ناظم نعيم

Wednesday 24th of February 2021 09:08:12 PM ,
4882 (عراقيون)
عراقيون ,

علي حسين

لم يكن ناظم نعيم يُدرك أنه لن يستطيع معاتبة وطنه الذي أدار له ظهره وهو يقدم لفؤاد سالم أغنية «أعاتب والعتب سكتة»، فالرجل الذي أصر على أن يشيع الفرح والبهجة في أغنياته ، وكان يتصيد حكايات الحب مع رفيق رحلته ناظم الغزالي وهم يغنون «طالعة من بيت أبوها» و»أحبك وأحب كلمن يحبك» ونشيد العراق الشعبي «فوك النخل» و»يم العيون السود» و»مروا علي الحلوين»،

أن حكايته ستنتهي على سرير أحد دور المسنين في أميركا، ومثلما نتأمل في أفراح ومسرات وذكريات الأغنيات التي لحنها، نتذكر هذا الصبي الذي ولد في بغداد وعاش في هذه المدينة التي كانت تحتل شوارعها المضاءة اسماء ملوك وشعراء، وفيها أنشأ تاجر مسيحي أشهر المحال «حسو أخوان» وافتتح مسيحي آخر أشهر ستوديو للصور «أرشاك»، وفي شارع الرشيد ينشئ مسيحي آخر أشهر فندق «دجلة بلاس»، في هذه المدينة التي تتطلع إلى المستقبل بعيون مفتوحة علقت الشواهد على شوارعها الرئيسة، الملك فيصل، المتنبي، أبو نواس، ، ابن سينا. تلك، كانت بغداد في الاربعينيات . والقادمون يأتون من قريب ومن بعيد، يغنون، ويعشقون، ويحلمون بيوم يصبحون فيه أبطالًا، قادرين على العيش برفاهية. سيحلم ناظم نعيم مثل أستاذه صالح الكويتي بعراق هادئ، أنيق، طافح بالأمل. ولم يكن يدري أنّ بغداد ستدير ظهرها له في أواخر حياته، ليعيش ما تبقى له من العمر غريبًا ومريضًا، في الوقت الذي نجد خيل السياسة يترافسون فيما بينهم من أجل الكراسي.

ناظم نعيم كان مغرمًا بما يلحن ويدندن، يعتقد أن اللحن والقصيدة سيصنعان بلدًا يكون ملكًا للجميع، و مجتمعًا آمنًا لا تقيد حركته خطب وشعارات ثورية، ولا يحرس استقراره ساسة يسرقونه كل يوم ، عاش أسير أحلامه، متنقلًا في الألحان، لينتهي غريبًا يئن على بلاد تُنكر أبناءها لأنهم لا يمارسون الخديعة، ولا يحملون صور ساسة الصدفة .

لم يكن ناظم نعيم يُدرك أنه سيوحد العراقيين في أغنيته «فوك النخل» وأن عيونهم ستدمع كلما يسمعون ناظم الغزالي يقول: «مدري لمع خده يابه مدري لمع فوق» .

نكتب عن الماضي ونتأسى عليه ، لان الجديد الذي نعيشه باهت ، بلا لون ولا طعم ، ونبحث عن الذين صنعوا لنا الفرح ، لان الذين نعيش معهم اليوم لا يجلبون لنا سوى الهم والغم . ونتمنى ان نُصبح دولة سوية تكرم الذين يستحقون التكريم ، ولا تنشغل بالبحث عن منصب لحنان الفتلاوي .

مات ناظم نعيم بعد ان اثقلت حياته الغربة والاحزان، اختبأ وراء جدران الغربة ، لكن اغنياته ظلت تطل علينا توزع الفرح والامل وتحيي الشجن في القلوب التي تريد لهذا الوطن ان يبقى « فوق النخل « دائما.