الانتخابات المبكرة ووهم التغيير...!

Saturday 14th of December 2019 09:05:43 PM ,

الحريات اولا ,

 فارس كمال نظمي
تتجه بوصلة الأحداث إلى ولادة عسيرة لحكومة جديدة من رحم المنظومة الحالية نفسها، لن تحظى في الغالب بدعم الحركة الاحتجاجية، بل برفضها واستهجانها، على أن يعقبها إجراء انتخابات مبكرة، بعد إنجاز تعديل قانون الانتخابات الحالي أو استبداله بتشريع جديد.

جزء أساس من المحتجين يرون في انتخابات نزيهة مبكرة وبإشراف أممي وقانون منصف، سبيلاً لإنجاز التغيير السياسي دونما هزات راديكالية قد تبتلع الجميع في فراغ سياسي عنفي لا قرارة له. وجزء أساس من النخب الحاكمة بات مقتنعاً أن إقناع الشارع الغاضب وتهدئته يمكن أن يمرَ من خلال الموافقة على إجراء انتخابات مبكرة بعد إنجاز تعديل "مقبول" لقانون الانتخابات، بما يحفظ لهم إمساكهم بمفاصل السلطة الأساسية بلا خسائر جسيمة.
ودون الخوض في أسباب الموقفين و"أحقيتهما" النسبية في إدراكات أصحابهما، فإن تجارب بعض بلدان الربيع العربي، إلى جانب فشل كل الدورات الانتخابية السابقة في العراق في أن تكون ممثلة للإرادة العامة للناس في الاستقرار والتنمية والخروج من الطائفية السياسية، فضلاً عن اشتداد موجات العنف والتطرّف والانقسام المجتمعي والاغتراب السياسي وتدهور الثقة السياسية قبل وبعد كل انتخابات، تشير إلى العكس تماماً من أهداف التغيير السياسي الجذري التي تتبناها ثورة تشرين.
إن إجراء انتخابات مبكرة، استناداً إلى أي قانون انتخابي جديد، يعني قدرة أحزاب السلطة على إعادة إنتاج منظومتها الحاكمة بمسميات جديدة (سواء بترشيح الأفراد أو القوائم، بدائرة واحدة أو بعدة دوائر، حسب الأقضية أو حسب النسب السكانية) بسبب قدرتهم المالية واللوجستية الاحترافية التي لن تزول بسرعة، والتي ستبقى قادرة على التكيف مع المستجدات في ضوء عدم وجود أحزاب سياسية بديلة تناظرها في إمكانيات التعبئة والتسويق الانتخابي.
تنطوي فكرة الانتخابات المبكرة – رغم أحقيتها المبدئية- على تفكير رغبوي وحاجة وهمية إسقاطية على المجريات الفعلية للحراك السياسي القادم. فالبنية الزبائنية لنمط السلطة الحالية، يجعلها قادرة على لي عنق الديمقراطية الهش عبر احتواء صناديق الاقتراع لصالحها بأساليب الترغيب والترهيب والتزوير وافتعال أحداث جسيمة لتسويق خياراتها، دون أن يعني ذلك قدرتها على احتواء الاستياء والنقمة والإحباط التي ستتولد من النتائج المخيبة للانتخابات المبكرة. وهذا سيقود إلى موجة احتجاجية أشد راديكالية تطيح بكل الاحتمالات المتاحة حالياً لإيجاد مخرج سلمي يجنّب البلاد الاقتتال الأهلي ويفتح أفقاً نحو إصلاح تدريجي فعلي.
إن البديل لمطلب الانتخابات المبكرة هو أن يديم ويعزز الحراك الاحتجاجي ضغوطه ويبلور هيكلية تنظيمية له، ليطالب البرلمان بحلّ نفسه وفقاً للدستور الحالي (المادة 64- أولاً)، بعد أن يخول صلاحياته (عبر تعديل دستوري محدود) الى حكومة انتقالية مستقلة مدعومة شعبياً لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، تعمل على إعادة هيكلة مؤسسات الدولة الفاسدة، وتقديم قتلة وخاطفي المتظاهرين والناشطين إلى القضاء، وحصر السلاح فعلياً بيد الدولة، وتخليص القرار السيادي من التبعية، واتخاذ إجراءات اقتصادية إصلاحية استثنائية، وتعديلات دستورية مفصلية، وتشريع كل القوانين الأساسية المؤجلة.
هذا سيوفر مدة انتقالية مريحة تتيح لشباب الثورة وجماعات سياسية جديدة تشكيلَ تيارات وأحزاب إصلاحية عابرة للإسلاموية والهويات الإثنوسياسية، لدخول انتخابات غير مبكرة، يمكن أن تنتج تحولاً سلمياً ملموساً في العملية السياسية لصالح المطالب الوطنية والطبقية التي اندلعت من أجلها الثورة.
إن الاستثنائية الهائلة التي يتميز بها الوضع السياسي في العراق، على صعيد السلطة المغلقة والشارع المنتفض والفساد البنيوي العميق، يتطلب حلولاً استثنائية لا تقليدية. فالخروج الآمن من الأزمة الحالية لا يمكن أن يتم بأدوات دستورية وسياسية مكرورة فاقدة الصلاحية، مثلما لا يمكن أن يتم بطريقة القفز في الفراغ دونما تمهيد لبديل سياسي يعيد برمجة التطور السياسي على أسس سلمية وتدريجية.
ولذا فإن وجود حكومة إصلاحية مستقلة بصلاحيات استثنائية، تستند إلى شرعية دستورية وشعبية معاً، ولفترة انتقالية مناسبة، يمكن أن يمهد المناخ السياسي في البلاد في المدى المتوسط لأوضاعٍ تصبح فيها الانتخابات غير المبكرة سبيلاً مجدياً لتمثيل الإرادة المجتمعية تمثيلاً ملموساً في بنية النظام السياسي الجديد.
قد تبدو هذه الرؤية صعبة التحقق إنْ لم تكن مستحيلة، لكن حجم التقدم الذي حققه الحراك الاحتجاجي المستميت خلال الشهرين الماضيين في مسارات التغيير السياسي في العراق، كان في نظر البعض المتشائم وقتها أمراً مستبعداً أيضاً إنْ لم يكن مستحيلاً.