شريف حتاته : تركت المال لأتفرغ للكتابة

Tuesday 23rd of March 2021 09:09:05 PM ,
4905 (منارات)
منارات ,

صدرت النوافذ المفتوحة سيرة ذاتية للدكتور شريف حتاته في ثلاثة اجزاء لتكشف عن تاريخ طويل في حياة مصر، حيث قضى الكاتب عمراً مديداً في العمل السياسي، وتقلبت به امواج الحياة من حال الى حال,, انه الطبيب الشاب ابن الذوات والسجين المعارض، وايضاً الخبير في هيئة الامم المتحدة والمحاضر بجامعة ديوك بالولايات المتحدة الامركيية,.

ادوار كثيرة مارسها شريف حتاته طوعاً وقسراً، لكن الجانب الاهم في حياته انه روائي من الطراز الاول سبق وان اصدر الشبكة و الرئيسة وتأتي سيرته الذاتية لتؤكد على الجانب المبدع لصاحبها، ومن هنا كان الحوار معه حول ومضات في تاريخ رجل سياسي ومبدع ايضاً:

رجل مصري انجليزي

* تحمل في تكوينك نصفاً مصرياً ونصفاً انجليزياً, ما قصة هذا التكوين؟ وماهي علاقتك بالثقافتين العربية والانجليزية؟

ولدت في لندن عام 1923م لان ابي كان يدرس في جامعة كمبردج وتزوج آنذاك من فتاة انجليزية، وقداستخرجت لي شهادة ميلاد انجليزية لعدم وجود سفارة مصرية في هذا الوقت,, وعندما عدت صغيراً الى مصر لم استطع ان اتكلم العربية لولا جدتي العجوز ذات الشخصية والذكاء التي كانت تعلمني اللغة العربية بالحوار، تأتيني بطاجن اللبن وتقول لي هذا لبن,, او ذاك ارز,, الا ان تأثري باللغة الانجليزية استمر مع دراستي في مدارس الارسالية الانجليزية، حتى عندما حصلت على الثانوية العامة كنت احفظ كثيراًمن الشعر الانجليزي، وألم بالادب والتاريخ في بريطانيا، في حين نطقي بالعربية مكسر .

كما انني كنت احب الثقافة الانجليزية, ولم يتغير ادراكي الا بعد التحاقي بالجامعة، واكتشافي لحقيقة الاستعمار البغيض, لقد كرهت الانجليز كاحتلال وليس كبشر او ثقافة, وفي المقابل عملت دائماً على الارتباط الشديد بالثقافة العربية، خاصة ان العمل السياسي واحتكاكي بالاحياء الشعبية والفلاحين جعلني اتشرب الثقافة العربية بعمق، ربما يكون معجمي محدوداً بعض الشىء لكنني اجيد استخدامه بشكل ثري وسلس، وهذا ما اشار اليه احد اعضاء مجمع اللغة الدكتور الطاهر مكي في مقال عن سيرتي الذاتية التي صدرت مؤخراً.

من الطب الى السياسة

* بمناسبة صدور سيرتك الذاتية الهامة في ثلاثة اجزاء,, نريد ان نبدأ معك منذ اختيارك لدراسة الطب وعملك كطبيب لفترة قصيرة, ثم تحولك للكتابة؟

كنت متقدماً في الدراسة وبالتالي اهلني مجموعي للالتحاق بكلية الطب، خاصة ان نظرة المجتمع الى الطبيب او دارس الطب بأنه سيحظى بمستقبل مرموق!!

وتلك كانت رغبة الاسرة لدي, واذكر انني دخلتها بحس رومانسي وتوهمت انني سأكون طبيباً كالذي يظهر في الافلام العربية يعالج الفقراء والمساكين,, ،من هنا احببت الدراسة وكنت متفوقاً بل اول دفعتي خلال اعوام الدراسة، والثاني عند التخرج,, مما يؤكد المستقبل الزاهر الذي ينتظرني,, وبالفعل مارست العمل كطبيب في القصر العيني ثلاث سنوات كامتياز ونائب,.

* في تلك الفترة حدث لك كشاب تحول خطير جعل ابن الاسرة الاقطاعية والطبيب الشاب يقلب حياته رأساً على عقب,, ما ابعاد هذه التحول؟

الحقيقة انني خلال الدراسة رأيت الوطن يرزح تحت نير الاحتلال ويعج بمظاهرات عام 46 ووجدتني جزءاً من هذا الصخب السياسي,, وكانت الشرارة التي ومضت بداخلي وجعلتني اعيد اكتشاف ذاتي,, ادركت ان الناس ليسوا مرضى لافتقاد الصحة ولكن بسبب الفقر الذي يجعلهم لا يتغذون تغذية سليمة او يضطرون لاعمال على حساب صحتهم,, والفقر بالتبعية مرتبط بالاستعمار,, هذا ادى الى تغير الوعي حيث بدأت ادرك العلاقات بين الأشياء على نحو مختلف,, عكس ما ندرسه في كلية الطب التي تجزىء هذا الوعي، وتجعل كل طبيب ينظر نظرة ضيقة من خلال تخصصه فحسب، من هنا لا نتعلم الطب كعلم حقيقي ينظر الى الجسد ككل، بما في ذلك المشاعر والاحاسيس ولاشك ان الدراسة منحتني حداً ادنى من التكوين المعرفي بالانسان جسماً وعقلاً، الا انني شعرت انها تجربة فقيرة تشوبها عيوب كثيرة ونما بداخلي شعور بعدم الرضا اكثر عندما اصبحت طبيباً فشعرت انها مهنة تقيم طوقاً وحاجزاً بيني وبين الناس البسطاء، ناهيك عن كون امي انجليزية وابي من اسرة ثرية كل هذا جعلني اتيقن ان هناك قيوداً تعزلني عن المجتمع الذي احيا بداخله وهنا قررت ان غير اتجاهي تماماً، خاصة وان لي نشاطاً سابقاً مع اللجنة الوطنية للطلبة والعمال عام 1946م والتي كان ممثلة لجميع الاحزاب والتيارات السياسية آنذاك.

ابن الذوات يخرج من السجن

* بعد ان تجاوزت السبعين من العمر,, وبعد ان دفعت ثمناً باهظاً نتيجة انتمائك الى كرسي المعارضة,, كيف ترى تجربة السجن في هذا المشوار؟

الانتماء الى حركة التحرر الوطني المناوئة للاستعمار جعلتني ازور السجن لاول مرة عام 1949م ثم اخرج عنه لاعود مرة اخرى,, وفي عام 1950م عاد الوفد الى الحكم واستطعت الهروب من السجن بمساعدة صديق طبيب اسنان وبمساعدة ابي ايضاً,, كنت في القصر العيني للعلاج وعلي حراسة من ثلاثة جنود وضابط, ولانني عملت طبيباً في هذا المكان كنت اعرف دهاليز المستشفى عن ظهر قلب، وطلبت من صديقي طبيب الاسنان ان يساعدني على الهرب، وقلت في نفسي: لو ساعدني لا بأس، وان رفض فانه لن يبلغ عني,, وبعد تردد اتفقنا ان ينتظرنا امام المستشفى بعربته ثم يقلني الى مبنى روز اليوسف,, وهناك كان ابي ينتظرني بسيارة اخرى اقلتني الى بور سعيد ومنها الى باريس على مركب شحن,, حيث عشت هناك ما يزيد على سنة ونصف ثم عدت سراً بعد قيام ثورة يوليو لامارس العمل السياسي المعارض مرة اخرى في السر الى ان تم القبض عليّ وحكم علي بعشر سنوات اشغال.

* بعد خروجك عام 1963م ما الذي تقوله عن تلك المرحلة وكيف عدت الى ممارسة حياتك؟

الانسان في النهاية حصيلة تجاربه، والسجن جزء من تجربتي,, وارى ان الذي يندم هو من يشك في قناعته بما فعل سلفاً، وهذا احساس لم يأتني ابداً، لان الحادثة التي لا تقتلني تجعلني اقوى، لذلك جعلني السجن اقول رأيي بصراحة ولا اهاب من المجهول,, ربما كانت تجربة الخروج منه اكثر قسوة على نفسي,, لقد دخلت السجن وخرجت منه عام 1963م لارى المجتمع قد تغير تغيراً كبيراً، والاصدقاء شقوا طريقهم ونجحوا، احسست انني كالسمكة التي لا تعرف السباحة في هذه المياه، رغم الرغبة في تعويض ما فات,, وفي تلك الفترة تعتري الانسان حالة ذبذبة قد تجعله يتصرف بطريقة تفقده احترامه لنفسه ولقناعاته,, لا ادري كيف نجوت من هذا,,ربما بسبب جدية امي لم استطع ان اكون فهلوياً لقد عدت للعمل في وزارة الصحة وخلال تسعة اعوام تبدل موقعي الوظيفي في تسعة اماكن لاني لم استطع ان اكون موظفاً مداهنا في يوم من الايام.

السجين الذي اصبح خبيراً

* من التجارب الهامة في مشوارك الحافل عملك كخبير للهجرة في منظمة العمل الدولية,, ماذا عن تلك التجربة واهم ملامحها؟

انتدبت في بداية السبعينيات كخبير لمنظمة العمل الدولية حيث عملت وسافرت الى الهند ونيبال واديس ابابا, واهم ملامح تلك التجربة انها جعلتني ادرك مدى ما تعانيه المجتمعات النامية من التدخل الاستعماري الطويل الذي اوقف تطورها السياسي والاجتماعي والثقافي,, وقد ساعد هذا التدخل على ايجاد انظمة موالية للقوة العالمية المتواجدة خارج تلك المجتمعات، وبالتالي يصبح الجزء الاكبر من المواد الخام والايدي العاملة والفكر والابداع يصب باتجاه الاستعمار الجديد وليس باتجاه المجتمعات النامية، بدليل ازدياد الفجوة حالياً بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات النامية,, وبدليل ما نراه من خلل في الميزان التجاري وما نلمسه من هجرة العقول المتفوقة الى الخارج ليستفيد منها الغرب، واحمد زويل على سبيل المثال يمثل تلك الظاهرة ,, اي انهم يستفيدون منا اكثر مما نستفيد نحن,, وحالياً يتم هذا الاستنزاف تحت ما يسمى الشركات متعددة الجنسيات.

* هذا الصراع بين الشمال والجنوب, أليس هناك حلول مطروحة لانهائه ولسد الفجوة الاقتصادية؟

هذه المشكلة لن تحل الا بالتوازن والعدالة بين جميع دول العالم، بجانب ان المجتمعات النامية لديها امراض مزمنة خاصة بها لابد ان تتخلص منها,, ونلاحظ قديماً أن الاستغلال كان يتم من قبل دولة ما تستغل عدداً من الدول كاستغلال انجلترا لمستعمراتها مثلاً، الان الاستغلال اصبح دولياً يشترك فيه رأسمال متعدد الجنسيات اي ان السلطة اصبحت دولية وبالتالي لابد ان تكون المقاومة ايضاً دولية وربما يظهر هذا في مؤتمر سياتل الذي شاركت فيه الف وخمسمائة منظمة,. ولابد في النهاية ان يعي الجميع سواء في العالم الاول او الثالث ان المخاطر التي تواجه البشرية تنذر الجميع بالمخاطر مثل تلوث البيئة او استنزاف موارد الطاقة,, وكلها مشاكل ذات صبغة عالمية تحتاج الى تنسيق على نفس المستوى,, ربما لا يستطيع الانسان ان يتنبأ ولكن المعارك المختلفة هي التي ستحدد مسار البشرية في القرن الجديد.

ويبقى الابداع في النهاية

* هناك جانب في حياتك,, ربما لا يعلمه الكثيرون,, اعني الجانب الابداعي,, فماذا عن معركتك مع الكتابة؟

بدأت الكتابة الابداعية بعد زواجي في الستينيات، وبتشجيع من زوجتي التي كنت احكي لها حكايات كثيرة فنصحتني بأن اكتبها,, وبدأت افكر في الكتابة بجدية كنت اعود من العمل في المساء واكتب يومياً بشكل منتظم ما يزيد على عام ونصف العام, وشعرت كأنني شخصان منفصلان,, احدهما يعمل براتبه والأخر يكتب ويعيش عالماً خيالياً من صنعه, الى ان رصدت تجربة السجن في رواية العين ذات الجفن المعدني , وظلت بحوزتي خمس سنوات الى ان نشرت في بيروت بعد ذلك انقطعت عن الكتابة مع انشغالي بالعمل في الامم المتحدة باستثناء بعض المذكرات والرحلات وظننت انها ستكون اول وآخر رواية!! خاصة مع المغريات المادية في العمل لدرجة انه عرض علي العمل في صندوق هيئة الامم المتحدة للسكان بآسيا بمبلغ مالي كبير لكنني رفضت وقررت العودة والتفرغ للكتابة,, لان الكتابة اهميتها في عالم يحاول الغاء قيمة الانسان، ومن خلالها استطيع ان ا كشف عما بداخلي وان اتواصل مع الآخرين, ربما هي تنفيس كي ارتاح,, ربما يدعني اليها كره القبح والظلم الذي اراه في الواقع فأحاول اعادة تشكيل الواقع بشكل جمالي على الورق.

مقاطع من حوار نشر في موقع الجزيرة نت