250 عاماً مع بيتهوفن

Tuesday 16th of March 2021 09:29:02 PM ,
4899 (منارات)
منارات ,

علي حسين

احتفلت اوربا باجمعها واختلاف انظمتها السياسية واعراقها وبرغم جائحة كورونا ، بمناسبة مرور قرنين ونصف على ميلاد عبقري الموسيقى لودفيغ فان بيتهوفن. كانت حكاية بتهوفن من اوائل الحكايات التي صدمتني في حياتي ، عندما كنت صبيا صغيرا ،

اجمع سلسلة من الكتب الملونة بعنوان " الناجحون " ، الفنان الذي يصاب بالصمم ، ولا يستطيع سماع الانغام التي تخرج من بين اصابعه ، وقد ارتبطت علاقتي بالموسيقى من خلال الكتب ، فبعد ان تعرفت على حياة بيتهوفن من خلال كتاب " الناحجون " ، وجدت أن كاتبي المفضل عباس محمود العقاد يهتم بالموسيقى ويفرد فصلاً ممتعا عن بيتهوفن في كتابه " ساعات بين الكتب " ، وفي كتاب العقاد قرأات للمرة الاولى ما هو معنى الموسيقى ؟ ، حيث يطرح العقاد سؤالاً : ما الموسيقى ؟

واقرأ في هامش المقال انه كتب عام 1926 ، وفيه يؤكد العقاد على الترابط الوثيق بين الموسيقى والرياضيات ، وهو الرأي الذي سيؤكده فيما بعد الفيلسوف فؤاد زكريا في كتابه الصغير الممتع " مع الموسيقى " والذي صدر في السبعينيات عن سلسلة اقرأ ، بعدها سيكون الراديو وسيلتي حيث كنت انفرد بهذا الجهاز العجيب لاستمع الى برنامج عن الموسيقى العالمية تقدمه محطة البي بي سي ، وتشاء الصدف أن استمع إلى مسلسل اذاعي لا ازال اتذكر احداثه بعنوان "الموسيقار الاصم " لا اتذكر كاتب المسلسل لكني اتذكر صوت شكري سرحان ، ومديحة يسري ومحمود المليجي ، وهم آنذاك كانوا نجوم افلام الابيض والاسود ، وكنت وأنا استمع الى صوت شكري سرحان يؤدي شخصية بيتهوفن اتخيل الموسيقار الألماني مثلما وصفه العقاد في مقالته :" عامر البنية عريض الألواح، يبلغ في الطول خمسة أقدام وخمسة قراريط وتبدو عليه سيماء أهل الصراع والجلاد، ولكن كان قليل العناية بطعامه مشغولًا بفنه، وكانت تمضي عليه الأيام لا يتبلغ إلا بما يقيم أوده على عجل وقلة صبر، وربما دخل المطعم ليأكل فينسى نفسه وينهض للحساب وما أكل شيئًا! فأورثه هذا التهاون بضرورات الجسد داء في الأحشاء كان أقوى الأدواء التي عملت بالخراب السريع في تلك البنية العامرة، وذلك الجسد المتين، وزادت عليه عادة تعودها في استنزال وحيه واستجاشة نفسه تدل على طبيعة الرجل وغرابة منهجه في فنه، فقد كان بعض الموسيقيين يستوحون الأنغام بالخمر، وبعضهم يستوحونها بالرياضة واللعب، وآخرون يستحثون قرائحهم بمنادمة النساء أو بالحركة في الخلاء، أو بالجلوس في الرياض، أما بيتهوفن فقد كانت أحفل أوقاته بالإجادة والارتفاع والتحليق هي تلك التي يبرز فيها للعاصفة تضرب رأسه المكشوف، وللرعد يدوي على سمعه، والبرق يخطف بصره بوميضه، فإذا أعوزته هذه الغضبة التي لا تغضبها الطبيعة كل يوم خرج إلى الغابات " ، كان مقال العقاد يشير الى قرب ذكرى مئة عام على فاة بيتهوفن – توفي الموسيقار الألماني عام 1827 – وفيه يكتب العقاد :" كان بيتهوفن فنانًا عظيمًا ونفسًا عظيمة، فأما الفنان فجملة ما يقال فيه إنه شكسبير الموسيقى كما قال فاجنر يوم ذكرى مولده، وليس من شأننا أن نخوض في الكلام عليه من هذه الناحية؛ لأنها الناحية التي نجهل دقائقها وأوجه الحكم فيها، وإنما نتكلم عليه من ناحية نفسه التي علم الناس عنها بعد موته، وكتبوا في أطوارها وبداوتها فوق ما علموا وكتبوا عن جميع عظماء عصره، فكان خلاصة ما قيل في هذه النفس الطيبة الشقية إنها نفس بائس عظيم " ..هكذا يحاول العقاد ان يقدم دراسة نفسية عن بيتهوفن ، مثلما حاول ان يدرس شخصية ابونواس في كتاب كان احد فصوله بعنوان " الجنس والنفس " ويخبرنا العقاد في كتابه الممتع " في بيتي " انه شغف بفرويد ودراساته عن الجنس والأحلام ، وانه قرأه بالانكليزية ، وأن احد رفوف مكتبته يضم معظم مؤلفات فرويد قبل ان تترجم الى العربية :" ودع هذه الرفوف وانظر ناحية منها إلى الرف الذي يضم مؤلفات النمساوي سيجموند فرويد ، ثم الرف الذي يليه ولعله أعجب وأبعد في المقاربة — أو في المباعدة — بين الجيران والخلطاء، فهذا سفر عن بيتهوفن، تجاوره موسوعة عن الموسيقى " ، بعد ذلك ساجد كنزا كبيرا انه كتاب بعنوان " بيتهوفن " لمؤلفه حسين فوزي ، ولمن لايعرف صاحب الاسم أقول ، انه كان ظاهرة في الثقافة العربية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي . وقد اشتهر باسم السندباد المصري ، لانه وضع كتابا عام 1938 بعنوان "سندباد عصري " ،وبعدها اصدر كتاباً بعنوان "سندباد إلى الغرب " أهداه إلي صديقه الدكتور طه حسين، ثم كتاب " سندباد في سياره" ، وكتاب "سندباد في رحلة الحياة " ، كتابه عن بيتهوفن اصدره عام 1970 بمناسبة مرور مئتي عام على ولادة بيتهوفن ، ويخبرنا انه امضى في تاليفه اكثر من خمسة عشر عاما ، ويذكر مؤرخو سيرة حسين فوزي ان الرجل كان قصير القامة، ذوا صوت خافت وذاكرة يقظة، عين اول عميد لكلية العلوم في مصر ، ورغم حصوله على شهادة الدكتوراه في علوم الاحياء ، كان يعشق الفنون والموسيقى ، حتى انه تفرغ لها واستخدم ثقافته المتنوعة في الادب والتشكيل والموسيقى ليقدمها الى القارئ ، ثم سياخذني حسين فوزي ليعرفني على اعلام الفن الموسيقي من خلال كتاب بعنوان " الموسيقى السيمفونية " ، وفي مقدمته يكتب :" شيء واحد صحبني منذ شبابي البكر حتى الآن هو الموسيقى ..والموسيقى عندي فضلا عن اهتمامي بها لذاتها ، فهي ايضا بمثابة النزهة بين عناء البحث والدرس العلمي .. ثم سوف اعثر على كتاب رومان رولان " حياة بيتهوفن " بترجمة سهيل ايوب ، وفيه يناقش الاديب والمفكر الفرنسي الحاصل على نوبل للاداب ملامح العبقرية الالمانية ، وستتحفنا دار الشؤون الثقافية في نهاية السبعينيات بواحد من اهم الكتب عن بيتهوفن بعنوان :" بيتهوفن: دراسة في تطوره الروحي " تاليف سوليفان.جي.دبليو وترجمة واحد من عشاق الموسيقى الغربية ودراويشها نجيب المانع والذي يكتب في المقدمة إن "موسيقى بيتهوفن، أكثر من أي مؤلف موسيقي آخر، تثير حتماً نوع الانعكاسات التي ترد في هذا الكتاب. إنّها وكما يقول إرنست نيومان، خصوصية مخيلة بيتهوفن التي ترفعنا مراراً وتكراراً من الموقع الذي نحن فيه. إنّها إعادة تقييم ليس فقط لكل اللموسيقى ولكن لكل الحياة، كل العاطفة وكل الأفكار " ، وفي رحلة البحث عن بيتهوفن في الكتب ساعثر على كنز دفين من خلال احد زبائن المكتبة التي كنت اعمل فيها ، وقدكان هذا الزبون مولعا بالموسيقى ينبهني إلى انه نشر منذ سنوات مجموعة من المقالات عن بتهوفن في مجلة الاديب اللبنانية ، وان هذه المقالات ستصدر عن سلسلة الموسوعة الصغيرة ،الزبون هو الروائي والقاص والمترجم غانم الدباغ صاحب النبرة الهامسة ، اما الكتاب الذي صدر بعد اشهر فكان بعنوان " نزعات انسانية في موسيقى بتهوفن " .

عندما بلغ العاشرة من عمره أفلس والده وأصبح انساناً فظاً عصبي المزاج ، وأمه التي كانت جميلة ذات يوم اكتأبت وانغلقت على نفسها ، كانت الأسرة غارقة في المشاكل ، الام ماريا انجليدا في الثالثة والعشرين من عمرها ، فقدت من قبل طفلين ، ثم وجدت نفسها حاملاً مرة آخرى من زوجها القاسي مدمن الخمر ، نصحتها احدى الممرضات بان تتخلص من الجنين ، فهو حتما سيموت عند ولادته ، وفكرت مع نفسها :" لماذا تريد إنجاب طفل لزوج قاسي ومفلس على الدوام " ، وأخيراً قررت أن تحتفظ بالجنين الذي أبصر النور في السابع عشر من كانون الثاني عام 1770 واطلق عليه اسم لودفيغ ، تيمناً باسم جده لودفيج فان بيتهوفن الذي كان يعمل مديرا لاحدى الفرق الموسيقية في بون وقد تأثر به كثيرا :" جدي الرائع الذي أشبهه كثيراً " ، بعد ذلك انجبت ماريا انجيلدا أربعة اخرين بقيّ منهم اثنان على قيد الحياة ، وبسبب متاعب الحياة عانت من امراض كثيرة لتتوفى بداء السل، وهي في الاربعين من عمرها ، ونجد الابن يصف أمه في احدى رسائله بانها كانت جميلة ذات قوام نحيف وعينين جادتين ، وستظل صورة أمه تلاحقه حتى مع النساء اللواتي تعرف عليهم في شبابه وقد أهدى لها فيما بعد سوناتة ضوء القمر :" انها حمم العاطفة ترتفع من حلق الجسد ، لحظة نحس فيها بان اشارة من امرأة هي كل ما تبقى لنا في الحياة " .كان البحث عن الحب والحنان مرتبطاً عند بيتهوفن بأحاسيس غريبة ، فهو شديد الإعجاب بأمه ، وقد هام وهو في الثالثة عشرة من عمره بفتاة تدعى " انجيليا " يصفها بهذه الكلمات : " كان لها وجهاً شبيها بوجه محبوبته الاولى ماريا – يقصد أمه – " .غير أن هذا الاعجاب لم يكن إلا البداية في طريق طويل من العواطف التي كانت تنتهي بالخسران ، اذ نجده يعود بعد كل تجربة حب فاشلة ، الى الانعزال ، فيما اسماء حبيباته وملهماته يتغير مع الزمن على دقات وقع قلبه ، غير أن نفس الفنان لاتنتقل من تجربة الى تجربة دون ان تحرك طاقته الابداعية ، حتى اننا نكتشف ان ارتباط مواهب بيتهوفن الموسيقية مرتبط بعواطفه وبنظرته الى مايجري حوله من أحداث ، ان أبتسامة امرأة تحرك مواهبه كما تحرك احاسيسه ، فقد كان في حاجة الى أن يعيش الحب حتى يبدع هو يعترف بصراحة الى شقيقه قائلا :" لم أعد في حاجة إلا الى امرأة بجانبي تحفزني حتى تنفجر ألحاني الموسيقية الرقيقة في روحي " ..

في فيينا التي قضى فيها سنوات من عمره ، تقبل عليه نساء الطبقة الارستقراطية اعجابا وتقديرا لموهبته ، لكنه يقع في غرام الواحدة بعد الاخرى ، لايلوي على شيء أكثر من الأمل بحب دائم ، لكن لا خلاص ولا حب ولا أمل ولا زواج ، فقد أحبت الطبقة الارستقراطية بيتهوفن الموسيقي البارع ، وليس بيتهوفن الذي لم يكن يتميزبالوسامة والثروة ، فقد كانت ملامحه وجهه تبدو قاسية ، لأنه حين يجلس إلى البيانو كان يتحدث بلغة جديدة يمتزج فيها الشعر بالانغام ويكتب في رسالة الى موزارت :" كل من يفهمون موسيقاي يرتفعون عن الدناءات التي يعممها البشر " ، في يومياته يكتب بيتهوفن حول قراره بعدم الزواج:" الخضوع ، الخضوع المطلق لقدرك ، هذا هو وحده القادر على ان يهبك التضحية ، لا يمكنني ان أسير في الطريق نحو العبودية ، ان عليك ان تُخضع كل شيء لإرادتك ، وابق على الدوام ملازما لفكرتك ، لاتحيد عنها " ونجده عام 1812 يكتب لشقيقه :" ما اشد الاختلاف حين اقارن ذلك بحياة غير مدروسة طالما تُثار بخيالي ، آهٍ أيتها الاوضاع المخيفة التي لاتكبت شعوري وهاجسي تجاه الحياة البيتية ، ولكن تنفيذها ياالهي أمر صعب " .

في عام 1809 كان بيتهوفن قد دُعي الى مدينة كاسل للعمل في القصر الملكي بمرتب سنوي كبير ، وكان على وشك القبول حينما طلب اليه أحد امراء فيينا الامير كينسكي بالبقاء في المدينة مقابل راتب سنوي لم يكن يحلم به وقدره أربعة آلاف فلورين ، هذا الراتب ومعه الايرادت التي تصل اليه من مؤلفاته الموسيقية جعلته يتأمل من جديد بفكرة الزواج ، ويكتب الى شقيقه إن فكرة الزواج هي ما يتوق اليه أكثر من توقه للاتصال والاتحاد بامرأة فريدة لايمكن استبدالها ، ورغم أن الزواج من غير حب كان أمراً مستحيلا لدى بيتهوفن ، إلا أن موقفه من الحب كان رومانتيكياً في جوهره ، فقد كان يرى في كل وجه جميل عقل نبيل ، وفي المجتمع الارستقراطي الذي عاش فيه كان الجمال النسوي من الامور المعتادة ، ولهذا نجده يعيش في اضطراب عاطفي متواصل .كانت قدرته الابداعية في تزايد ، وقد وجد طريقا في الحياة على الرغم من إصابته بالصمم ، ولأول مرة بعد أن أمن وضعه المالي أخذ يشعر بانه قادر على أن يدع عواطفه تسير على هواها وبحريتها ، في تلك الظروف يكتب الى شقيقه :" قبل بضع سنوات انتهت حياتي الهادئة المنعزلة وقد اجتذبت رغم عني الى نشاطات في العالم ، ومع ذلك فانني استطيع ان أكون سعيدا ، بل أسعد الناس لو ان العفريت لم يأخذ مني سمعي ، ولو انني التقي بامرأة تفهم طبيعتي وتقدر عواطفي " .

في كانون الاول عام 1826 اصيب بيتهوفن بالتهاب رئوي لم يمهله طويلا وبعد ايام وجده الطبيب منزعجا وجسده اصفر بالكامل على نحو غير طبيعي ، وقد كشف تشريح الجثة عن تلفٍ كبيرٍ في الكبد ، وفي 26 اذار من عام 1827 توفي بيتهوفن ، وبعد ثلاثة ايام سار موكب طويل وراء جثمانه .

من بين الاعمال الموسيقية العظيمة التي قدمها بيتهوفن يتوقف كتاب سيرته عند السيمفونية التاسعة التي كانت آخر سيمفونية يضعها ، يكتب حسين فوزي : "نحن لسنا في حاجة الى مقدمة كلامية في شرح السيمفونية التاسعة لبيتهوفن. فالعمل يقدم نفسه بأعجب ما بدأ به مؤلف موسيقي. وهذه السيمفونية تنتهي بأصوات الكورس الكبير ومعه رباعي من المنشدين يرفعون أكفهم بالضراعة الى الخلاق العظيم ان يشمل البشرية برحمته، وينزل على قلوب الناس الطمأنينة والسلام. وهذه السيمفونية الصاخبة، الهائلة في نهايتها، تبدأ هادئة، وبلحن لا يكاد يكون شيئاً مذكوراً. لحن يبدأ متسائلاً خفياً، وكأن بيتهوفن يبحث عن شيء لا يعرفه تماماً، او هو باحث عن نفسه". بدأ بيتهوفن بكتابة السيمفونية التاسعة عام 1817 ، في ذلك الوقت كان الصراع محتدما بين الطبقات المعدمة وطبقة الاقطاع ، وكانت البرجوازية الصغيرة في طريقها الى ان تعلن عن نفسها ، وكانت النخبة الثقافية في المانيا متأثرة جدا بالثورة الفرنسية ، وقد كتب شاعر المانيا الكبير"ة فريدريك شيللر" عام 1785 قصيدة بعنوان " الى الحرية " ، لكنه بسبب اوضاع بلاده غير الاسم إلى " دعوة الى الفرح " ، ويقول مؤرخو حياة بيتهوفن ان فكرة تلحين قصيدة شيللر كانت ترافقه منذ شبابه عندما قرأها للمرة الاولى وكان في الخامسة عشر من عمره ، وقد كتب الى شيللر يخبره ان " موسيقيا شابا يريد ان يلحن قصيدته العظيمة بيتا بيتا " ، عُدت السيمفونية التاسعة تتويجا لاعمال بيتهوفن ، ويعتقد ان سر نجاحها في تلك الحركة الكورالية بالذات التي انشدت قصيدة شيللر ، وكان فاغنر يقول ان قصيدة شيللر تفسر وتبرر كل ما جاء في السيمفونية التاسعة . انتهى بيتهوفن من تلحين السيمفونية التاسعة في شهر حزيران من عام 1823 وقد كان وقتها يعاني من اوجاع شديدة في عينيه واضطرابا في معدته . في السابع من نيسان عام 1824 على مسرح " الكارنتيه " في فينا ، تعزف السيمفونية التاسعة وق وقف بيتهوفن خلف الستار ينظر الى الاوركسترا والى الجمهورالذي غصت به القاعة ، لم يكن يسمع التصفيق الحاد ، فقد بلغت عاهة الصم عنده اقصاها .

عندما قدمت السيمفونية التاسعة كان قد مر على وفاة " يوهان كريستوف فريدريش فون شيللر " ثمانية عشر عام – توفي شيللر في التاسع من ايار عام 1805 - ، وبعد تشريح جثته وجد الاطباء ان الرئة " متهرئة ومهروسة وفي حالة اختلال تام ، وان القلب " بلا عضلات " وان الكليتين قد تحللتا ، الطبيب الخاص بصديقه يوهان غوته قال لشاعر المانيا الكبير :" في حالة هذه لا يسعنا إلا ان نعجب ، كيف استطاع هذا الرجل المسكين ان يعيش كل هذه الفترة " ، كان شيللر قد كتب ذات يوم " إن الروح هي التي تبني جسدا لها " ، وسيلتفت غوته الى الطبيب ليقول له :" من خلال فكره اللانهائي فقط يمكن ادراك كيف استطاع أن يعيش كل هذه الفترة " . يكتب جورج لوكاش في كتابه " الادب والفلسفة " – ترجمته الى العربية هنريت عبودي – ان نتيجة تشريح جثة شيللر تسمح لنا بقراءة التعريف الاول لمثالية شيللر : المثالية هي أن يستطيع الانسان بفعل الحماسة ، العيش لفترة اطول مما يسمح به الجسد ، وهو فوز عظيم لارادة مشرقة ونيرة

كانت الإرادة عند شيللر ترافق الحرية ، وقد اجاب على سؤال : اذا كانت إرادة حرة : لم لا تكون حرة تلك الإرادة حيث ينفتح في كل لحظة افق من الامكانيات المتاحة ، ولكنها امكانيات لا تنتفي ، ولهذا تكون الحرية زمنا مشروعا ، فالحرية الخلاقة تجلب للعالم اشياء ، لا تتوفر من دونها ." .

يكتب فاغنر عن بيتهوفن :" اننا ننظر الى هذا الفنان كعلامة تاريخية تحدد عهدا جديدا .. فمن خلاله عاش العالم ظاهرة ،قلما يجود بها التاريخ "

ويذهب الفيلسوف وعالم الجمال الاميركي جورج سانتيانا الى ابعد من ذلك حين يكتب :" ان الله قد خلق العالم حتى يكتب بيتهوفن سيمفونيته التاسعة "