في ذكرى رحيله في 25 تشرين الثاني 1956..لقاء مع الشيخ محمد رضا الشبيبي

Sunday 29th of November 2020 07:38:53 PM ,
4821 (ذاكرة عراقية)
ذاكرة عراقية ,

كاظم الخلف

اعلن عن وظائف في وزارة الخارجية فتقدمت الى الامتحان وكانت الوظيفة عنوانها ملحق ثالث وهي ادنى وظيفة في السلك العراقي الخارجي حينذاك وكان التدرج في السلك الخارجي كما هو معروف تدرجاً طويلاً أي ان يقضي الموظف ثلاث سنوات ملحقاً ثالثاً ثم ثلاث سنوات ملحقاً ثانياً ثم ثلاث سنوات ملحقاً اول ثم ثلاث سنوات سكرتيراً ثالثاً ثم ثلاث سنوات سكرتيرا ثانيا ثم سكرتيرا اولا

ثم مستشارا ثم وزيراً مفوضاً ثم سفيراً ولذلك كنت اريد ان اُعين في الدرجة الدنيا التي كان يتم التعيين فيها آنذاك ولما ذهبت رأيت ان عدداً كبيراً من الاخوان قد تقدموا لهذه الوظائف التي كان عددها ست وظائف وكان الوزير حينذاك قد طلب ان يقابل كل الذين تقدموا للامتحان لكي يراهم ويقابلهم ويتحدث معهم قبل ان يدخلوا الامتحان فجاء دوري في مقابلة السيد الوزير وعندما ذهبت الى السيد الوزير وقابلته وسألني عن اسمي الكامل وعائلتي ومقري واهلي وذكرت له كل ذلك فقال لي: هل انت موظف؟ قلت:

انا مدرس في ثانوية التجارة. فقال لي: اذاً لا مجال لتعيينك في هذه الوزارة لاننا لا نعين موظفاً، فالموظف يجب ان يذهب الى وظيفته. فقلت له: هل ذكرت ذلك للشخص الذي قابلك قبلي وكان معي مدرساً في الثانوية وكان فيصل الدملوجي فقال لا تناقشني واذهب الى عملك فوراً. فخرجت لكنني ذهبت الى الاستاذ المرحوم الشيخ محمد رضا الشبيبي وكان حينذاك رئيساً لمجلس النواب وكان مجلس النواب قريباً من وزارة الخارجية في باب المعظم واتذكر انني سألت عمن كان معه في الغرفة فقيل المرحوم حسين النقيب والد الدكتور علي النقيب وصالح مهدي شكارة وكان ايضاً نائباً كما كان السيد النقيب وعندما دخلت عند الشبيبي وقدمت له نفسي قال: ماذا تريد وما هو طلبك؟ هل استطيع ان اساعدك فقلت: نعم، كنت عند وزير الخارجية فطردني، قال: لماذا؟ فذكرت له القضية كاملة (القصة كاملة) فرفع آلة التليفون وتحدث الى وزير الخارجية آنذاك وكان السيد أرشد العمري وتحدث عني وعن اهلي وعائلتي وعملي، فوافق آنذاك الوزير ان اعود وامتحن مع الاخرين ودخلت الامتحان وكان معي عشرون طالباً تقريباً لغرض الوظيفة الا ان الامر صدر بستة من هؤلاء العشرين على انهم هم الذين نجحوا في الامتحان وكان منهم على ما اتذكر عدنان الباججي وواصف عبد المحسن السعدون وعلي صائب ومحمد ابراهيم ادهم واخرين لا اذكر اسماءهم الان.

اما لماذا فعل الشبيبي معي ما فعل فلأنه كان يعرف عائلتي ولانه كانت لي معه حادثة لطيفة ارى ان احدثكم عنها وخلاصتها اني عندما ذكرت له القصة وذكرت له اسمي قال لي انا اعرفك واتذكرك وسبب تذكره لي ما يلي: عندما كنت في الجامعة كنت انشر بعض الاشعار واكتب بعض الاحاديث في الصحف وكان مما كتبته يوماً حديثاً في احدى الجرائد عن شعر الاستاذ الشيخ المرحوم محمد رضا الشبيبي وكان مما ذكرته عنه حينذاك انه ايضاً نظم في الغزل حاله كحال الاساتذة الكبار والشعراء الكبار الاخرين، اذ ان الغزل هو اساس الشعر في رأي بدليل ان الشعراء القدامى كانوا حتى في قصائدهم الاخوانية والرثائية وغيرها كانوا يبدؤونها بالغزل، اما الشعراء المحدثون الكبار فكان منهم مثلاً محمد سعيد الحبوبي العالم الكبير والفقيه المشهور والثائر المعروف وكانت قصائده في الغزل معروفة بحيث انها تغنى في المقامات العراقية وغيرها وكذلك الشيخ محمد رضا الشبيبي اقول هذا لانني عندما ذكرت ان الشبيبي ايضاً كان من شعراء الغزل ذكرت قصيدة له يقول في احد ابياتها:

الاّ وقد علقت يمناي بالبابِ

وطالما صرت في نهجٍ فلم 

ففسرت البيت على ان الشاعر ما كان في طريق الا ووجد نفسه على باب الحبيب وكنت حينذاك ساكناً في فندق الاعيان في الحيدرخانة واذا في الصباح الباكر يُقال لي بان الشيخ محمد رضا الشبيبي يريد ان يتحدث اليك في التليفون فتحدث اليّ الشيخ محمد رضا الشبيبي وانا طالب في الصف الثاني او الثالث في الجامعة الامريكية في بيروت وكان متواضعاً ولطيفاً جداً قال لي: ابني كاظم لم اقصد ما فسرته في ذلك البيت بانني ذهبت الى الحبيب وان ما قصدته في البيت الذي يقول:

الاّ وقد علقت يمناي بالبـابِ

وطالما صرت في نهجٍ فلم ارني

انني كنت افكر واتخيل فلم ارني وانا في خيالي وتخيلي الا وانا في باب بيتي لاستقبل الحبيب ولم يكن هنالك لا حبيب ولا طريق ولا درب وهذه كما تعلم وستعلم طريقة الشعراء والشعر سحر وخيال وقيل في الشعر كما تعلم ان اكذبه اعذبه وهذه القصة التي حدثت لي مع الشيخ الشبيبي تذكرها كما يبدو لي عندما راجعته ليتوسط لي لادخل الامتحان، امتحان الخارجية وكانت ويجب ان اقولها بصراحة هي المرة الوحيدة التي استعنت بها في الواسطة طيلة خدمتي الخارجية، فقد كانت ترفيعاتي وتعييناتي وانتداباتي كلها اما مصادفة او تقييماً او تقديراً من السمؤولين .

عن كتاب

( مذكرات كاظم الخلف .. دبلوماسي عراقي )