريف العراقـي كانت فـي مشروع الدجيلة – الذي تأسس عام 1945 والذي وزعت أراضيه الأميرية علـى صغار الفلاحين – حيث تأسست هذه الجمعية عام 1947 وكانت جمعية استهلاكية تجهز الأعضـاء بالحاجات المنزلية وتقوم ببعض الخدمات الزراعية، وقد نجحت هذه الجمعية في أداء رسالتها أول الأمر ولكنها أخـذت تصادف صعوبـات في الإدارة والتنظيـم والحسابات انتهت بحل الجمعية عام 1953.
وقـد كان من نتائج ثورة 14 تموز 1958 وتأسيس النظام الجمهوري في العراق، إن فسح المجال للعمال والفلاحين في تأسيس النقابات العمالية والجمعيات الفلاحية على نطاق واسع، لتجميع شملهم والدفاع عن النظام الجمهوري وحماية مصالح الفلاحين المهنية ورفع مستواهم الاجتماعي والاقتصادي وتنظيم علاقاتهم الإنتاجية مع أصحاب العمل، لذا فقد صدر في أوائل أيام الثورة استناداً إلى قانون العمل رقم (1) لسنة 1958 الصادر في عهـد النظام الملكي (نظام وجائب وحقوق النقابات)، ونظـام النموذج الأساسي لها، يعملان على تنظيم عملية تأسيس هذه النقابات من الناحية  العملية.
ثم صدر قانون الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية رقم (78) في 9 أيار 1959 بظروف وبخضم الأحداث التي كان يمر بها العراق مما كان له أثر في صياغة هذا القانون وأسسه التي اقرت للفلاحين لأول مرة في العراق حقهم في التجمع وتأسيس الجمعيات الفلاحية، وكذلك في أسس وصياغة جميع قوانين وأنظمة المنظمات المهنية الأخرى، فنص هذا القانون على تأسيس اتحاد عام للجمعيات الفلاحية وهو"منظمة مهنية فلاحية هدفها صيانة الجمهورية العراقية ونظامها الديمقراطي ورفع مستوى الفلاحين اجتماعياً واقتصادياً ورعايـة مصالحهم.

عن رسالة
(التطورات الاقتصادية والاجتماعية 1958 ــ 1968)