الثالث من تشرين الاول ... هل يصلح لليوم الوطني العراقي؟

Sunday 29th of September 2019 07:55:32 PM ,

ذاكرة عراقية ,

رفعة عبد الرزاق محمد
قرأت قبل قليل في احدى المواقع الاخبارية (ايلاف) انه تم توجيه السؤال الى 400 عراقي عن اليوم الوطني العراقي ولم يجب احد بمعرفته ذلك ، بل ان البعض لم يعرف ما هو العيد الوطني اصلا .. ولعل العراق البلد الوحيد في العالم لم يحدد بشكل قاطع يومه الوطني . وجرت العادة ان يكون يوم العيد الوطني مناسبة وطنية مجمع عليها بشكل كامل من قبل الشعب .

والحقيقة ان العراق منذ تأسيس دولته لم يستقر على يوم محدد لذلك ، والامر يشوبه الاضطراب والتردد منذ البدء ، ففي العهد الملكي كان يوم اعلان الثورة العربية سنة 1916 (التاسع من شعبان 1334هـ - 10 حزيران 1916 ) .
وبعد ثورة 1958 جعل يوم الثورة 14 تموز اليوم الوطني ، واستمر الامر نحو عشر سنوات عندما اتخذ النظام البعثي السابق يوم 17 تموز يوما وطنيا . وبعد 9 نيسان 2003اتخذ مجلس الحكم ( قرارا) بجعل ذلك اليوم عيدا وطنيا ، الا انه سرعان ما بدد القرار ولم يأخذ به الكثيرون لاسباب جيهة . وبعد ذلك استمر الحديث عن تحديد اليوم الوطني العراقي وتعددت الاراء والمقترحات حتى ان البعض اراد من بعض المناسبات الاسلامية التي هي موضع جدل المسلمين منذ قرون ان تكون يوما وطنيا ( الامر نفسه ينطبق على تحديد يوم الشهيد!! ) . غير ان وجدت عددا من الكتاب والمؤرخين يميل الى جعل يوم استقلال العراق بدخوله عصبة الامم يوم الثالث من تشرين الاول 1932، هو اليوم الوطني للعراق ، وهو اليوم التاريخي لنهاية عهود التسلط والقهر الاجنبي منذ سقوط بغداد بيد المغول عام 1258م . واني من المؤيدين لهذا الاختيار جملة وتفصيلا .
واود هنا بيان هذه المناسبة الوطنية فاقول :
بعد تأسيس الدولة العراقية عام 1921 بدأت الخطوات تتوالى لاستكمال الأسس الدستورية للدولة الجديدة وذلك بالانضمام إلى عصبة الأمم، هذه المنظمة الدولية التي تأسست سنة 1919 بهدف حفظ السلام العالمي ، وحل النزاع بين القوى الإقليمية والدولية بالطرق السلمية . واعتبار من ينضم اليها من الدول مستقلا بارادته وسيادته .
لم تكن مسيرة العراق إلى عصبة الأمم سهلة، وإنما كان لابد من الحكومة العراقية التي تشكلت سنة 1921 أن تبذل من اجل تحقيق هذا الهدف ،جهودا مضنية ، وتنفذ التزامات كثيرة ، وتلبي شروطا قاسية .خاصة بعد قرار مجلس الحلفاء الأعلى في سان ريمو في نيسان 1920 وضع العراق تحت الانتداب البريطاني ..ذلك القرار الذي فسره العراقيون على انه وصاية
وكانت المعاهدات بين العراق وبريطانيا واحدة من الأساليب التي نظمت العلاقة تلك ولعل أبرزها معاهدة 1922 ومعاهدة 1927 ومعاهدة 1930 التي مهدت لدخول العراق عصبة الأمم دولة مستقلة، وانتهاء عهد الانتداب البريطاني .
وفي الخامس والعشرين من آذار –مارس 1929 وصلت إلى المندوب السامي البريطاني في العراق السر هنري دوبس برقية من وزير المستعمرات البريطاني ليوبولد ايمري تعلن استعداد الحكومة البريطانية بتبليغ عصبة الأمم في أول فرصة ممكنة عزمها ترشيح العراق للانضمام الى العصبة في سنة 1932 . وعلى هذا الأساس قامت مفاوضات بين حكومة نوري السعيد الأولى 23 آذار –مارس 1930-19 تشرين الاول –نوفمبر 1931 من اجل عقد معاهدة جديدة تؤكد فيها بريطانيا تأييد ترشيح العراق عضوا مستقلا في عصبة الأمم سنة 1932 وكانت معاهدة 1930 والتي أتاحت لحكومة نوري السعيد الفرصة ،لتثبيت حدود العراق مع الأردن وإيران وسوريا والسعودية والكويت .كما سافر نوري السعيد إلى جنيف بسويسرا حيث مقر العصبة مرتين الأولى في 3 حزيران-يونيو 1931 والثانية في 4 كانون الأول –ديسمبر 1931.كما سافر للمرة الثالثة للتمهيد لدخول العصبة وحل بعض الإشكالات المتعلقة بالتعامل التجاري ، وبموضوع ضمان حقوق الأقليات العرقية والدينية ، وأكد أن القوانين العراقية تحتوي من النصوص ما يضمن تلك الحقوق رافضا مقترحا بتحديد أماكن معينة للأقليات الدينية .كما وافق الملك فيصل الأول على إيفاد 11 عضوا من مجلس الأمة يمثلون مختلف قوميات وطوائف العراق إلى جنيف ليحضروا احتفال عصبة الأمم بقبول العراق عضوا جديدا .
وعندما زالت جميع العقبات أمام دخول العراق العصبة ابرق نوري السعيد إلى بغداد مبشرا بصدور قرار مجلس عصبة الأمم قبول العراق عضوا مستقلا ، وتم الاحتفال برفع العلم العراقي فوق سارية مقر العصبة مع أعلام الدول الأخرى في اليوم الثالث من تشرين الأول –أكتوبر سنة 1932 وقد عين نوري السعيد نفسه ممثلا للعراق في عصبة الأمم وعد أول مندوب عربي يدخل العصبة .
وألقى الملك فيصل الأول في بهو أمانة العاصمة خطابا في 6 تشرين الأول –أكتوبر 1932 أي بعد ثلاثة أيام من دخول العراق عصبة الأمم قال فيه : " اشكر الله واهنيئ نفسي وشعبي على هذا اليوم الذي نفضنا فيه غبار الذل ،وفزنا بعد جدال سياسي دام ما ينوف عن 11 عاما بالأماني الكبرى التي كنا نصبو إليها وهي إلغاء الانتداب واعتراف الأمم بنا وبأننا امة حرة ذات سيادة تامة ... " كما أكد الملك بأن الاستقلال كان نتيجة لجهود مشتركة اعتمدت الصبر والحكمة ...وعلينا أن نثبت أنفسنا بأننا عند حسن ظن الأمم التي دخلنا في مصافها " وأشار إلى ضرورة البدء بأعمار العراق وتحديثه وتقدمه دون تردد ووجل .