هنري برغسون .. البحث عن الوجود المفقود

Tuesday 10th of August 2021 09:56:10 PM ,
5000 (منارات)
منارات ,

علي حسين

في العام 1900 وصل الى “الكوليج دي فرانس “ في باريس مدرس فلسفة يبلغ من العمر “ 41 “ عاما ، صاحب وجه طويل وجبهة عريضة وعينين لامعتين ، كان قد اصدر كتابين : الاول أطروحته الجامعية “بحث في معطيات المباشرة للوعي”- ترجمه الى العربية جورج كتورة ، والثاني كتاب “المادة والذاكرة” – ترجمه اسعد غربي - .

اخذ يلقي محاضراته كل يوم جمعة ، وقد اجتذبت جمهورا كبيرا من الطلبة وايضا من الاساتذة . كانت باريس آنذاك تبحث عن الرمز الثقافي ، وكان الاستاذ الاربعيني مؤهل لأن يتولى هذا الدور ، يصف لنا اندريه جيد محاضرات هنري برجسون بالقول : “ كان من سحرة الكلام ، وكان يبلغ الكمال في ارتجاله ، كما كان يأسر القلوب والأفهام في اعتداله ، وكنت تجد في محاضراته متسعاً من الأفكار الأكثر جرأة والشروح الأكثر دقة.” الجميع من الذين كانوا يستمعون الى هذا الأستاذ صاحب النبرة الواضحة ، اخذوا يدركون ان تغيراً ما سيحصل في الحياة الثقافية والفلسفية في فرنسا.

كانت باريس المدينة المتمردة قد روجت لمصطح “نهاية القرن” في وصف اجواء نهاية القرن التاسع عشر :”اليأس العقيم لرجل مريض”. وكان برجسون قد خاض في نهاية القرن صراعاً مع الأفكار السائدة في الفلسفة ليجعل من نفسه بطلاً لأسلوب جديد في فهم العالم المحيط بنا ، والذي يقوم على الحدس والغريزة ، اطلق عليه برجسون تسمية “ الوثوب الحيوي “ ، كان العقل التجريبي آنذاك هو خادم الغريزة وليس سيدها ، وكان عالم مجتمع القرن التاسع عشر الصناعي والعلمي، يتطلب القوة الدافعة للوثوب الحيوي الخالد للطبيعة . وأعلن برجسون أن الوثوب الحيوي يتدفق بقوة متخللاً الحياة مثل موجة عالية توقظها إمكانية كثيرة كامنة تنساب عبر الأجيال وتوزع نفسها بين الأفراد .

اراد برجسون ان يحتفي بتجربة الفرد التاريخية الذكية والنشطة ، كتغير مستمر للماضي الذي يشق طريقه في المستقبل : “ان المستقبل يتبعنا في كل لحظة ، ، وكان لابد ان يكون شعار حركة برجسون “ أنا أجرب ، إذن أنا موجود.»

طوال حياته ظل برجسون مغرما بنظرية داروين في النشوء والارتقاء ، لكنه على العكس من نيتشه كان يرى في التطور قوة ايجابية تستهدف بناء الانسان الخير ، وليس الانسان القوى الذي لا يحترم الضعفاء ، لم يكن يعرف ان كتابه “ مبحث في المعطيات المباشرة للوعي “ ، سيفتح له ابواب الفلسفة ، وان الشهرة تنتظره ، في المقابل كان برجسون يأمل ان يستطيع المساهمة في تغيير المشهد الفلسفي ، في ذلك الوقت وعلى مشارف الحرب العالمية الأولى اصبح برجسون المعلم الأشهر لجيل من الطلاب الفرنسيين ، حيث وجدوا في كتاباته وسيلة لطرد التشاؤم بخصوص الانحلال والانهيار الثقافي ، هذا الجيل الذي اطلق عليه “جيل 1912”. كانت السمة المميزة له هي صنع النظام والانسجام في كل شيء ، وكان بطلهم برجسون يصف ظهورهم بأنه معجزة تطورية وتحول غير مسبوق في الطبيعة الانسانية ، اما هم فكانوا مثل بطلهم ينشرون التفاؤل والأمل في كل ما يضعون أيديهم عليه. لكن كل هذه الآمال تحطمت بقسوة خلال الحرب العالمية الاولى ، وكثير من ابناء هذا الجيل المتفائل تحولوا الى طبقة ثقافية مكسورة ستهرب الى مدارس جديدة مثل الدادائية والسريالية. كان اندريه برتون قد اعلن :” لم نقل كلمتنا الأخيرة بعد ، سوف يختفي أكثر من شعب قبل ان نختفي “ ، فتحت باريس الباب أمام شكل فرنسي من التشاؤمية الثقافية، وكان آراغون يعلن بكل فخر: “نحن انهزاميو أوروبا “ . أما برجسون فقد أعد المسرح لما هو قادم بإعلائه من شأن الغريزة على الذكاء ، ومن شأن التجربة الحيوية على القيم والعادات الاجتماعية .وحين يتساءل الطلبة :” ايستطيع احد أن يؤمن بالتقدم والمدنية إزاء ما يجري من أحداث؟” يجيب برجسون بصوت هادئ :” إنكم الآن محبطون وقد حرمتم الأمل ، لا تفزعوا ، لقد كنت انا ايضا محبطا ذات يوم ، ثم تكشف لي معنى الأمل. «

ولد هنري برجسون في الثامن عشر من تشرين الاول عام 1859 ، وهو نفس العام الذي ولد فيه زميله الأميركي جون ديوي، وقد تأثر كلاهما بوليام جيمس مؤسس الفلسفة البراجماتية ، والذي لعب دوراً كبيراً في تعريف برجسون لقراء اللغة الانكليزية، وقد كان من عادة الفيلسوف الأميركي ان يقول لتلامذته :”اقرأوا هنري برجسون ، ستجدون في كل صفحة من صفحاته ، لا بل في كل سطر من سطوره أفقاً جديداً ، فكأنكم تشعرون بنسمات الصبح او تسمعون تغريد الطيور ، وكأن اللغة التي يكلمكم بها هي لغة الحقيقة والوجود، لا لغة التعليم التي ينقل غبارها اليكم طائفة من الأساتذة الذين تعودوا ان يغربلوا أفكار غيرهم.” وكتب جيمس مرة الى أحد أصدقائه يصور له اثر كتاب برغسون “التطور المبدع” في نفسه :” لقد تراءى لي كل كتاب في نظري هزيلاً من فرط روعة هذا الكتاب الجيد او الفجر الإلهي المنبثق .. ان برجسون انما هو فخر الإنسانية وعنوان مجدها الخالد».

يقدم لنا فرانسو ماير في السيرة التي كتبها عن برجسون صورة لهذا الفيلسوف :” قامة ممشوقة ، وملامح شقراء ، ووجه دقيق الملامح ، وتحت جبينه العريض عينان فيهما شيء من الدهشة ، ترافهما تلك النظرة ، التي يلاحظها المرء على رجال الفكر التاملي ، والتي لا تخطئها العين ، كانت تلك النظرة مقنعة ومنسجمة ، يرافقها كثير من الجد وكثير من الرقة والطيبة ، وبساطة لم تكن بالمتكلفة ، وتواضع لم يكن مبالغا فيه .. واذا تكلم ، فبصوت واضح رصين ، مليء بالاحترام للرأي الاخر “ .- برجسون ترجمة تيسير شيخ الارض - .

كان والده طبيباً وأمه ثرية ومثقفة، وابتلي بمرض النحافة طفلاً. أحب الأدب والفن والموسيقى كوالدته. افتتن بفلسفة هربرت سبنسر، ورأى في نظريته عن التطور تفسيراً جديداً للمادة والحركة وبأنهما صورتان لقوة الحياة في تركيباتها المختلفة . جذبته علوم الرياضيات، وكان اساتذته مندهشين لقدرته الفائقة على حل المسائل الرياضية ، فكان بعضهم يتنبأ له بمستقبل باهر في مجال العلوم الرياضية ، لم تكن الفلسفة بشكلها الذي كانت تدرس فيه آنذاك تجتذبه ، وعندما كان في الثانوية قال لمدرسه ان دروس الفلسفة خطابية ، وفارغة ، لكنه بعد سنوات سيترك هوسه بالرياضيات والعلوم ليتجه لدراسة الفلسفة بمدرسة المعلمين ، تتلمذ على يد أميل بوترو الذي كان في ذلك الحين أستاذ الفلسفة الأول بلا منازع في فرنسا ، وقد اشتهر بوترو بكتابه “ العلم والدين في ‏الفلسفة المعاصرة “ – ترجمه الى العربية احمد الاهواني . لم تشغل دراسة الفلسفة هنري برجسون من ممارسة هوايته في قراءة الأدب والرواية ، إلا أن نقطة التحول الأولى التي حصلت في حياته كانت عندما وقع في يده كتاب هربرت سبنسر “المبادئ الاولى” ، فوجد في الفلسفة القول الحق الذي اطمأنت اليه نفسه ، حتى ان زملاءه في الدراسة كانوا يعدونه مادياً متطرفاً : “ من الناحية الذاتية تراني غير قادر على منع نفسي من أن أعزو أهمية فائقة الى التغيير الذي طرأ على طريقة تفكيري خلال العامين التاليين لتخرجي في مدرسة المعلمين العليا. فلقد بقيت حتى ذلك الحين معتصماً بالنظريات الآلية التي انسقت في تيارها منذ وقت مبكر تحت تأثير قراءاتي لمؤلفات هربرت سبنسر” . .في “المبادئ الاولى” ، نجد ان الفكرة الأساسية التي يركز عليها هربرت سبنسر هي ، ان التغيير عملية تحلل مثلما هو عملية تطور، وعملية تفكك مثلما هو عملية تكامل ، ويقترح سبنسر قانوناً للتطور الاجتماعي ، ففي المرحلة الاولى لاتوجد أنماط او طبقات اجتماعية محددة المعالم ، وانما تكون المجتمعات مازالت صغيرة ، ويكون نمط التنظيم الاجتماعي متجانساً وغير متنوع نسبيا بحيث يؤدي كل فرد شيئاً لنفسه ، والمرحلة الثانية ذات طابع عسكري تكون الحكومة فيها فائقة التركيز ويكون العرف صارماً ، والفروق الطبيقة واضحة ، واخيرا تأتي مرحلة تتميز بها المجتمعات الصناعية الحديثة ويتزايد فيها تقسيم العمل ، ويزداد الاهتمام بالتجارة والانتاج ، ويتضاءل دور الحكومات المركزية ، وتضعف بالتدريج النظم الاجتماعية والتقليدية والتسلطية ، وربما كان السر في إعجابه بهربرت سبنسر هو انه وجد لديه ما لم يجده عند غيره من فلاسفة ذلك العصر ، ألا وهو الاهتمام بالوقائع الجزئية والحرص على دراسة الواقع بكل تفاصيله والانصراف الى تلمس آثار التجربة ، وقد ظل برجسون طوال حياته شديد الإحساس بالواقع، كثير التعلق بالعيني والتشخيصي ، حريصاً دائماً على التمسك بالتجربة .

بعد ان حصل على الشهادة العليا عام 1881 تم تعيينه استاذ للفلسفة بدار المعلمين، وفي تلك المرحلة تفرغ لدراسة الفلسفة اليونانية ، واهتم بما كتب عن الزمان والحركة وعلاقتهما ، فنشر عام 1889 كتابه الاول “بحث في المعطيات المباشرة للوعي “ ، وهو الكتاب الذي عالج فيه مشكلة الحرية الإنسانية في ضوء حركة الزمان ، وقد استطاع بهذا الكتاب ان يلفت الأنظاراليه ، فتم استدعاؤه للتدريس في معهد هنري الرابع ، بعدها عكف على دراسة بعض الظواهر الشعورية وعلاقتها بالانسان مثل الادراك الحسي والذاكرة ليصدر عام 1897 مؤلفه الثاني “المادة والذاكرة” ليعين بعدها بثلاثة أعوام أستاذاً للفلسفة في الكوليج دي فرانس ، ولينتخب عام 1901 عضواً بأكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية ، ثم عضواً بالأكاديمية الفرنسية.

وفي عام 1907 اصدر مؤلفه الشهير “التطور المبدع” فقدم اول نقد لفلسفة التطور خالف فيها آراء استاذه هربرت سبنسر وبين من خلاله صلة الغريزة بالعقل .:” :لاحقاً، ولشدة دهشتي، أدركت أن الزمان العلمي، أي الزمان الحقيقي، لا يتصف بالديمومة، وأنه ما كان لشيء في أوقاتنا العلمية ان يتبدل لو أن مجموع الواقع قد انقضى في ومضة. لقد كانت هذه النقطة إشارة البدء لسلسلة من التأملات التي دعتني، درجة درجة، الى نبذ كل ما كان من قبله حتى الآن وإلى إحداث تبديل في وجهة نظري لاودع معلمي الاول هربرت سبنسر “ .

بعد ان نشبت الحرب العالمية الاولى انطوى برجسون على نفسه ، وراح يفكر في الدلالة السيكلوجية للحروب ، فاصدر عام 1915 مؤلفه “معنى الحرب.” وفي هذا الكتاب يتساءل عن مصير الانسان ومعنى التقدم ، ويعرب عن ثقته في انتصار القيم الروحية والقوى الاخلاقية ضد قوى الشر والانحلال ، كما كان ينادي بالعدالة والحق والحرية ضد انصار الظلم والعدوان ، وعلى اثر انتهاء الحرب عين برجسون رئيسا للجنة التعاون الفكري التابعة للأمم المتحدة ، وفي سنة 1928 حصل على جائزة نوبل للآداب تقديراً للخدمات الفكرية التي قدمها للانسانية ، وتوقف عن الكتابة بسبب المرض وضعف البصر، لكنه اصدر عام 1932 كتابه المهم “منبعا الأخلاق والدين”، الذي أحدث ضجة كبرى في الأوساط الفلسفية العالمية حتى ان جون ديوي وصفه بـ “دستور الفلسفة في القرن العشرين.»

في شتاء 1939 كتب ميرلوبونتي يحيي هنري برغسون لمناسبة بلوغة الـ “ 80 “ عاما ، كان الفيلسوف الشهير يعيش في الضاحبة الشمالية من باريس آثر العزلة في سنواته الأخيرة . في الرابع عشر من كانون الثاني عام 1941 يعلن عن وفاة هنري برجسون بعد ان اصيب باحتقان رئوي ، ودخل في غيبوبة استمرت ايام ، كانت فرنسا تحت الاحتلال الألماني ، ولم يسر في جنازته سوى عدد من أفراد عائلته ، وقد أوصى بعدم إقامة طقوس دينية له .فقد أعلنت زوجته انه رفض حتى آخر لحظة استقبال أحد رجال الكنيسة ..كما اوصى ايضا بعدم نشر اي شيء من اوراقه الشخصية ، فقد قال قبل وفاته بايام ان عمله وحده ينبغي ان يتحدث عنه :” طالما الححت في طلب عدم الاهتمام بحياتي ، وانصرفت فقط إلى ابحاثي . وطالما ثابرت على مساندة فكرة ان حياة الفيسوف لا تُلقي أي ضوء على مذهبهه الفلسفي ، ولا تعني الجمهور . تهولني هذه الدعاية المتعلقة بي ، ولو كنت اعلم ان نشر مؤلفاتي سيجر لي هذه الدعاية كلها ، لندمت ابد الدهر على نشرها “ .إلا ان وصيته لم تجد صدى لدى طلبته والمقربين منه الذين وجدوا في حياته ومراسلاته واوراقه تجربة جديدة لقراءة اعمال هذا الفيلسوف الكبير .

وانا اكتب عن هنري برجسون استعيد المرة الاولى التي قرأت فيها واحدا من كتبه وكان بعنوان “ منبعا الاخلاق والدين “ لم يثر اهتمامي اسم برجسون مؤلفا للكتاب ، لانني وجدت في اسم المترجم سامي الدروبي ما يغري القارئ ان يسأل من هو هذا الكاتب ؟ .. في المقدمة التي نشرت مع الكتاب يخبرنا المترجم ان برجسون اشتهر بنظريته عما يسمى بالدافع الحيوي ، ومعناه ان في حياة الاحياء دافعا يدفعهم الى الابداع والتطور .، بدأت بقراءة برجسون وانا امني النفس بكتاب ممتع ، فاذا بي اواجه مشكلة .. الكتاب كان فلسفيا بامتياز ، وكنت كلما امضي في قراءة صفحاته اجد نفسي في غابة من الاسماء “ كانط .. هيغل .. ديكارت .. سبينوزا .. داروين .. سبنسر “ ، لكنني ساجد ضالتي بعد سنوات في كتابه “ التطور المبدع “ – ترجمه جميل صليبيا .. كان الكتاب اشبه بالقطعة الادبية الخالصة ، وقد فتح لي جميع ابواب برجسون التي كانت مغلقة امامي . يقع كتاب “ التطور المبدع “ فيما يزيد على الثلثمائة صفحة . قسمها برجسون الى اربعة اقسام ، وهو يخبرنا في مقدمة الكتاب إن الهدف الذي يريده من كتابه هذا هو الوقوف على الدلالات العميقة اللحركة التطورية ، من اجل الكشف عن الطبيعة الحقة للحياة بصفة عامة .. فالتطور يأتي مباغتاً ، في عالم يُخترع ويعاد اختراعه دون هوادة. وبالتالي فإن برجسون يقرّ بوجود قوة خلاقة أنشأت الكون لتكون ذات فعل حاسم في تطوّره. ، مؤكداً في الوقت نفسه ان ثمة في الكون ما هو أعلى من العقل، الذي هو مجرد أداة للفعل وهو الوجدان أو الحدس القادر وحده على فهم الحياة وإدراك ما هو متغيّر في الديمومة الزمنية. ما ان انتهيت من “ التظر المبدع “ حتى عدت من جديد الى كتاب “ منبعا الاخلاق والدين “ الذي يفدم لنا برجسون فيه فلسفته الخاصة عن التطور التي يرجعها الى هذين العنصرين “ الاخلاق والدين “ ففي الانسان يوجد دافع غريزي نحو التعاون الاجتماعي وهو حسب رايه ياتي من الله ، ومع ذلك عندما حصل الانسان على العقل او الذكاء في البداية كان هناك خطر شديد وهو ان تجعله قوته العقلية انانيا الى حد كبير وان يستخدم عقله المكتسب حديثا لاغراض فردية تضر المجتمع ، وتناقض اغراض الدفعة الحية ، ولمنع هذه الكارثة قامت الطبيعة بدفع الافراد الى الشعور بانهم يواجهون إرادة المجتمع ، تلك الارادة التي يُعبر عنها بالعادات والتقاليد والمحرمات التي يشعرون انهم مجبرون على الخضوع لها ، وقد نشأ فيما بعد خطر مضاد للتطور البشري اذ اصبح ثقل العادات والمحرمات مسؤولاً عن تقاعس الجنس البشري عن طريق قصورها وقسوتها ، وهددت الحرية بالضياع واصبح التقدم مستحيلا ، ويعتقد برجسون ان الدين لو وظف بشكله الصحيح لاستطاع ان يعمل كثيرا لتعزيز تقدم البشرية وهو يرى اننا بحاجة إلى مجتمع اكثر روحانية وقيم اجتماعية عادلة وديمقراطية، مجتمع يخلوا من الحروب والمنازعات مجتمع تستطيع البشرية ان تعيش فيه بحب وانسانية ، وان الانسان يستطيع ان يبلغ حياة افضل في هذا العالم لو انه بذل المزيد من الجهد الانساني الضروري ، ويرى برجسون اننا لو اثبتنا ان الانسان حر ، بدت نظرية داروين في التطور في ضوء جديد ، فالانسان ليس العوبة في يد قانون البقاء للاصلح ، فالحياة ليست نتاج قوانين آلية ، وهي ليست كالنهر يجري بقوة ليدفع الانسان اماما في طريق التطور والقوة الدافعة ليست خارجة عن الانسان ، بل هي في داخله ،” ان الحياة فنان يعمل من تلقاء نفسه “ فهي تبشر في كل لحظة بانها ستزدهر وتغدو شيئا لم يخطر في البال ، انها تنبع من حقيقة رائعة ، “ ان جوهر حياة الانسان الخلاقة هو الله “ والحياة تدفع الى الاعلى “ فالحيوان يسمو على النبات والانسان يبسط سلطانه على الحيوان والبشرية كلها مكانا وزماناً جيش واحد ضخم يركض بجانب كل منا وامامه وخلفه في حملة جانحة قادرة على دك كل مقاومة وازالة كل عقبة».

هناك اتفاق على ان هنري برجسون يوضع مع جون ديوي ووليام جيمس بين فلاسفة القرن العشرين الأكثر شهرة ، والأهمية الكبرى لهؤلاء تعود الى العدد الكبير من الأتباع والتلاميذ ، فقد كان لبرجسون تاثيرا كبيرا على الكثير من الفلاسفة والمفكرين .

ولعل مؤرخي الفلسفة يرون أن هنري برجسون هو أكثر الفلاسفة سيراً عكس التيار و كان يعتبر، بالنسبة إلى الكثيرين، أكبر فيلسوف عرفته فرنسا خلال الفترة بين القرنين التاسع عشر والعشرين. في موسوعته الفلسفية يخبرنا عبد الرحمن بدوي ان برجسون مثل سارتر كانت اعماله الفلسفية ولا تزال تقرأ كقطع أدبية ممتعة .مثلما في كتابه “ التطوّر المبدع “ ، الذي اتخذ فيه مذهب التطوّر كأساس نهائي لاتجاهه الفلسفي الوجودي ، لكنه بعيد جدا عن الوجودية الفرنسية واقرب الى وجودية هايدغر ، حيثكان برجسون متاثرا بالفلسفة الالمانية .

اهتم برجسون في تحديد مفهوم للزمن وهو يقول : “ ماذا عسانا أن نكون في الواقع، أو ماذا عسى أن يكون طبعنا، إن لم تكن تلك الحصيلة المركزة التي تجمعت من تاريخ حياتنا السابقة، منذ ولادتنا حتى الآن، إن لم نقل قبل ولادتنا، مادمنا نحمل معنا ميولا وراثية أو استعدادات سابقة على الولادة ؟ “ ثم يستطرد قائلا: “صحيح أننا لا نفكر إلا بجزء ضئيل من ماضينا، و لكننا نرغب، و نريد، و نعمل، بماضينا كله، مع ما ينطوي عليه من اتجاه أصلي قد اتخذته نفوسنا منذ البداية. و إذن فإن من شأن ماضينا أن ينكشف لنا بأكمله من خلال قوته الدافعة على شكل ميل أو اتجاه، ولو أن جانبًا ضئيلًا منه فقط هوالذي يستحيل إلى تصور عقلي «

ولكن برجسون لا يقتصر على القول بأن :” من شأن الماضي أن يظل حيا باقيا في الحاضر، بل هو يقرر أيضا أن من المحال الشعور أن يمر بنفس الحالة مرتين، وذلك لأنه مهما تكن الظروف متشابهة، أو مهما تكن الملابسات واحدة، فإنها لاتؤثر مطلقًا على شخصية واحدة بعينها، مادامت تعرض لها في لحظة جديدة من لحظات تاريخها. و لما كانت شخصيتنا في تكون مستمر، لإنها تبني ذاتها في كل لحظة، مستعينة بما تجمّع لديها من تجارب، فإن شخصيتنا في تغيّر دائم دون أدنى توقف أو انقطاع. و هذا هو السبب في أنه لا يمكن أن تتكرَّر في أعماق شعورنا حالة نفسية واحدة، حتى لو بَدَا لنا ــ لأول وهلة ــ أننا بإزاء ظاهرة واحدة بعينها” – زكريا ابراهيم دور الزمان في حياة الانسان -

لعبت كتابات هنري برجسون عن الزمن ، دورا كبيرا في التاثير على تيار الوعي في الادب الحديث ، وكان من ابرز من تاثر به مارسيل بروست حيث يؤكد نقاد الادب إن “ البحث عن الزمن المفقود” ، رواية بروست الأساسية، ليست في نهاية الأمر سوى تطبيق أدبي لنظرية برجسون حول مفهوم الزمن

كان برجسون فيلسوفا اخلاقيا ، لم يفقد الامل فب ان تقوم المحبة بين الناس مقام القانون . وكان يرى في عودة الفلسفة الى الافكار الواضحة والاستجابة لدعوة ديكارت ، انما هي بعث لروح انهكتها الحروب وتقدم الصناعة على حساب الانسان ، ولهذا حاول ان يطور مقولة ديكارت “انا افكر اذن انا موجود عند ديكارات الى “ انا ذو ديمومة اذن انا موجود.