نص نادر..محاولة لتجارة الكتب في أوائل القرن الماضي

Sunday 9th of May 2021 09:42:48 PM ,
4940 (ذاكرة عراقية)
ذاكرة عراقية ,

الشيخ علي الشرقي

توجد في النجف كثير من الاثار الادبية الممتازة لو تعاطينا طبعها ونشرها لصادفت رواجا وعادت بارباح . وقد وجدت الفكرة صائبة ولكن لا بد من شركة مقاومة: « الاجتهاد في ايجاد المال لذلك العمل فعقدنا شركة عنوانها واحضرنا عدة دواوين وكتب قيمة ووزعنا العمل للقيام بما نرى طبعه .

فكان علي ورفيق لي القيام بطبع ديوان الطباطبائي احد شعراء النجف فاشتريناه من اهله ورتبناه وبعد تشذيبه عرضناه على صاحب مطبعة كان من معارفنا فقدر الكلفة بسبعين ليرة ذهبية وتعهد هو بتصريف ما قيمته عشرون ليرة ذهبية وطلب منا تقديم خمسين ليرة فقط ولكن انى للمفاليس ذلك المبلغ. وبعد تقليب وجوه الراي اهتدينا الى رفيق لنا يملك دويرة لسكناه وفاوضناه على رهن دويرته عند بعض النفعيين بخمسين ليرة لمدة سنة وخلال هذه المدة يتم الطبع ويعرض الديوان بالسوق فيدر بالخير العميم ونفك الرهن وخصصنا لذلك الرفيق حصة من الربح وكان الرفيق غاية في الاعسار فاغراه الحلم الذهبي وهش له ولكنه تردد خوفا على ان يفشل الحلم ويغلق الرهن على دويرته وبالغنا في اقناعه فقال اني اذهب لاستخير.

والخيرة نوع من الدعاء والرجاء الى الله ان يرشد الحائر عندما لم يجد من يستشيره والا فالاستشارة قبلها وهي قديمة الاستعمال كما وانها انواع عديدة والمقصود بها زحزحة المرء عن حيرته ولكن بعض الناس اخرجها عن موضعها وكان في مثل الوسواس لا يتحرك الا بخيرة ويعتقد ان للخيرة سرا من الاسرار ومن هؤلاء جار لنا كان من عادته ان يسمر خارج بيته كل ليلة وفي ليلة من ليالي الصيف القائض يعود من سهرته ويجد الاهل قد اخذوا مضاجعهم فارهين فوق سطح دارهم يستنشقون النسيم العذي ويناجون دراري السماء اللامعة ولما كان جارنا من اولئك الذين يتعاطون في الخيرة لكل شيء رجع الى مسبحته يستشيرها اينام على السطح فلا توافق اينام في السرداب فلا توافق ، وهو يزداد اعتقادا ان للخيرة سراً ولم يبق في البيت الا مرفق المطبخ وقد وافقت السبحة عليه فينام فيه وهناك نفق يخزن فيه الحطب وبينما هو يغط في نومه اذ تلسعه عقرب في قدمه ومن شدة جزعه يرفس باب النفق فيقع ساقطا فيه ويصيبه عود من الحطب فيقلع احدى عينيه ويعج بالصراخ فينتبه الاهل مذعورين ويفتشون عليه ولا يجدونه وعلى هدى صوته يقفون عليه ويملكهم العجب كيف جاء كيف اتفق له هذا فيخرج وهو يعالج و لكنه أعور. وصادف ان يصحب قافلة يتعرض لها الذعار من

البدو فيسلبونها والبدو يتشأمون من الاعور فيتركون صاحبنا ولا يتقدمون الى سلبه. وسرعان ما يأتي اهله فرحا قائلا سبحان الله هذا هو سر الخيرة التي اوجبت اعواري . ولما ذهب صاحبنا الآخر الى الخيرة قلت لرفيقي اخشى ان يكون يومنا مثل يوم جارنا في الامس وحينئذ يذهب سر الخيرة بعملنا كله ولكن سرعان ما كذب ظني وجاء الرجل مبشرا بموافقة الخيرة وبكل سرعة وضعنا الدار رهنا او بعناها بيع الوفاء لمدة سنة واحدة واذا لم نسدد البدل تصبح ملكا للمرتهن ودفعنا الدارهم الى صاحب المطبعة وكان محله في لبنان وبعد مرور شهرين أنجز طبع الديوان واستلمنا منه200 نسخة وكان المطبوع 1500 نسخة وبينما نحن مغمورين بالامال واذا بالدنيا تخور وتمور بالنبأ المزعج وهو اغتيال الارشيدوق ولي عهد النمسا وعلى الاثر اعلنت الحرب العامة الاولى واعلن العثمانيون النفير العام فارتج العراق وارتبكت اسواقه وتقطعت سبله واذا الديوان لا يساوي نقيرا ومرت أهلة السنة سراعا والامور تزداد سوءا وفي ذات يوم كان صاحب الدار الى جنبي وهو بحالة كاسفة اذ لم يبق من اجل الرهن الا شهر واحد نظرت اليه فامتلأت ضيما ولم اتمالك دون ان افر الى بيتي زاهقا ولم استطع النوم تلك الليلة وبقيت اتململ على حسك المضجع واهلي يعرفون ما بي فيشفقون علي ويصادف ان يكون وباء الجدري يومذاك منتشرا في النجف ولاخي طفل اصيب به وفي منتصف الليل تستيقظ امه وتريد اشعال السراج لتفقد حالة ابنها وتمد يدها الى الرف لاخذ علبة الثقاب ولكنها تضع يدها على عقرب هناك فتلسع كفها وتنشج وتولول من الالم ولكن بتكتم حتى لا تزعجني واحس بان شيئا قد حدث ولما استطلعت الخبر ايقظت طفلة لها وقلت اذهبي الى جارتنا لجلب ثقابة فذهبت الطفلة وكان للجارة ابن مجدور ايضا وقد ثقل مرضه ولما حسست الطفلة امه استيقظت مرعوبة وتعهدت طفلها واذا به قد مات فعجت صائحة نائحة وخافت الطفلة فرجعت الى بيتها راكضة في حلك الليل وكان في طريقها دهليز لدارنا لم تحسب المذعورة حسابه فعثرت وسقطت مكبوبة على وجهها وهي في رعب شديد واذا انا بين ملسوعة ومذعورة ونائحة.

وفي الصباح دخل علي الدار احد اقاربي قائلا ان السيد رضا الحكيم وهو من فقراء سدنة المشهد العلوي يطلب حضورك في داره لتقف على كومة اوراق قديمة هي بقية تركة علمية وأدبية لاهله الاولين عسى ان تستخرج منها كتابا فيستفيد هو بثمنه وتستفيد انت بالاطلاع عليه. فقلت اذهب للتسلية ووجدت السيد رضا في خربة يسميها دارا وفي الحال وضع بين يدي اكواما من الاوراق وكرارديس من الكتب المفسخة وعليها من الاوساخ اشياء واشياء.

فحصتها ساعات عديدة فاخرجت منها ثمانية كتب نفيسة جدا وقلت له هذا ما يمكنني ان استخرجه من هذه الاكوام فشكرني وعرض علي شراءها وسألت عن الثمن فقال كل كتاب بليرة ذهبية وكان لا يعرف شيئا عن نفاسة موضوعاتها ولا عن قيمتها العلمية والاثرية. فقلت واين يوجد هذا الثمن الباهظ وقد حلقت بالنقد عنقا فامتنع علي متظاهرا ولكني » مجيدي « مغرب انا ادفع عن كل كتاب .

تظاهرت ايضا بترك الكتب ونفضت يدي وخرجت فتبعني ابنه مخبرا بموافقة ابيه على الثمن فرجعت وحملت وولده الكتب قائلا سيعود ابنك بالثمن وجئت البيت وانا حائر بالثمن لجأت الى امي قائلا اني عثرت على كنز مفتاحه ثمانية مجيديات دبريها يا أم فاستبشرت وذهبت الى جا ا رتها ودبرت المبلغ من هذه ومن تلك فدفعته الى الولد وجئت رفيقي قائلا ومبشرا انا خرجنا من في علم جوارح » البيزرة « المأزق والحمد لله ، وحدثته عن اللقطة وهي كتاب الطيور وطبها مثل البيطرة التي هي في علم جوارح الحيوانات وطبها وهو مخطوط نادر مترجم من اليونانية للخليفة المأمون العباسي وكتاب لابن سكره وجزءان من تذكرة ابن حمدون وكتاب الصحاح السكردان للجوهري وعليه ايجازه بخط الجوهري وغير ذلك من الاثار فاستبشر الرفيق وكان كله شوق للوقوف على الغنيمة فاتينا الدار وبعد ان تصفح الكتب اصر ان يصحب كتاب البيزرة ليطلع عليه .

وفي اليوم الثاني فكرنا في البيع ولكن المشتري في بغداد وفي بغداد فقط يبذل بازاء هذه النفائس ومن المشكوك الحصول عليه حتى في بغداد لشدة الضائقة الاقتصادية وقلة النقد. وبعد التفكير تذكرنا وجود قنصل لدولة اجنبية في كربلاء وهو من صرعى الكتب القديمة وكان له سكرتير يقال له المنشي كان في النجف فطلبنا اليه تعريف صاحبه عما عندنا واذا له رغبة حملنا اليه الكتب ويعرف صاحبه فكان الجواب الترحيب وعزمنا على الشخوص ولكن كيف التدبير لنفقات السفر ونحن لا نملك شروى نقير فقلت لصاحبي هذه نوبتك جرب نصيبك وكان اشد مني املاقا وبعد حيص وبيص دبر مجيديا واحدا والمجيدي مسكوك فضي ينقص قليلا عن خمس الليرة الذهبية العثمانية.

اعطينا من فرط المجيدي ما يقارب الدرهمين لمن كان في دار الرفيق لان اهل الدار كانوا في بغداد، واكترينا ثلاثة من الحمير تألفت منها القافلة التجارية المهمة وبقي عندنا درهمان فركبنا حمارين وحمل الثالث الكتب وكان الطريق يقطع في ثلاثة ايام وليلتين الاولى في المصلى وهو منزل الى النجف اقرب والليلة الثانية في النخيلة وهو منزل الى كربلاء اقرب وفي صحوة اليوم الثالث يكون الوصول الى كربلاء...

عن كتاب ( الاحلام ) وهو مذكرات الشرقي