محاولة الاغتيال النفسي للاحتجاجات: بين ترامب والبرلمان العراقي..

Tuesday 7th of January 2020 08:19:52 PM ,

الحريات اولا ,

 فارس كمال نظمي
يُراد بهذه السطور تحليل الانعكاسات النفسية –وليس السياسية أو القانونية- لحدثين وقعا مؤخراً، على الحراك الاحتجاجي الثوري المستمر منذ بداية تشرين الأول الماضي، لإنهاء الفساد السياسي واستعادة الوطنية العراقية والانتقال إلى دولة المواطنة.

الحدث الأول كان جريمة الاغتيال السياسي التي مارستها الإدارة الأمريكية (ترامب) ضد رموز عسكرية عراقية وإيرانية قبل أربعة أيام قرب مطار بغداد الدولي. والحدث الثاني كان قرار البرلمان العراقي أول أمس بالطلب من الحكومة إنهاء وجود القوات الأجنبية في العراق.
فكلا الحدثين سعى –ضمنياً أو قصدياً- إلى ما يمكن تسميته بـ"الاغتيال النفسي" للزخم الاحتجاجي في لحظة كان يبدو فيها أنه على وشك تحقيق جزء مهم من مطالبه بالتغيير السياسي، بعد أن جرى تشريع قانونين جديدين للانتخابات وللمفوضية الانتخابية (بكل التحفظات عليهما)، مع استمرار الضغط الفاعل لتسمية رئيس وزراء انتقالي يحظى بمقبولية شعبية.
فجريمة الاغتيال السياسي الترامبوي التي جرت على أرض عراقية وبأيدي أمريكية، أفرز مناخاً نفسياً داعماً لقوى الثورة المضادة، إذ هرعت لاستثمار أو تفعيل الارتباطات الوهمية في أذهان الناس بين حادث الاغتيال الصادم هذا وبين غايات الحركة الاحتجاجية، كما لو أن الحادث هو "دليل" على أمركة الاحتجاجات أو ارتباطاتها "التآمرية". هذا الاستثمار/ الابتزاز السياسي التخويني ممتزجاً بضغوط الترهيب والترويع، خلق لدى بعض المحتجين مشاعر دفاعية بأنهم باتوا "متهمين" أو "آثمين" بعد أن كانت السلطة هي المتهمة بجرائم الاغتيال السياسي لمئات المحتجين والناشطين، إلى جانب دغدغة مشاعر احتمائية بالطائفة بديلاً عن الوطن.
هذا الانقلاب الدراماتيكي في أدوار الضحية والجلاد (أي إرغام الضحية على ممارسة مشاعر الذنب فيما يتطهر الجلّاد من كل ذنوبه المتراكمة بين ليلة وضحاها)، إنما يشكّل لحظة سيكولوجية آنية تمارس اغتيالاً نفسياً مؤقتاً ضد المحتج يجعله أكثر اغتراباً وإحباطاً من ذي قبل، دون أن يعني أن هذه اللحظة السيكولوجية قادرة على مقاومة الزمن الاجتماعي المحفّز لكل عوامل السخط والثورة التي ما تزال ماثلة وعصية على التراجع.
أما جلسة مجلس النواب، بسياقها التهريجي والشعبوي المفتقر إلى أدنى حدود الحكمة السياسية أو الدراية القانونية أو البصيرة الإدراكية بالعواقب المأساوية، فتمثل محاولةً لاغتيال نفسي آخر للحراك الاحتجاجي أو التفاف ضمني عليه يتزامن مع الفعل الترامبوي. فما حصل في الجلسة هو محاولة الانتقال نفسياً بالحدث السياسي من منطقته الأساسية المتمثلة بإصلاح النظام السياسي ومكافحة الفساد ومعالجة أوضاع ملايين المحرومين وتعزيز سلطة الدولة على قوى ما دون الدولة، إلى منطقة ثانوية تتعلق بزج مصير البلاد في محرقة الصراع الأمريكي- الإيراني عبر المقامرة باتخاذ خطوات -هي مشروعة بحد ذاتها بشكل مجرد-، لكنها تعدّ كارثية عند أخذها ضمن السياق السياسي والأمني المعقد والخطير – المحلي والإقليمي والدولي- الذي يواجهه العراق اليوم.
فالحراك الاحتجاجي صار مخيّراً بين الاستمرار بمطالبه وخطابه الراديكالي، وهذا يعني تخوينه تلقائياً لكونه "غير مكترث" بقضية "السيادة" التي تبناها البرلمان شعبوياً بوصفها القضية "الأهم" اليوم، وبين التراجع والعودة إلى البيوت أو في أحسن الأحوال تخفيض سقف المطالب لكي لا يُتهم بالعمالة وقلة الوطنية. وبذلك يجري اغتيال العنفوان الاحتجاجي، وإغراقه بمشاعر الشك والذنب وقلة الحيلة.
الثورة المضادة بشقيها الكوزموبولتي (الأمريكي) والمحلي (الإسلاموي)، ستستمر -ضمنياً أو قصدياً- في ممارسة نشاطها المضاد لمسارات الاحتقان الاجتماعي السياسي المتعاظم. وإذا ما نجحت بنسبة معينة أو في لحظات معينة في خنق الغضب الأخلاقي للناس وتحويله إلى يأس، بحكم استثمارها السيكولوجي للأحداث، فإن التراكمات النفسية لأسباب الاحتجاج الثوري ضمن دينامياتها السياسية والاقتصادية والثقافية المتشعبة، تبقى قادرة دوماً على إعادة إنتاج الصراع بصيغ مفاجئة لا يمكن حسابها سلفاً من أي طرف، بافتراض أن "المفاجأة" (مثلما هو دافع الأمل) هي نتيجة موضوعية لقدح التراكمات وتحويلها إلى تطور نوعي تاريخي جديد.