غاياتري سبيفاك .. عندما يريد التابع أن يتكلم

Tuesday 22nd of June 2021 09:21:21 PM ,
4971 (منارات)
منارات ,

علي حسين

ولدت اثناء الحرب العالمية الثانية ، تنتمي الى عائلة من الطبقة المتوسطة ، جرب الجد ان يعمل بالتجارة فخسر ما جمعه من اموال طوال حياته ، ولد الأب في قرية على سفح جبال الهملايا ، في مجتمع لا يرتدون فيه الملابس قبل سن السادسة ، عندما اجتاز امتحان الثانوية ، قال له والده: “ يمكنك أن تعمل مديرا لمكتب البريد “ ،

كان هذا قصى طموح الجد ، لكن تطلعات الأب كانت اكبر بكثير فقرر أن يهرب عام 1917 ليعيش في مدينة كلكتا ، يكمل دراسته في كلية الطب بعدها يعمل طبيبا في الارياف ، اصر على ان تتعلم ابنته الانكليزية وهي لم تتجاوز الخامسة من عمرها . عاشت والدتها التي تزوجت في سن الرابعة عشر حياتها وهي تهتم بقراءة تعاليم الراهب الهندوسي “ سوامي شيفاناندا “ وكانت توصي ابنتها أان تسيطر على احتياجاتها لأن هذا هو المكسب الحقيقي في الحياة ، تقول انها عاشت وسط عائلة مثقفة أب مؤيد للنسوية وأم نسوية :” لقد تربيت تربية غير عادية. وإننى مدينة بكل شئ لأبوى “ ، كانت في الخامسة من عمرها حين اندلعت الحرب الهندية الباكستانية ولا تزال اعمال الشغب التي حدثت بين الهندوس والمسلمين شاخصة امامها ، تتذكر طلاب والدها من المسلمين ، الذين اصروا عندما تعرضت عائلتها للتهديد أن يرتدوا ملابس الهندوس للدفاع عن استاذهم وهم يقولون له :” طالما نحن على قيد الحياة لن يمسكم احد” ، بعد هذا الصراع بدأت الطفلة الصغيرة تسمع البعض يصرخ “ الله اكبر “ واصوات غاضبة تردد “ هارا هارا ماهديو “ ، عند ذاك كانت ترى والداها يتهامسان ، وستعرف فيما بعد ان نتيجة هذا الصراخ اراقة دم انسان بريء .

غاياتري شاكرافورتي سبيفاك التي اختارتها مجلة الادب الفرنسي الجديد قبل اشهر ضمن الفلاسفة العشرة الاكثر تاثيرا في العالم حاليا ، ولدت في الرابع والعشرين من شباط عام 1942 في ولاية البنغال الهندية ، توفي والدها عندما بلغت الثالثة عشرة من عمرها ، فتولت تربيتها والدتها التي تطوعت للعمل أخصائية اجتماعية لرعاية المهجرين من مناطقهم ، تتذكر كيف أن امها كانت تترك المنزل في الخامسة صباحا لتذهب إلى محطة القطار للمساعدة في إعادة تأهيل اللاجئين. وظل منظر الام وهي تواسي الهاربين من العنف وتبحث لهم عن سكن ، ابرز المشاهد التى ميزت طفولتها .. أدمنت منذ صغرها على القراءة عشقت في مراهقتها دوستويفسكي الذي كانت تسميه نصير الضعفاء ، وفي شبابها ستجد نفسها اسيرة لكتابات الشيوعي الايطالي “ أنطونيو غرامشي” حيث وجدت عنده مصطلح الهيمنة.. كانت حياة غرامشي داخل السجن وهو يعاني من سوء صحته ، قد جعلته يقرأ التاريخ قراءة جديدة دفعته للايمان بأن الهيمنة كانت وراء قوة الدولة وتفوق الطبقة الحاكمة في المجتمع الرأسمالي الحديث، ووراء تردد أو عدم قدرة الجماهير في المدن والأرياف على الانتفاض ضدهم ، وقد ساعدتها كتابات غرامشي فيما بعد ان تسلط الضوء على مفهوم الهيمنة ، فلم يكن غرامشي ينظر إلى الهيمنة على انها امر مفروض من الخارج من خلال القوة المادية أو البنى الاقتصادية والسياسية، بل ان هذه الهيمنة تم تبنيها من قبل الفلاحين كجزء من ثقافتهم ووعيهم.

وجدت في الكتابة وسيلة للهروب من الواقع ، كانت تخجل من مواجهة صديقاتها بما تكتبه . بدأت في كتابة الرواية واستلهمت احداث الاقتتال بين المسلمين والهندوس ، من خلال عذابات امراة تجد نفسها في أجواء مجتمع متطرف، لكن الام ستطلب منها ان تتمهل في الكتابة وتقرأ اكثر . ارادت من كتابة الرواية ان تتمرن على طرح افكارها بوضوح .. كانت صديقة والدتها بين مئات ضحايا العنف ، وظلت تتذكرها لسنوات . تقول انها ارادت استرجاع الماضي المؤلم . بعد عقود ستكتب :” يحتاج الامر الى جهد كبير لرؤية الحقائق ، ومحاربة هذا الواقع تتطلب محاربة المرء لذاته «

في الثامنة عشرة من عمرها حصلت على البكلوريوس من جامعة كلكتا، كانت تأمل ان تحصل على الامتياز إلا ان عملها رئيس تحرير لمجلة الجامعة ، والنقد الذي كانت توجهه للاساتذة لم يمنحها هذا الامتياز .. قررت ان تكمل دراستها في امريكا ، لم تكن تملك الاموال اللازمة ، لكن الام ستقترض مبلغ تذكرة الطائرة ، لتجد غاياتري سبيفاك نفسها تقدم طلب للدراسة في جامعة كورنيل ، للتخصص في دراسة الادب المقارن ، وفي الجامعة تتعرف على استاذها “ بول دي مان “ البلجيكي الأصل ، وأستاذ كرسي الادب المقارن ( 1919- 1983) ، كان دي مان قد تعرف على فيلسوف التفكيكية “ جاك دريدا “ من خلال عدة زيارات قام بها دريدا الى امريكا ، وقد استطاع بول دي مان وعدد من طلبته وعلى رأسهم غاياتري سبيفاك أن ينفخوا الروح في المنهج التفكيكي ، وأن يجروا تغييرات مهمة ، حيث نشأت بسبب ذلك منهجية تفكيكية امريكية مغايرة . وقد اهدت سبيفاك كتابها “ نقد ما بعد الاستعماري “ الى بول دي مان الذي كان قد توفي قبل صدور الكتاب بستة عشر عاما ، وكتبت في مقدمة الكتاب ان استاذها الراحل علم طلبته كيف يصبحون قراء جيدين . كان دي مان معروفا بانه مستشار ممتاز لطلبته ، يساعدهم في الوصول الى اماكن جيدة . عام 1974 تقدم سبيفاك رسالتها للدكتوراه بعنوان “ حياة وشعر و.ب ييتس “ تحت اشراف بول دي مان . كانت حياة “ ييتس “ بالنسبة لسبيفاك تشكمل نوعا من الاثارة ، فالشاعر الذي حصل على نوبل عام 1923 ، جمع التناقضات في شخصه ومعها الشعر المدهش. كان شديد الخجل والرغبة في آن واحد . منح إيرلندا هوية ثقافية ، شعره مهد للانتفاضة الإيرلندية عام 1916. اعتبر المواطن الإيرلندي أذكى من الانكليزي ودعا شعبه الى إحياء لغته الخاصة ، كان أحد صانعي إريلندا الحديثة وعاش أميناً لتناقضاته.

بعد التخرج ، تحصل سبيفاك على وظيفة مدرسة للغة الإنكليزية في احدى المدارس الثانوية .. بعدها ستصبح أستاذة مساعدة في قسم اللغة الإنكليزية في جامعة آيوا.

في صباح يوم خريفي من عام 1967 تتغير حياة سبيفاك إلى الأبد حيث عثرت على كتاب لمؤلف فرنسي غير معروف بالنسبة لها ، كان الكتاب بعنوان “ في علم الكتابة “ تمعنت كثيرا في اسم المؤلف “ جاك دريدا “ الذي لم تسمع به من قبل ، اخذت الكتاب الى البيت ، وبعد ساعات من القراءة ستجد نفسها قد وقعت تحت سحر صاحب “ الكتابة والاختلاف “ ، ما ان انتهت من الكتاب حتى قررت ان تترجمه الى الانكليزية ، لم يكن دريدا آنذاك معروفا في امريكا ، وعندما سألت استاذها دي مان اخبرها بكلمات مقتضبة عن دريدا والتفكيكيه ، كان دي مان قد التقى دريدا للمرة الاولى في جامعة هوبكنز في احدى المؤتمرات في عام 1966 ، حيث ظهر دريدا آنذاك في المشهد الفكري الأمريكي في مؤتمر عن البنيوية. وقد صدم دريدا جمهور الحاضرين عندما عرض عليهم “التفكيك” باعتباره الفلسفة الجديدة التي ستنتصر في النهاية على حد قوله ، وقد فتح ذلك المؤتمر الباب على مصراعيه امام الاهتمام المتزايد ببعض الفلاسفة والمنظرين الفرنسيين امثال ميشيل فوكو وجاك دريدا ورولان بارت . وجد دي مان انه يشترك مع دريدا في اهتمامهما بالفيلسوف جان بول سارتر ، وقررا ان يشتغلا على نص لروسو لم يحظ بشهرة كبيرة وهو” مقال في اللغة « .

كانت غاياتري سبيفاك في الخامسة والعشرين عندما عثرت على دريدا ، رأت في كتابه “ في علم الكتابة “ نمطا جديدا من التفكير تقول أنها بحثت عن كتابات في الانكليزية عن دريدا فوجدتها شحيحة ، قررت ان تخوض تحدي من نوع آخر ، تفرغت عاما كاملا لترجمة الكتاب لتنتهي منه عام 1969 ، قدمت للكتاب بدراسة مطولة لا تزال من اهم الدراسات عن جاك دريدا ..بعد ثلاثة سنوات على صدور الكتاب وجدت نفسها امام رجل يشبه نجوم السينما بشعره الابيض الكثيف ، ووجهه الاسمر ، وجاكيتته السوداء وقميصه الابيض المفتوح .. وما ان قال لها انا جاك دريدا حتى شعرت بالدوار ولم تكن تتوقع ان تراه في يوم من الايام ، بعدها سوف ترتبط مع دريدا بصداقة متينة حتى رحيله عام 2004 ، كان فيلسوف التفكيك معجبا بالمقدمة التي كتبتها هذه الفتاة الاسيوية كما كان يسميها ، وكيف انها استطاعت ان توصل افكاره باسلوبها الخاص رغم انها لم تدرس الفلسفة ، وتتذكر سبيفاك انها كانت تخرج مع دريدا لتناول الطعام والتجول بالشوارع هو :” ببشرته الداكنة حتى كانت الناس تتوهم انه هندي “ ، وهي بالزي الهندي التقليدي “ الساري “ .. كان دريدا يقول للذين يلتقي به وهو يضحك : انا مواطن هندي .. ويشير اليها قائلا : وهذه الفتاة مغرمة بي وتفهم كتبي اكثر مني .. فيما سيبفاك ترد : ان ما كتبته عن دريدا هو تكريم منها لحياة معاشة ، وليس تفسير لنص فلسفي عظيم ..وجدت في كتاب دريدا نقدا لفكرة “ المركزية الاوربية “ ، وكان دريدا يعمل على مواجهة الفلسفة الغربية من داخلها .تكتب سيبفاك :”هكذا فهمت ( التفكيكية ) ، انها ليست مجرد تدمير بل وبناء، إنها حميمية نقدية، وليس حيادية نقدية. ومن ثم فأنت تتحدث في الواقع من الداخل “ تتذكر ان استاذها بول دي مان شرح لطلبته ذات يوم مصطلح التفكيك قائلا :” يمكنكم فقط ان تقوموا بتفكيك ما تحبون ، لانكم ستقومون بالتفكيك من الداخل بألفة حقيقية « .

عام 1975 اصبحت سبيفاك استاذه للادب المقارن ، بعد عام تمارس عملها أستاذة للعلوم الإنسانية في جامعة شيكاغو. ثم تلتحق بجامعة تكساس لتدريس اللغة الانكليزية والادب وهناك تؤسس مركز الدراسات الثقافية ..تنتقل في التسعينيات للعمل استاذه في العلوم الانسانية بجامعة كولومبيا .. عملت مستشارة للعديد من المجلات ابرزها مجلة “ الاختلاف “ ومجلة “ علامات ، ومجلة المراة والثقافة والمجتمع .بالإضافة لكتاب دريدا، ترجمت رواية الخيال للمؤلفة البنغالية، ماهاسويتا ديفي ، واعمال الشاعر والسياسي “ إيمي سيزير” . صدر لها العديد من الكتب ابرزها “ عوالم أخرى: مقالات في السياسة الثقافية “ و” هل يستطيع التابع أن يتكلم؟ “ و” مختارات من دراسة التابع “ ، وكتاب “ناقد ما بعد الاستعمار” و “ نساء هنديات” و” في عالم آخر” و”النقد ما بعد الاستعماري استعماري” فضلا عن كتاب مشترك مع الفيلسوفة الامريكية جوديث بتلر بعنوان “ من قلل مكانة الدولة “ ، وجميع هذه الاعمال جعلها تتبوأ مكانة كبيرة في دراسات ما بعد الاستعمار( ما بعد الكولونيالية ) .

توصف سبيفاك بانها امرأة ترتدي اكثر من قبعة ، فهي أستاذ في جامعة كولومبيا تدرس لطلبتها الانكليزية والفرنسية والالمانية وتعتبر ابرز دعاة النظرية الادبية الحديثة ، وتقوم بتدريس كتب شديدة الصعوبة ، لكنها في الوقت نفسه ناشطة منخرطة في العمل النسوي ومفكرة ماركسية ، ومن جهة اخرى تقوم برحلات مكوكية الى الهند للعمل مع الطلاب الأميين في المدارس الريفية. اكدت انها تسعى لإيجاد طريقة للتدريس تحول فيها بديهيات الديمقراطية لعادات عقلية يمارسها الأطفال. تذهب الى القرى الهندية الفقيرة ثمانية او تسعة مرات في السنة حيث قالت انها ارادت ان تقدم تجربتها الحياتية لهؤلاء الاطفال والمعلمين معهم :” كنت اقول لهم ، كونوا صبورين . فقط القوا نظرة على حجم المشاكل التى واجهتنى على مدى السنوات “ . تؤكد سبيفاك أن التعليم الحقيقي هو ممارسة أخلاقية. وهي ترى ان النهج الديمقراطي الحقيقي للتعامل مع من هم فى قاع المجتمع ، هو أن نتذكر أننا لا نرسل الاطفال إلى المدرسة لمحو أميتهم فقط. ولكن لكي نعلمهم كيف يمكن ان تعيش الحياة بصلابة: “ في عالم أهل القاع، الحق الأول هو الحق في الرفض» .

من بين الدراسات المهمة التي نشرتها سبيفاك ، دراسة بعنوان “ هل يستطيع التابع أن يتكلم ؟ “ – ترجمه الى العربية خالد حافظي “ وهو كما اعتقد الكتاب الوحيد الذي ترجم لغاياتري سبيفاك الى العربية ، والكتاب كان في الأصل بحث القته في مؤتمر “ الماركسية وتفسير الثقافة “ الذي عقد عام 1983، ، في هذا البحث تصبح سبيفاك واحدة من أهم منظري دراسات مابعد الاستعمار” الكولونيالية “ وقد جاء البحث بصيغة السؤال : هل يستطيع التابع أن يتكلم؟ “، يبدو السؤال كأنه نوع من الاستفهام الاستنكاري، فمن الطبيعي أن يتكلم التابع، فهو كائن بشري يستطيع الكلام، والكتابة، والتعبير، لكن الفكرة التي تريد سبيفاك ان تطرحها هو هل توفرت السياقات الثقافية المؤاتية للتابع لكي يتكلم؟ هل يتمكن من الحديث، وإسماع الآخرين صوته؟ فالشعوب المستعمرة سلب منها حق تمثيل نفسها، أي سلبت حق الكلام، والكلام هو الوسيلة الوحيدة لتأسيس معرفة متماسكة عن التابع، ووعيه، ووجوده. بعبارة أخرى فثمة فرق بين الفكرة القائلة إن التابع فرد مندمج في جماعة، والأخرى القائلة إنه كائن جرى تمثيله عبر الخطاب الاستعماري، ونجد سيبفاك تحاول ان تفحص الفروقات بين ما يسمى الحديث إلى، والحديث عن :” فأنت حينما تتحدث إلى الآخرين، في المجتمعات التي مرت بالتجربة الاستعمارية، تحاول في اللاوعي، أن تظهر اندماجك في السياق الثقافي للمخاطب، ولكنك حينما تتحدث إلى نفسك، تريد الانتماء إلى السياق الثقافي الأصلي المعبر عن هويتك، وبالسماح للتابع بأن يتحدث عن نفسه يمنح خطابه ميزة التضامن الثقافي بين جماعات متباينة، ونقض مبدأ أن التابع يتحدث للآخرين، بدل أن يتحدث الى نفسه، وفي النهاية سيتكرس دور التابع في تشكيل هويته الثقافية، وإعادة دمج مكونات المجتمع” . وترى سبيفاك بأن وعي التابع يتمثل لتأثيرات النخبة، فتلك التأثيرات هي التي تصوغه بسبب قوتها وهيمنتها، فيتعذراستعادة صوت التابع بصورته الحقيقية، بل لا حقيقة له، لأنه موجود فقط عبرتمثيل قوة النخبة، وثقافة الاستعمار :” باختصار فهومشوه، ومنبثق ضمن استراتيجيات خطاب أقوى يستحيل اختزاله «

وبعكس المألوف للسيدات فان سيبفاك وهي تقترب من عامها الثمانين ، لا تزال تنبض بالحياة ، تكتب وتسافر وتجري مقابلات ومداخلات مع الصحافة. وقبل اعوام ألقت محاضرة لطلبتها عن الزعيم الصيني ماو ، ومن اجل هذه المحاضرة تعلمت اللغة الصينية “: “ لقد أردت أن أعطي شعوراً بان الانسان يستطيع التعلم حتى وهو متقدم في السن “ ، كانت نشرح لطابتها افكار ماو عن الفلاحين من خلال ما كتبه في مقاله “ حول التناقض “ ، والتي تبدو فيها تاثيرات هيغل على ماو ، وستعود الى غرامشي حيث تبحث في كتاباته عن مفهوم المثقف . وايضا مفهوم “ التابع “ الذي ابتدعه المفكر الايطالي وجعله جاريا على الألسن في توصيف أبناء الطبقة العاملة وضحايا الرأسمالية، وقد كانت افكار غرامشي عن التابع هي الدافع التي جعلت سبيفاك تكتب بحثها الشهير “ “هل يستطيع التابع أن يتكلم ؟ « .

خلال كتبها ومحاضراتها كانت سبيفاك تحارب على اكثر من جبهة ثقافية ، فهي تتصدى للثقافة الذكورية في الخطابات الفكرية في المجتمعات الغربية، ومن جهة اخرى تدرس بقايا التأثيرات الاستعمارية في العالم المستعمر سابقا، والجبهة الثالثة والمهمة هي تهميش المرأة اجتماعيا وثقافيا وسياسيا .

في محاضرة لها بعنوان “ كيف يمكن للعالم أن يكون نسويا؟ “ قالت : “ تشعر النساء بأنهن ملزمات برعاية الآخرين ، ما يقود إلى استغلالهن في أماكن العمل كونهن لا يستطعن تصور أنفسهن خارج النموذج الذي يجعل الخدمة مهمة نسائية بالطبيعة “ ، وتتناول سبيفاك حال المراة الهندوسية في الهند وكيف تتحول الى تابع من خلال طقوس حرق النساء لأنفسهن إثر موت أزواجهن، وهي تجد ان فعل المرأة هذا يرسخ فكرة تبعية المرأة للرجل بفعل هيمنة الثقافة الذكورية ثم هيمنة الأبوية والهيمنة الاستعمارية :”مادام صوت التابع - وهو هنا المرأة التي وجدت أن فكرة الحرق تعبير عن الوفاء- مخنوقا وسط دوائر متضافرة من الحجب والمنع، فهو إذا صوت صامت ومحكوم بالفشل « .

تسخر سبيفاك من النخب التي تعين نفسها “ قادة أخلاقيين للمجتمع المدني” وتجد ان هذه النخب غالبا ما لا تساعد الآخر إلا بفوقية ، وترى سبيفاك أن : “ على الديمقراطية أن ترى الناس متساوين، لا متشابهين. وإذا كان القانون الذي يحكم المجتمع لم يتمرن على ما أطلق عليه ميشيل فوكو ( ممارسة الحرية ) ، فالقانون إذا موجود فقط كي ينفذ قسرا، والذين يتم إجبارهم عليه سيجدون مع مرور الوقت ثغرات للالتفاف حوله « .