مجلس النواب في ظل إنقلاب بكر صدقي

Sunday 19th of September 2021 10:04:59 PM ,
5027 (ذاكرة عراقية) (نسخة الكترونية)
ذاكرة عراقية ,

د. عكاب يوسف الركابي

سارعت، وزارة حكمت سليمان، على اثر تشكيلها بانقلاب بكر صدقي، الى استصدار ادارة ملكية، في 31 تشرين الاول 1936، بحل المجلس النيابي، واجراء انتخابات جديدة، ويبدو ان الوزارة، أرادت ان تتخلص من، مجلس النواب الذي أوجدته حكومة ياسين الهاشمي،

لتتمكن من القيام بالاصلاحات المنشودة على اعتبار، ان التعامل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، الذي لا بد منه، غير موجود في البرلمان الحالي، وقد صدرت الاوامر بأجراء الانتخابات، في 10 كانون الاول 1936، ولكنها لم تتم قبل 20 شباط 1937، لان، حكمت، أراد المصالحة مع كل من القوميين العرب وجماعة الاصلاح الشعبي، لكن، بكر صدقي، اعترض على ذلك، والذي على ما يبدو، كان يخشى ان يؤدي اجراء انتخابات حرة، الى فوز عدد غير قليل من الاصلاحيين، وعودة مؤيدي حكومة الهاشمي الثانية، فأخذ يماطل في تأخير موعد اجراء الانتخابات وبحلول الموعد الاخير للانتخابات ((كانت قوة جماعة الاهالي وجمعية الاصلاح الشعبي قد وهنت وساءت علاقاتها بصدقي)).

حاول، بكر صدقي، وأنصاره من العسكريين اجراء هذه الانتخابات، بحيث تكون نتائجها تتفق ورغباتهم، كذلك فان الاصلاحيين حاولوا ايضاً ((الحصول على عدد كبير من المقاعد النيابية في المجلس الجديد، معتمدين على شعبيتهم فأخذوا يدعون الى انتخابات حرة مباشرة لما لها من فوائد كبيرة في الاطلاع على رغبات الشعب، ودفعه الى المشاركة فيها وضمان مجئ نواب يمثلونه تمثيلا ً حقيقيا ً))، وانتقدت الجماعة من خلال صحيفتها (الاهالي)، نظام الانتخابات غير المباشرة في العراق واصفة اياه « بانه من مخلفات عهد الانتداب، وانه لم يعد يلائم التطور السياسي والثقافي الذي وصل اليه الشعب «، كما طالبت الجريدة، المرشحين للمجلس بنشر مناهجهم ووجهات نظرهم إزاء المشاكل العامة، والمشاريع التي سيعملون على تحقيقها من خلال المجلس، « ليقف الشعب على نواياهم ولكي يحاسبهم اذا لم يسيروا عليها بعد انتخابهم « .

لاقت دعوة الاصلاحيين هذه معارضة، بكر صدقي، وحكمت سليمان، اللذان عدّا، ان الانتخابات الحرة ستؤدي الى رجوع عدد من النواب المؤيدين للعهد السابق الى المجلس .

ونتيجة لمخاوف بكر صدقي من هذه الدعوة، وتأثير ضباط الجيش والقوميين عليه، دعا في أواسط شباط 1937، الى اجتماع عقد في داره، حضره عدد من ضباط الجيش والقوميين، بينما لم يحضره أحد من الاصلاحيين، استهدف الاجتماع، إعداد قوائم بأسماء النواب الجدد المراد اشراكهم في المجلس النيابي الجديد، وقد أعلن صدقي، بانه سوف لا يسمح لأي من أعضاء حزب الاصلاح، بالفوز في الانتخابات، والحصول على أي مقعد في المجلس، لولا تدخل، حكمت سليمان، وجعفر ابي التمن، اللذان اقنعاه بالعدول عن قراره هذا، اعترافا ً منهم بأهمية جهود الاصلاحيين ومشاركتهم في نجاح الانقلاب العسكري . لذا سمح صدقي بدخول اثني عشر منهم فقط الى المجلس.

وفي 20شباط 1937، تم انتخاب النواب الجدد، وقد جرت الانتخابات على وفق قانونها النافذ، حينذاك، قانون انتخاب النواب لسنة 1924.وقد فشلت دعوة الاصلاحيين، في اجراء انتخابات حرة، نزيهة، بعد ما حصلوا على عدد ضئيل من المقاعد النيابية اذا ما قيس بعدد المقاعد البرلمانية .ويعود السبب في ذلك الى الظروف غير الاعتيادية، لاسيما وان الحكومة جاءت، أثر انقلاب نفذه الجيش فضلاً عن نوازع، بكر صدقي، الدكتاتورية .

وبالرغم مما أصاب الاصلاحيين من خيبة أمل في الانتخابات، فقد قرروا، الوقوف صفاً واحداً، وبقوة، في المجلس الجديد إزاء مناؤيهم، ولتنفيذ مشاريعهم الاصلاحية، ولكنهم خذلوا مرة اخرى، في أمرين، الاول، انهم أقلية في المجلس، فقد أصبح من الواضح لديهم ومنذ الايام الاولى، انهم لم يتمكنوا من إمرار أي تشريع يرغبون باصداره، فضلا ً عن آن، كل المحاولات التي جرت لاقرار شيء من الاصلاح الاجتماعي والاقتصادي تقابل بتهمة الشيوعية، اما الامر الثاني، فهو ظهور اتجاه في المجلس، لجماعة التفت في الوقت نفسه حول بكر صدقي، وتخطئ بمساندته في مقاومتها للاصلاحيين، متهمة ً اياها بالشيوعية .

وبالرغم من وقوف، جعفر ابو التمن، وزير المالية، في موقف تقريب وجهات النظر بين، النواب الإصلاحيين، والمعارضين لهم، داعياً الى الابتعاد عن العاطفة، موضحاً بان الحكومة ((عندما تكلف بادارة مزرعة، فانها ستوفر كافة مستلزمات الزراعة للمزارعين، وتهيئ لهم بواسطة المصرف الزراعي كل الوسائل الحديثة الممكنة))، الا ان حدة العداء للاصلاحيين من القوميين وشيوخ العشائر والرجعيين أخذت بالازدياد حدة، واصبح موقفهم داخل المجلس النيابي، وهم قلّة إزاء مناوئيهم من النواب من أنصار، بكر صدقي، والنواب التقليديين الآخرين، صعبا ً، بعدما أخذت الصحف تتعرض لهم على صفحاتها وبتشجيع من، بكر صدقي، والذي وصفهم بالشيوعية اذ قال ((ان العراق تربة غير صالحة للشيوعية والذي يحاول بث المبادئ الشيوعية في العراق كمن يحاول زرع نخيل البصرة في جبال النرويج)).

ان تبني الصحف المعادية للاصلاحيين، لهذه التصريحات وتهجمها عليهم، دفع جريدة الأهالي الى الرد عليها واتهامها، بانها تحاول الوقيعة وهي التي، عرف عنها، مشايعتها لرجال العهد البائد، كما أنكرت الجريدة، دعوى الشيوعية واستغربت، من اتهام المطالبين بالاصلاح بالشيوعية ثم تساءلت، ((الى متى يفسح المجال لمثل هؤلاء، ان يعيثوا في البلاد فسادا ً)).

وبدلاً من ان يقف، حكمت سليمان، بوجه هذه العناصر، ويضع يده في يد، حلفاء الأمس، من الإصلاحيين، وقع تحت التأثير العام لشخصية، بكر صدقي، الطاغية، متخلياً عن زملائه، وبعد ان رأى ان تأثير العناصر، المعادية للاصلاحيين، أخذ، بالتوسع في صفوف الرأي العام، واصبح قوة لا يمكن تجاهلها، بالإضافة الى ضغط، بكر صدقي، عليه للابتعاد، عن جماعته، أصبح أمام خيارين: أما السقوط، او، الانفصال، عن الاصلاحيين، والسير على نهج، بكر صدقي، فأختار الحل الثاني .

لقد أستمرت العناصر المعادية للإصلاحيين، بحملتها الدعائية بصورة فعالة، بدفع من، بكر صدقي، والعناصر الملتفة حوله، فقد هاجمهم الاخير، في 17 آذار 1937، واصفا ً إياهم: ((اما أناس جهلة بحاجة الى المعرفة)) او ((أناس أرادوا بالوطن سوءاً … وكانوا دون شك لعبة بأيادي الأجنبي))، وعلاوة على ذلك فقد اعتقلت الحكومة، في 28 آذار 1937، الشاعر الشهير محمد مهدي الجواهري، صاحب جريــدة، الانقلاب، بسبب انتقـاده لسياســة الحكومة وبسبب تأييــده لجماعة الإصلاح .

وبالرغم مما مر ذكره، فقد، توصل البرلمان الى مناقشة بعض المشاريع وتمكن من المصادقة عليها ومنها (50) لائحة شملت مراسيم أصدرت قبل اجتماع المجلس، وقوانين جديدة او تعديلات لقوانين موضوعة رغم وجود الخلافات بين أعضائهِ، وقد أنجز من هذه اللوائح (42) لائحة و (4) مراسيم، ومن أهم هذه اللوائح، لائحة قانون الميزانية العامة، ولائحة قانون تصديق وثيقة انضمام اليمن الى، معاهدة التحالف والاخوة بين العراق والمملكة العربية السعودية، ولائحة قانون الدفاع الأعلى، ولائحة قانون تصديق اتفاق حسن الجوار، بين العراق وسوريا، ولائحة قانون تصديق الاتفاق الحاصل بين، العراق وتركيا، بشأن تمديد أمد الفصل الثاني من المعاهدة العراقية – التركية – الإنكليزية، في 5 حزيران 1926، وقانون، العفو العام عن القائمين بتنفيذ الأحكام العرفية في، حركات العشائر، التي قامت في عهد الوزارة الهاشمية الثانية .

وبعد ان أكمل البرلمان اجتماعه الاعتيادي السنوي، أنهى أعماله في 26 حزيران 1937، ولم يجتمع بعد ذلك، حيث، حلّته حكومة، جميل المدفعي، الرابعة التي توسدت الحكم بعد انقلاب عسكري أطاح بالوزارة السليمانية.

عن رسالة (حكمت سليمان ودوره في السياسة العراقية)