الطرف الرابع : قُصر نظر .. طبقة لن تُفلت من العقاب

Monday 3rd of February 2020 10:21:33 PM ,

الحريات اولا ,

 بقلم متظاهر
في خطوة تفتقر إلى دراية بما يتهدد البلاد من مخاطر واحتمالات، أعادت كتلتا "الفتح" و"سائرون" ترشيح شخصية "جدلية" لقيادة مرحلة انتقالية في غاية التعقيد.

ودون خوضٍ في مدى صلاحية الدكتور محمد علاوي للإيفاء بشروط ومتطلبات المهمة المناطة به، فإن العمى السياسي أوهم البعض ممن تطوّع للخروج من الأزمة المتفاقمة بوسائل وآليات المنظومة القائمة المتهالكة ذاتها، دون أي اعتبار للعواقب الوخيمة، ولو بالحدود الدنيا، وإن اتخذ ذلك الجوانب الشكلية.
وجاءت هذه الخطوة المرفوضة من الشارع المنتفض، دون مراعاة لـ"مخرجات الدستور" ولا مراعاة للتوافق مع التركيبة الهشّة للعملية السياسية المبنية على المحاصصة والتشارك أو التشاور مع "أطراف شيعية" تُشكّل قوام "البيت الشيعي"، المسنود والمُتبنى إيرانياً.
وأول ما يجسده هذا الموقف، هو الاستخفاف واللامبالاة بآلاف الشهداء والمصابين والمعاقين والمعتقلين والمعذبين، وقدرة المتشبثين بالسلطة على استغفال ذاكرة العراقيين، وتسجيل الجريمة على طرف ثالث مجهول!
ولتبيان مدى استهتار الطبقة السياسية الحاكمة، وغيّها وتغوّلها واستهتارها بمصائر العراقيين ووطنهم المُغتصب، فإنها تعبر عن "احتقارها" لإرادة ناخبيها ومن تدّعي أنها تستند في شرعيتها على تمثيلهم. وتتغافل عن حقيقة أن من تُزوّر إرادتهم بادعائها هذا، يشكلون الركيزة الأوسع للحركة الاحتجاجية ضد منظومتهم وفسادهم والخراب الذي حل بالبلاد، والتي تحولت بفعل حماقة السلطة واستهتارها إلى انتفاضة صارت ضمير العراقيين وأيقونتهم.
إنهم بغيّهم ونكرانهم، يتناسون أن "تمثيلهم" في هذه الحواضن، حيث الغالبية المطلقة، وفقاً لمنظورهم الطائفي، من الشيعة، أعلنوا في أوضح رسالة سياسية من خلال الانتخابات المزيفة الأخيرة، بحماية سلاح الميليشيات "الوقحة" و"الرحمانية" و "قوات الدمج" في الدولة العميقة، مقاطعتهم لها، استنكافاً، وإيذاناً بسحب الشرعية عنهم، بوسائل صادمة إذا لم يرضخوا لإرادتهم ويستجيبوا لتطلعاتهم ومطالبهم الإصلاحية.
وقد جاءت الخطوة الصادمة في المظاهرات السلمية التي اندلعت في ذات الحواضن، في الأول من أكتوبر الفائت، وهي ترفع شعارات مطلبية إصلاحية، مُعبّرة عن فقدان الصبر، وتراجع الأمل من جدوى الاستكانة، بانتظار الفرج من طبقة أثقل ضميرها النهب وإشاعة الفساد والتعدي على الكرامات.
وبدلاً من الاحتكام لمنطق مصالحها، ومسايرتها لتلك المطالب "المشروعة" حسب تصريحات الحكومة وكل رموز السلطة، واجهتها بالقمع، منذ البداية، لتتصاعد وتيرة المواجهة بالرصاص الحي، الى جانب وعود تُشبه الزبد وألاعيب الخديعة.
ولأنها صنيعة غرباء لا يأخذون بالحسبان إرادة شعبٍ مُبتلى ووطن مغتصب، لم ترتدع الطبقة المتهالكة، ولم يحتكم رموزها والقيّمون على قراراتها لغير مصالحها، مهما انطوت الاوضاع المتردية المأزومة المُعاشة على تداعياتٍ ومخاطر وانزلاق بالبلاد الى منحدرٍ لا قاع له ولا مستقر. فجاءت الخطوة الأخيرة بتكليف علاوي، من قبل الفتح وسائرون لتتلازم مع نزول طرف رابع إلى ساحات الاعتصام بالهراوات والعصي وهماً بتفكيك الانتفاضة وكسر شوكة المنتفضين.
وبهذا التكليف المُخُتل، خسرت الطبقة المتنفذة، آخر احتياطاتها الشعبوية، ليبقى رهانها على اعتماد السلاح والتصفيات الجسدية وإشاعة الخوف، متوهمة بأنها بوابة الرجاء لخيبتها ونهاية صلاحيتها.
قد تنسى "الفتح" أن كل تجارب الدول والأنظمة، وحولها وعلى مرمى عصا منها، سوريا وفلسطين ومصر والسودان وتونس وليبيا، لم تنفعها ما تعتمده من وسائل وأدوات. ومن الممكن أن نغفر لها هذا النسيان، ولكن لماذا تتناسى مصير نظامٍ قيل إنه الأعتى، شهدت نهايته بنفسها.!
وليس لـ"سائرون" عُذر النسيان، فقد كانت قبل أيام ترفع معاصي الرفض المطلق لمن تتحالف معهم اليوم، وتبنت شعار "نازل آخذ حقي" فكيف تنزل
بـ "قبعاتها الزرق" بهراواتها وأسلحتها الجارحة لتنوب عن الميليشيات الوقحة بفض الاعتصامات ومحاولة إجهاض الانتفاضة؟.
هل في ما يجري اليوم، من تكليفٍ بغض النظر عن المكلف، وقمعٍ علني من طرف رابع ليس مجهول الهوية، إيذانٌ بنهاية حقبة سياسية لن يكون الخاسر فيها الشعب المنتفض، بل طبقة لم تترك لنفسها فائضاً من وسيلة، أو مساحة للتنازل والتراجع، سبيلاً لما يمكن أن يبقي لها موضع قدمٍ في الانتخابات القادمة، أو منصة لمصالحة مجتمعية تكون طرفاً فيه؟
مدن الثورة - بغداد والناصرية والبصرة وكربلاء والنجف والحلة والديوانية والعمارة وواسط والسماوة وديالى عمدتها دماء شهداء جيلٍ متوثبٍ لمستقبل من صناعته، لن يقبل الانكسار، وحتى في ضوء تعدد وجهات النظر داخل صفوف الثورة حول كيفية التعامل مع معضلة رئيس الوزراء الجدلي، بين رفض نهائي له أو انتظار مؤقت ريثما تتضح مواقفه الفعلية لا أقواله، فإن هذه الثورة سوف تزداد تتأججاً وتوهجاً واستنهاضا لقوىً كامنة، تُدرك انها ستخسر كل شيء إذا وهنت عزيمتها، وانطفأت شعلتها.