في كرادة مريم .. كانت ايام

Sunday 28th of March 2021 09:12:31 PM ,
4909 (ذاكرة عراقية)
ذاكرة عراقية ,

زاكي جمال الشوك

تمتد كرادة مريم على طول شاطئ دجلة الغربي بين موقع جسر الأحرار الحالي شمالاً حتى نهر الخر جنوباً. أما عرضها فمن شاطئ النهر حتى سكة حديد بغداد – البصرة. وكانت تحدها سابقاً (سدة المسعودي). وهذه السدة بنيت في العهد العثماني الأخير لحماية بغداد الغربية من فيضان نهر الفرات. وقد زالت من الوجود آخر بقايا هذه السدة منذ حوالي عشرين عاماً.

 

هذا خبر مفيد جداً يلقي ضوءاً على الحد الغربي للأرض المشتراة التي جاء ذكرها في الوثيقة، أعني طرق المسعودي. وقرأ صادق أيضاً: ومن هذا نعلم أن كرادة مريم تتبوأ منبسطاً فسيحاً من الطرف الجنوبي الغربي لمدينة بغداد. على أن الجزء الأعظم من هذه المساحة كان إما بوراً متروكاً وإما أرضاً مزروعة...

وقال: – يتضح من هذا أن أرض المسعودي هي الحدود الغربية لمدينة بغداد. وهي الحدود الغربية أيضاً لأرض أجدادنا. أما بشأن كرادة مريم فهي كانت أرضاً بوراً وبساتين مزروعة. والبساتين ربما كانت متأخرة. وسيهمنا أن نعلم متى زرعت هذه البساتين.

ثم جاءت مليحة بصينية مستطيلة الشكل، عليها استكانات الشاي، ووضعتها أمامنا ليتناول كل منا استكانه، بعد أن وضعت استكاناً أمام ابنتها سعاد. وعلق كريم قائلاً: تعلمون أن كلمة استكان روسية. لكنني لا أدري لماذا تكون الاستكانات عندنا صغيرة، وقد جرت العادة لأجل ذلك أن يقدم الشاي مرتين. وهو جهد لا معنى له لو جعلت الاستكانات أكبر.

– ألأن الشاي كان ثميناً عندما دخل العراق؟ قلت أنا.

– أنا افضل القهوة، قال كريم، لأنهم يشربونها في رومانيا أكثر من الشاي، ولأنهم يحرصون على أن تكون لها نكهة لذيذة عندما يعدونها. لكنني أحب الشاي العراقي، الذي يضاف إليه الهيل. في المغرب، وربما في كل بلدان شمال افريقيا يغلون الشاي مع النعنع. أنا أفضل الهيل.

ثم قال: – ولكل ثقافة شايها. الصينيون يشربون الشاي الأخضر بلا سكر. وهذا توفير هائل لدخلهم، فهم أمة عديد سكانها. ولا أدري كيف يشرب الهنود شايهم، لكنني أعلم أن للروس شايهم الخاص؛ وكذلك الانكليز. هل أتعبتك من الإصغاء إلى محاضرتي، محاسن؟

– كلا، أنا أحب أن أرتوي من أحاديثك.

ثم قرأ صادق: – هناك ضريح يقع في وسط المنطقة، وينسب إلى السيدة مريم بنت عمران والدة المسيح، ومنه استمدت كرادة مريم اسمها. والمرجح أن هذا القبر يعود إلى امرأة صالحة من نساء العهد العثماني اسمها مريم. وقد التبس الأمر على الناس فشاع بينهم أنها السيدة العذراء. وكان أهل الكرادة يقدسون ضريح مريم تبعاً لهذا الظن. واتخذوا من الأرض التابعة له مقبرة لأكبادهم.

وقبل أن يواصل صادق قراءته، قاطعه أخوه كريم قائلاً: – هذا يعقد المسألة علينا. من هي مريم هذه؟ وكيف دفنت هنا؟ لا أظن أن لنا صلة بهذه المرأة، فمن أين جاءت؟ هذا الموضوع يتطلب دراسة. فمن يفيدنا بهذا الصدد؟ المرشحون لتقديم معلومات حول هذا الموضوع لم يعودوا على قيد الحياة. أنا في ذهني أسماء، مثل مصطفى جواد، وأحمد سوسة، وفؤاد عباس، وجلال الحنفي، وهادي العلوي... نحن ندخل في متاهة بعد أخرى.

ثم سألنا صادق إن كنا نحب أن يقرأ لنا شيئاً عن الكسلة، فأكدنا رغبتنا في ذلك.

ثم قرأ صادق: – يقترن اسم كرادة مريم بالكسلة المشهورة، التي كان يحييها أهل بغداد. كان مقر ضريح مريم بنت عمران في الكرادة مزاراً لتسلية أهل بغداد في مناسبتي الكسلة من كل عام. كانوا يجتمعون حوله في الجمعة الأولى بعد عيد الفطر، والجمعة الأولى بعد عيد الأضحى. وهذه هي الكسلة... عندما يحين موعد الكسلة في كرادة مريم كان الناس يزحفون، منذ الصباح الباكر، نحو ضريح السيدة مريم من كل جهة من جهات بغداد، حتى تضيق بهم البساتين والحقول المحيطة بالضريح. ويأتي مع الناس الباعة المتجولون بأنماط من الأطعمة والمشتريات، وهواة الطرب ويكون يوماً مشهوداً يفوق في صخبه ومسراته أيام العيد. أما أصل الكسلة فمجهول...

وقلت أنا: – اللفظة تذكرنا بكلمة كسل. وبالتالي التكسل. ونحن لا نعلم متى بدأت الكسلة. لكنني أعتقد أنها انتهت في أثناء الحرب العالمية الثانية عندما عسكر الجيش البريطاني في أراضي كرادة مريم. هل تذكرونها؟

أجاب كريم فقط: – أنا أذكرها، وأذكر العربات التي تجرها الخيل التي كانت تكتظ بالنساء القادمات من الأحياء الأخرى. وكيف أن الرجال من أقاربنا كانوا ينعتوهن بأمهات كراع، لأن أذرعهن كانت مكشوفة.

ضحكت أنا ومليحة، وأكدت أنني كنت أسمع هذا النعت.

ثم قال صادق: – هل أقرأ المزيد عن كرادة مريم؟

– نعم، رجاءً، قلت أنا وكريم.

قرا صادق: ومن الأعمال الرئيسية لأهل الكرادة بيع الفجل. وكانوا يسمونه (أبو خوصة الذهب)، دلالة على الربح الوفير الذي يتحصل من بيعه... وليس في الكرادة حوانيت ولا عطارون بل كانوا يذهبون إلى أسواق الشواكة وعلاوي الحلة لشراء ما يحتاجونه. ثمة مواد كان أهل الكرادة يحصلون عليها مجاناً، وكانت عندهم في حكم المشاع. وهذه هي التمر، والدبس، واللبن، والتكي، والمخضرات، والفجل، والنبق، والحطب. وهو يبيعون هذه الأصناف للبغاغدة، ولا يتبايعون بها في منطقتهم... وكانوا إلى زمن قريب يتحرجون من شراء ثلاثة من هذه الأصناف المشاعة، وهي التمر، والتكي، والنبق، ويعتبرون الحصول عليها بطريق الشراء أمراً غير طبيعي...

– هذا لم يعد صحيحاً في أيامنا، قال كريم، أنا أتكلم عما عشته وشهدته منذ أيام الحرب العالمية الثانية. وفي كل الأحوال نحن كنا نسكن في الشمال من الكرادة، ولم نكن نعتبر من أهالي الكرادة. نحن كنا نعرف بلقبنا فقط. وكنا نشتري التكي من باعته الذين يجنونه من أشجار التوت المعمرة في الصدر. وكان باعته يعلنون عن بضاعته بالكلمات التالية، كما تعلمون: «بارد العنب، بارد».

– نعم، قلت أنا.

ثم قال كريم: – أما النبق فلا أذكر أنه كان يباع. لأنه كان ينمو في الكثير من بيوت وحدائق بغداد. تذكرون النبقة في ما يمكن أن يسمى حديقة في بيتنا، كانت تثمر نبقاً فاخراً.

ثم قلت أنا: – لكن أروع النبق ما كان يحصل عليه تلامذة مدرسة المنصور الابتدائية عندما يجدونه متساقطاً من أشجار النبق في الطرف الأخير من ساحة المدرسة، وكان أخي وليد يحمل إليّ حبات منه.

هذه أشياء افتقدناها بعد ذلك، بما في ذلك التوت المذهل في حلاوته وحبات ثمره. لكن ألذ شيء افتقدناه هو تمر السكْريات خلف بيت عمي عباس، التي أظنها يبست، أعني النخلات، حتى قبل استملاك الأرض لبناء فندق ميليا منصور.

– السكريات؟ أنت على حق. أنا لا أظن أن هناك تمراً في العالم ألذ من تمرها. صحيح أن جدي، الحاج أمين، جاء بفسائلها من الحجاز مع ليلوة وحسنة؟

– هذا ما سمعته أنا أيضاً، قلت له.

عن كتاب ( أوراق بغـدادية )

الصادر عن مؤسسة المدى