أسرع لينقذ كبير سن من التعنيف .. فدفع ثمن ذلك من عمره..عمر السعدون .. حكاية بطولة أدمت قلوبنا

Monday 9th of December 2019 09:12:06 PM ,

الحريات اولا ,

 ماس القيسي
"وأخيراً فقد الأمل، وضع لحياته حداً ليبقى حياً" هكذا ختم (عمر السعدون) سيرة حياته على صفحته الشخصية (فيس بوك) بتاريخ 25 تشرين الثاني، بعبارة لمعشوقه مظفر النواب، الشخصية التي طالما أثرت به وألهمته، مرفقا اياها بصورة له وهو يقف امام ايقونة الثورة صفاء السراي ليصبح ايقونة اخرى، ودّعنا عمر بكلمات وكأنها نبوءة برحيله تاركاً الموت على الأرض،

بفعل أيادٍ غادرة، ومستقبل لحياة خالدة عند الباري عز وجل وفي قلوب أحبته و رفاقه ومن سيواصل الدرب الذي خطه من بعده.
سراج مضيء في مقتبل عمر توهجه، اقتبس من شمس الحياة ما ينير به كونه الصغير من حوله، فكان قبساً لرفاقه. صورة نُسِجَت في خيالي وأنا احدث صديق شهيدنا عمر، وهو الشاعر أزهر كريم الشاهد على قصته، إذ يقول:" عمر من مواليد 1998، من محافظة الناصرية، طالب مرحلة ثانية في كلية الإعلام، أصبح صديقاً لي منذ أن كان مراهقاً في مرحلة المتوسطة بعمر 15، إنسان يشكل بالنسبة لنا نحن رفاقه علامة فارقة فقد كان مرحاً و محباً للحياة، ولأصدقائه والآخرين، متأثراً بكل ما يقال في مجالس المقاهي الثقافية والادبية، ولم تفارق وجهه الابتسامة حتى على مدار أيام الانتفاضة".
شخصية فريدة منفتحة على الحياة، تقطف من شتى البساتين زهرات لتتبلور على هيئة كيان خاص يدعى عمر، ويستأنف أزهر بهذا الخصوص قائلا:" عمّوري، (كما اعتاد أن يسميه)، كان يتأثر بأصدقائه ويحب أن يتقمص شخصية الآخر الذي يهوى من خلال عباراته، ملبسه، انفعالاته، وعطره حتى تكونت لديه تلك التركيبة المتكاملة بداخل كل إنسان فكانت مرحلة النضج لديه". مشيراً الى أن هذه المرحلة هي التي حددت مسار طريقه اللاحق من حب لروح العمل الجماعي المرتبط بالأصدقاء والانتماء لوطنه.
شارك عمر السعدون في التظاهرات منذ بداياتها في مطلع اكتوبر الماضي ملتحقاً بباقي رفاقه في مدينة الناصرية وبهذا الصدد يضيف أزهر قائلاً:" أنا وعمر وباقي الرفاق، حيث كنت هناك بجوارهم قبل أن التحق بتظاهرات ساحة التحرير هنا في بغداد، إذ كنت بالنسبة لهم أخاً كبيراً لوجود فارق في السن، هذا ما حملني مسؤولية الحرص المتواصل عليهم أثناء تواجدهم وخلال تحركاتهم. عمر في تلك الاوقات لم يفارقنا بتاتاً" مؤكداً على تواجده الدائم في فترة تظاهرات ساحة الحبوبي كمعتصم ومتظاهر شهد أحداث الناصرية الدامية منذ الثاني من اكتوبر بالتزامن مع عمليات القنص وطلق الرصاص الحي.
لم يكن عمر ثائراً فحسب بل كان كتلة متأججة من الطاقة الحماسية التي تصر على مواصلة التظاهر بكل صمود وعنفوان، إذ عقّب بهذا الشأن أزهر بقوله:" كنا عادة ما نقوم بإقامة جلسات حوارية فيما يخص ضرورة عدم التراجع مهما حصل، خاصة بعدما تم مهاجمتنا بالقنص والرصاص، وإن غيرنا من المتظاهرين ليسوا أفضل حال منا، كلنا سائرون على ذات الدرب في نهاية المطاف، وهذا ماكنت ألمسه في شخصية عمر من خلال إصراره على الصمود" منوهاً الى كون صديقه الشهيد من النوعية النادرة فلن نجد مثيله بين الألف، سوى شخص واحد مستعد للتضحية بحياته مقابل قضية هادفة.
توقف عمر عن التظاهر أثناء فترة انقطاع التظاهرات بسبب أداء الطقس الديني (الزيارة الاربعينية) ثم واصل تفاعله مع الحراك، عند عودته في 25 اكتوبر ويضيف بخصوص ذلك أزهر قائلاً:" عمر لم يغادرنا طيلة فترة التظاهر كان معتصماً وفعالاً بشكل يومي، سوى ساعات معدودة حين يلبي نداء والدته لزيارتها، بينما لبى نداء الوطن من خلال مثابرته على الاعتصام والحراك اليومي وهتافاته الوطنية، التي لا تمت للطائفية بأي صلة" مما يؤكد أزهر على ان صديقه نموذج حي من نماذج الثوار الشباب، الذين سبقت عقولهم أعمارهم الحقيقية. لم يختلف عمر عن رفاقه في شيء ، إذ أن هناك ثقافة عامة انتشرت في عموم ساحة التظاهر في الناصرية يعبر عن ذلك أزهر بقوله:" كانت ظاهرة عامة لا مثيل لها ولم نشهدها سابقا، من تأخٍ ومحبة وإصرار وهذا الجو الاجتماعي الإنساني الذي كان قبلة جذب بالنسبة لعمر"
أما عن أحداث الليلة المأساوية بتاريخ 27 نوفمبر وما شهدته من فاجعة أليمة بحق أهلنا في الناصرية، والتي نال عمر نصيبه منها فكلفته حياته، يقول أزهر:" في ذلك اليوم تم قطع الجسور في المدينة وهي الزيتون والنصر والحضارات، من قبل الشباب المتظاهر مما أدى الى تدخل من قبل قوات ترتدي اللباس العسكري مع علمنا بأهدافهم التبعية " سطّر عمر بقصة استشهاده حكاية بطولية من حكايات الروايات، استوحيت ذلك من وصف أزهر للحادثة بقوله:" الحدث المرتبط باستشهاده يكاد أن يكون غريباً وفريداً، فلا يمكن ان يقوم بهذا الدور إلا رجل شجاع يملك طاقة إنسانية عالية، في وقتها كان توجه القوات صوبنا بقطع الجسر باتجاه الجزيرة، حيث يقطع نهر الفرات مدينة الناصرية الى جهتي الشامية والجزيرة، هناك حيث احتدم الموقف بزحف القوات بجوار مشفى الجمهوري المتخصص بالأطفال والخدج إذ رموا قابل دخانية داخله، مما أسفر عن مقتل طفلين" مؤكداً على أن الحرس الخاص بالمشفى والكادر الطبي المتواجد آنذاك قاموا بتشكيل حاجز بشري على بعد مسافة عن القوة المهاجمة دون مواجهة مباشرة، بينما أخذ المتظاهرون على عاتقهم مسؤولية حماية المشفى بصدورهم العارية ضد القوات التي وصلت الى تقاطع البهو قرب مدرسة الجمهورية.
قوات استخدمت الطلق الحي المباشر ضد متظاهرين عزل لا يتسلحون إلا بعلم وهتاف وطني، كما وصفه أزهر معقباً بقوله:" استخدموا أسلحة غير مشروعة إلا في الحروب، وفي خضم الرمي والضرب المتواصل قرب حديقة غازي من جهة الجزيرة، اتجه اليهم رجل كبير في السن، في حدود الساعة السادسة صباحاً من يوم 28، للتحدث معهم بهدف تهدئة الموقف لكنهم قاموا بتعذيبه واصابوه رصاصة في قدمه أدت الى سقوطه، مما دفع عمر الذي لم يتحمل هذا الموقف حينها ليساند الرجل، فتحرك لمسافة متر تقريبا وبلحظتها اصيب بالرصاص المباشر في عنقه فسقط شهيداً على الفور".
بعيون لم يخف بريق لمعان الأسى فيها منذ أن بدأنا الحديث عن عمر السعدون، يختتم أزهر متألما بقوله: "نسمة بريئة رحلت جسداً و بقيت روحاً، تجمعنا بها الذكريات والصور والجلسات، حقيقة قد أصبت بحالة من الهستيريا استمرت لثلاث أيام حال سماعي لخبر استشهاده، لم أعي ما حدث إلا بعد أن استيقظت من الصدمة، و وجدت نفسي أبكي على صديقي، وأعيد قراءة محادثاتنا، استعيد كلماته وابتسامته تلك التي تترك أثراً ايجابيا لدى كل شخص التقى بعمر، هذا هو(عُمَرنا) .
لم يترك أزهر فسحة لأختم بها هذا التقرير أو التحقيق كما يُعرف صحفياً، بالأحرى لم يُتح لي فرصة ألامس فيها إحساس كل من سيقرأ هذه الحكاية الموجعة فقد احتل الحديث حيزاً كبيراً في عمق الشعور الإنساني لدي، لدرجة لم أجد بعده أي عبارة تليق بثائرنا (عمر) الذي سيبقى أثره بقلوبنا شريان يغذي حراكنا الوطني عمراً بأكمله!.