جبر علوان.. من التجريد إلى التشخيصية الجديدة

Wednesday 7th of July 2021 10:10:55 PM ,
4982 (عراقيون)
عراقيون ,

كامل شياع

لا أظن أن أحداً وصف الفنان جبر علوان بتلك الدرجة من الدقة والعمق كما فعل سد الله ونوس حين اعتبره “حفنة من الألوان القزحية، وحفنة من الأضواء السرية، وموهبة سحرية قادرة على أن تبدع من هذه المواد المتقشفة لوحات هي كالرؤى تغير كيمياء الجسد، وتغير حالاته المزاجية”.

كلمات الكاتب السوري الراحل هي أشبه بمقدمة أو خاتمة لكل ما يمكن أن يقال عن الفنان ولوحته، عن مكامن إلهامه ومسالك تمثيله البصري لتجربته.. اللوحة، برأي جبر، وسيط بسيط جداً قابل لتحميله أشياء بسيطة. غير أنه خلف تلك البساطة الظاهرة تكمن قوة خفية ترصد الحالة الإنسانية في لحظات حضورها المكتنز بالدلالات، وتؤسس لغة تواصل بين مخيلة الفنان المتأججة وعين الناظر المترقبة. عند اللون تلتقي كل خيارات جبر الفنية، ففيه يجرب عبثه وحريته، ومن بين إشراقه وانكفائه تنبجس مصادر التوتر وفسح الاستعراض. اللون هو بوصلة الفنان ومتاهته الأخيرة.

هذه المقابلة حصيلة جلستين طويلتين مع الفنان العراقي في مرسمه بمدينة روما.

لوحاته تميزت بقدرتها على استحضار اللون كقيمة مستقلة تضيء الأشياء من الداخل وتعيد تركي الحالات المرئية وغير المرئية، والآن... أين وصل في هذا المضمار الذي اختاره لبحثه.. يقول:

ـ البعد التحليلي النفسي للون هو ما أركز عليه حالياً، لم يعد اللون يمتلك عندي تلك الخاصية الجمالية التي تقف عند حدود حالة تعبيرية يستوفيها مشهد اللوحة ويؤطرها. إن دوره لا يقتصر على إنتاج مشهد جميل وعنائي، لأنني أدرس من خلاله الحالة الداخلية للموضوع الذي أرسمه، بما تتضمنه من قلق وتوازن، واضطراب. إنني أرى اللون داخل أعماق الشكل المشخص (figure) أو في مجال الخلفية أو الهالة التي تتيح ظهوره وانكشافه. اللون، بالنسبة لي الآن، وسيط لسبر الروح الداخلية للموضوع، ولتشخيص إثارات تسبق المشهد أو تعقبه. إنه يعبر عما تعجز الكلمة عن التعبير عنه، من دون أن يفقد وظيفته كعنصر تكويني في بناء اللوحة لأنني أعتبر نفسي من فناني الاتجاه التشخيصي الجديد. أكرره ليست القيمة الجمالية البحتة للون هي التي تثير اهتمامي ولا البعد التعبيري المباشر له، إنما قدرة اللون على معايشة وكشف عمق الموضوع.

ولكن، ما هذا العمق؟ وأين يكمن؟ هذا ما يحدده علوان بقوله: “وأنا أرسم أحاول أن أتوغل إلى روح الموضوع، وهي المسألة التي لم أولها اهتماماً كافياً في أعمالي السابقة. حقاً لقد صورت الشكل الإنسان في حالة حركة، فتراه يكاد يطير أو يرقص أو يسقط على الأرض، لكنه الآن أكثر تداخلاً مع شرطه الخارجي.

إن روح الموضوع تتسجد في العلاقة بين عالم الذات وعالم الواقع. انظر، مثلاً، إلى تلك اللوحة الخضراء التي تمثل امرأة أفريقية رسمتها في إطار بيئتها الطبيعية والثقافية، وقارن مشهدها المشحون بالحركة بالمشهد شبه الساكن في اللوحة المجاورة للمرأة الآسيوية، حيث حاولت إبراز التناقض بين الشكل الممتثل والخاضع وبين الخلفية العنيفة والملتهبة المحيطة به. في اللوحة الثالثة، التي راعيت فيها توزيع اللون بطريقة تشبه طريقة الرسام الإيطالي كارافاجو، ركزت على سمات التحدي في ملامح شخصية المرأة العربية. هكذا تجدني أبتعد تدريجياً عن المسحة التجريدية التي طبعت شخوص أعمالي السابقة، لأهتم بدلاً من ذلك بقراءة الدوافع النفسية من قلق ورغبات واستجابات غريزية. ما عدت أكترث بالمظهر الخارجي للشخوص، ذلك المظهر الذي يحولها إلى ما هو أشبه بمفردات لقطة فوتوغرافية خالية بذاتها من أي عمق. هذا التوجه فرض علي العودة إلى الأسلوب التشخيصي في بناء اللوحة بطريقة قرية من الأكاديمية. ولأنني أريد أن أقول شيئاً ذا معنى، أجد نفسي مضطراً للعودة إلى الشكل المشخص. أعترف لك أنني لا أعرف إلى أين ستقودني هذه المحاولة.

بنية اللوحة

وعلى الرغم من أن بنية لوحته لم تتغير رغم تغير مناخاتها وعناصرها وتوزيع نقاط ارتكازها، فإن جبر علوان يؤكد أن هناك فرقاً يحدده في: “إنني كنت أتأرجح بين التجريد والتشخيص، بينما تتضح أمامي اليوم ممكنات جديدة خصوصاً في معالجة خلفية اللوحة. إنني أنتقل الآن من الأسلوب التعبيري التجريدي إلى التشخيصية الجديدة. بموازاة ذلك صرت أحذر مغريات الألوان البراقة، لأن وظيفة اللون تكمن أساساً في كشف وإضاءة العالم الداخلي للإنسان. كذلك صرت أقتفي الأبعاد الكاملة للعلاقة بين الشكل المشخص والفضاء المحيط به، وهو ما يفرض إعادة توزيع اللون على الرغم من ذلك لا أريد أن أصور الأشياء بطريقة أكاديمية تقليدية، فطريقتي في الرسم ليست واقعية محاكماتية. عندما أرسم أطلق الحرية لحساسيتي قبل أي اعتبار آخر.

شيء من الغموض يغلف لوحاته، غموض يلتبس فيه الجمال بالسمو، فهل يشعر علوان بقوة ما تسحبه نحو ارتياد عالم لا يقبل التمثيل لأنه يفوق قدرة الحواس على الإدراك؟ جبر علوان لا ينكر هذا.

للجمال في اللوحة طابع نسبي ولا وجود لقالب واحد يحدد ماهية الجمال.. اللوحة في نهاية المطاف هي وسيط بسيط جداً، وقابل لتحميله بأشياء بسيطة.

 الغموض، لكنه يفسر أسباب الإحساس به:

ـ “أولاً ، ليس كل ما أريده يظهر مباشرة على سطح اللوحة، ثانياً، أحاول أن أجعل اللون قريباً من الموسيقى التي لا أستطيع تحديد تأثيرها في مع أنها تلهمني بعوالمها اللانهائية. للون بعد مجرد كالموسيقى. والألوان التي استخدمها في الفترة الأخيرة تزداد عتمة على الرغم من الضوء الشديد الذي ينبعث هنا وهناك. لعل هذا حصيلة التأثيرات اللاواعية في مخيلتي. إنني أجرؤ اليوم على استخدام اللون الأسود وهو ما لم أفعله في الماضي.

 لكن أجواء الليل المظلمة كانت موجودة في لوحاته القديمة التي تعود إلى سنوات الثمانينيات فهل هناك فرق بين أجواء الماضي وعتمة الحاضر؟!

ـ كانت هناك مساحات تجريدية بعضها قاتم، أما الآن فغدت أكثر وضوحاً في تفاصيلها وتكويناتها. بشكل عام كنت أميل إلى الألوان الشفافة، لكنني لا أستطيع أن أستمر على النوال نفسه. هناك قوة داخل النفس لا يمكن إدراكها أو عقلنتها. حينما أرسم أتصرف بعفوية الأطفال، وأطلق العنان لمكنونات النفس لتتسرب من تلقاء ذاتها. أحياناً يستوقفني لون واحد فيدفعني إلى تغيير اللوحة بأكملها.

 متى تحين هذه اللحظة؟

ـ إنها تأتي حينما أشعر أن اللوحة في طريقها لأن تصبح كياناً مستقلاً ومنفصلاً عني. آنذاك تلزمني بمنطقها على الرغم من أنها نتاج مخيلتي وعملي.

الفن والجمال

 برز في أعمالك انشغال واضح بالبعد الجمالي الذي قد يتحقق أحياناً على حساب التقنية. كيف تنظر إلى علاقة الفن بالجمال اللذين تحولا، في عصرنا، إلى قيمتين منفصلتين؟ هل تقصد من وراء شخن اللوحة بمناخ نفسي خلق صدمة للمشاهد، أم مجرد استساغة خفة وعفوية تعبيرات الغريزة؟

ـ للجمال في اللوحة طابع نسبي. لا وجود لقالب واحد يحدد ماهية الجمال. فان جوخ، الرسام الهولندي، أسقط على لوحته أقسى حالات قلقه وتمرده، وأدفارد مونخ رائد الاتجاه التعبيري، أودع في لوحته الشهيرة “الصرخة” أعلى درجات الاغتراب عن العالم. يمكن للجمال أن ينبثق حتى من أكثر الحالات درامية. في الواقع أن الأبعاد الدرامية هي الطاغية على حياتنا في هذا العصر التافه. على الرغم من ذلك تعج الحياة بالكثير من الأشياء الجميلة التي ينبغي اكتشافها. التنوع الهائل الذي يسود الفن التشكيلي العالمي جعل من المحتم التسليم بعدم وجود اتجاه تطوري أحادي في الفن، ليست هناك تراتبية بل تجاور أفقي بين مختلف الاتجاهات والأساليب. المشهد يتسع للجميع في العالم التعددي الذي نعيشه. في مقابل الاتجاهات التي تتمرد على قوانين اللوحة التقليدية، هناك عودة إلى اللوحة كوسيط تعبيري. هذه العودة تنطلق من روحية جديدة دون انقلابات صاخبة كالتي شهدتها بداية القرن العشرين. اللوحة في نهاية المطاف هي وسيط بسيط جداً، وقابل لتحميله بأشياء بسيطة. كل ما أحاول طرحه هو إشراق وجمالية اللون الذي يظهر في أكثر المواقف درامية وحدة. بالطبع ليس من السهل خلق مفردات جميلة، لكن ينبغي الحذر من السقوط في التزويق اللوني الذي يسطح لغة التعبير. لهذا السبب تراني أتمسك بأهمية البعد النفسي في اللوحة.

 ما الذي تشعر به وأنت تتهيأ لرسم لوحة؟

ـ الرسم عملية صعبة تبدأ بقلق وخوف، لكنني لا أرسم فعلاً قبل أن أشعر بأنني متحرر من نفسي ومن المسؤولية العقلية. من خلال الرسم أمارس نوعاً من اللعب؛ اللوحة الفاشلة أتركها من دون تردد، واللوحة التي اشتغل عليها تكون معرضة للتغيير مرات ومرات. تربطني باللوحة علاقة حميمية، فهي ذاتي والآخر معاً، التابع لإرادتي والمتمرد عليها. اللوحة هي الند الذي يتحداني وأتحداه. لكي أرسم أحاول أن أنسى كل ما تعلمته من تقنيات أو مؤثرات أخرى. عادة لا أحب أن يشاركني أحد المكان في أثناء الرسم، لكن يحدث أحياناً أن أجد متعة في حضور شخص يراقبني ويستمع لي وأنا أشرح له كيف أختار الألوان وأوزعها على سطح القماشة.

 تبدي في لوحاتك عناية خاصة بإظهار تفاصيل الوجه، خاصة وجه المرأة، بينما تترك بقية سطح اللوحة غائماً وشبه مجرد. ما الذي يوحيه الوجه الإنساني إليك؟

ـ الوجه هو حالة تعبيرية كاملة. إنه بوابة أفق لا نهائي لعالم الإنسان الداخلي. لكنني لا أركز دائماً على الوجه، بل أركز أيضاً على تفاصيل أخرى من الجسم. فثمة مناطق تعبيرية قوية كحركة اليد مثلاً، لذلك أشبعها بالضوء لأمنحها الطاقة التعبيرية المطلوبة. في كل لوحة من لوحاتي ثمة بؤرة واحدة، وكل ما يحيط بها يوظف لإبرازها. لا أرغب ولا أستطيع أن أصنع لوحة تتخللها مراكز مشتتة، ومتناثرة ومتناحرة.لا تغريني بؤرة اللوحة من الناحية التشريحية، بل من ناحية الدلالة التعبيرية. عبر اللوحة أجد تعويضاً وإشباعاً لرغبات دفينة في البوح والتواصل. اللون عندي أهم من الخط بكثير، إنه روح اللوحة، ومن خلاله أترجم خفايا النفس وتوتراتها لهذا لا أخشى في جميع الأحوال من اللون، لكن ينتابني قلق منذ البداية على مصير اللوحة كبناء وكوحدة متماسكة. لا أرسم قبل أن أشعر بأنني في أحسن حالاتي المزاجية، كما لو أنني على موعد مع الحب!

 كيف يختمر موضوع اللوحة في ذهنك؟

ـ أحياناً تراودني فكرة تحثني على تنفيذها. إذا واجهتني مصاعب تقنية ألجأ إلى المصادر الكلاسيكية لتذليلها. أهرع إلى أعمال الفنانين العظام بحثاً عن حل لا أجده، لأن الحل كامن في ذات الفنان صاحب المشكلة، فهو الذي يخلقها وهو الذي ينبغي عليه تذليلها. في لوحة المرأة الأفريقية التي أمامك واجهتني مشكلة طغيان الجسد على الخلفية التي تمثل البيئة الطبيعية، فوضعت الجسد في منتصف اللوحة للإيحاء بالشبه بينه وبني جذع شجرة في غابة أفريقية، وأضفت ألواناً غير طبيعية لكسر حدة الألوان الطبيعية.

حساسية غريزية

 ما الذي حملته معك منذ أن شرعت بدراسة الفن في العراق نهاية الستينيات؟

ـ حملت معي حساسية غريزية إزاء اللون. لكن كيف؟ في أيام الدراسة بمعهد الفنون الجميلة ببغداد لم أكن مهتماً بالفن قدر اهتمامي باكتشاف مدينة بغداد، ففيها عثرت على أشياء كثيرة ومارست حياة قلقة وفوضوية ضاعفت من انفصالي عن عالم القرية (ناحية المحاويل قرب مدينة الحلة) الذي انحدرت منه. قلت لم أكن طالباً جدياً في الرسم ولا في النحت، لكنني كنت أميل إلى الثاني، وأول جائزة حصلت عليها قبل دخول المعهد كانت عن عمل نحتي، وكذلك الحال بالنسبة للجائزة الثانية. الأستاذ ميران السعدي ألح علي للاستمرار في دراسة النحت لأنني أبدي قدرة جيدة في نحت البورتريه. التأثير الأكبر في مصدره الأستاذ رسول علوان، لقد تعلمنا منه أسرار الألوان الانطباعية والتعبيرية. وتابعني شخصياً بكثير من الحرص، وكان الوحيد الذي راهن علي من بين أساتذة المعهد الذين اتفقوا على عدم جديتي كفنان، حتى الأستاذ محمد مهر الدين الذي أثر في فكرياً لم يرشحني لأن أصبح فناناً في يوم من الأيام. لكنه، كما فهمت منه لاحقاً في لقاء جمعني به في عمان، كان يقصد تحريضي على العمل، إذ ذكرني بلوحة “طبيعة ميتة” التي أنجزتها بألوان مائية وأضفت إليها ألواناً زيتية وأعجبتني كثيراً آنذاك، ولم تعجبه لأنه أصر على أن أتعلم أولاً الرسم بطريقة أكاديمية. أود أن أشير أيضاً إلى الأستاذ شاكر حسن آل سعيد الذي اهتم بي هو الآخر. هذا الفنان الكبير درسنا تاريخ الفن في المعهد ويحتل موقعاً متميزاً ضمن حركة الفن التشكيلي في العراق.

 وإيطاليا التي قصدتها منذ بداية السبعينيات، ماذا أضافت لك الدراسة والحياة فيها؟

ـ وصلت إلى روما وما زلت أقيم فيها حتى الآن. كان اهتمامي موجهاً نحو اكتشاف حياة المدينة وناسها، وليس نحو إتقان حرفة الرسم. أمضيت عدة سنوات في دراسة الفن في أكاديمية روما، ولم أكن كعادتي جدياً في الدراسة. منحتني روما وإيطاليا عموماً أكثر مما كنت أتوقع. لا أستطيع أن أنكر تأثري بالفن الإيطالي بقديمه وحديثه، وبحياة البلد الثقافية والسياسية.

 أخبرتني مرة أنك تجمع بعض أعمالك المهمة لعرضها في العراق مستقبلاً؟

ـ هذه ليست فكرتي، أنا عراقي وللعراق حق علي ينبغي أن أفي به، ولو كانت الظروف طبيعية لعدت إلى بلدي لأتعلم وأعلم، كما فعل أساتذتي من قبل. تشغلني في هذا الصدد فكرتان: أن أعود ببعض الأعمال إلى العراق بعد أن تتغير ظروفه السياسية، أو أن أوصي بأن تعاد بعد موتي بعيداً عنه. الفكرة الثانية، أن يتم جمع أعمال التشكيليين العراقيين المقيمين في الخارج لنقلها إلى العراق في المستقبل. الفكرة لا تخلو من تحريض، إلا أنني أدعو إلى الشروع بتحقيق هذه الفكرة منذ الآن، على أن تبادر مجموعة من الفنانين إلى السعي في هذا الاتجاه، ويمكن استضافة المتحف المفترض خلال فترة مؤقتة في دولة أوروبية أو عربية.

 كيف غدت علاقتك بالمكان بعد ثلاثة عقود من الهجرة؟

ـ على الرغم من جذوري العراقية، أشعر بأنني لا أنتمي إلى مكان محدد. في الحقيقة لا أحب النظر إلى الوراء، ولا أريد أن أحمل ثقل الماضي معي وأنا أسير إلى الأمام بحثاً عن الجديد. الماضي يترسب لوحده في طبقات اللاوعي ولا حاجة إلى استرجاعه. أكثر ما أخشاه هو الحنين الذي لا أطيقه، ولعي بالاكتشاف يجعلني أجد نفسي مدفوعاً إلى أن أكرر بيتاً من شعر الجواهري يقول:

يا للثمانين ما ملَت مطامحها

لكن يراودها خوف من الملل

لا أخفي إن إقامتي الطويلة في روما وصداقاتي المتشعبة مع الإيطاليين جعلتني أشعر بأنني إيطالي. أما كفنان فأفضل أن أنتقل بين أكثر من مكان بحثاً عن الشمس والضوء لا أستطيع أن أرسم في شمال أوروبا، ولو أتيحت لي الفرصة لقضيت كل ثلاثة أشهر في بلد مختلف.

 كم مرة رسمت الجواهري؟

- رسمته في لوحتين مهمتين شخصية الجواهري تلهمني كثيراً، ففيها خلاصة تاريخ العراق الحديث منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى سنوات الغربة التي ودعها إلى العالم الآخر. إنها شخصية متناقضة مزجت بين العبث والالتزام، بين الحب وغير المحدود للحياة وبين التمركز الشديد على الذات.لم أرسم الجواهري إلا حين اكتشفت وجود تشابه بين شخصيته وشخصيتي. أثارني شموخه فصورته في لوحة ركزت فيها على حركة يده التي أسقطت عليها بقعة ضوء من الأصفر الساطع، وبصمت على كفه بكفي الملطخ باللون الأسود. حينما زرته بعد ذلك كانت الشيخوخة قد أثقلت عليه. قبل سنة ونصف السنة من وفاته أعدت رسمه جالساً، شارد الذهن، متأملاً زمنه الذي يوشك على الانقضاء. ألبسته رداء أحمر قانياً يشبه (النجف) بالأزرق، ونثرت ظلال مقبرتها الشهيرة على خلفية المشهد. لم تفارق الرجل روحه المكابرة، كان حضوره مهيباً في لحظة أوشك الغياب فيه على ابتلاعه.

إيطاليا ـ كامل شياع

الفنون العدد 5 ـ أيار/ مايو/ 2001